By / 11 يوليو، 2021

2- سلسلة إسقاط الخصوم رفض الحلول الوسط

هنا عرض لتجربة ثورة حديثة للإفادة من إجراءاتها حتى مع خلافنا المنهجي معها (موقع البوصلة)


مقال بقلم : محمد عفيفي

حين اشتعلَ فتيلُ الثورة الإيرانية وأصبح سقوط الشاه محتوماً، فضّلتْ أمريكا أن تسقطَ إيران في أيدي القوميين أفضل بدلاً من أن تسقط في أيدي ” الإسلاميين ” وكانتِ الجبهة القومية من شركاء الخميني في الثورة والحراك والسجون والمعتقلات، قابلَ الشاه “كريم سنجابي” أحد زعماء الجبهة القومية وطلبَ منه تشكيل حكومة قومية، (مثل: قرَّر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلَّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان).. تشاورَ سنجابي مع زملائه في الجبهة القومية، لكنهم اتفقوا على أن ذلك لن يكون ممكناً في ظل الأحكام العرفية (قانون الطوارئ).. فكّر سنجابي في ضرورة مقابلة الخميني، واستأذنَ الشاه في أن يذهب إلى باريس، وقضى سنجابي أسبوعين في باريس لعقد محادثات مع الخميني الذي أوضح أنه ليس على استعداد لتقديم أي تنازلات.

تمّ اعتقالُ زعماء الجبهة القومية في إيران، ومنهم مهدي بازرجان رئيس لجنة حقوق الإنسان وأحد المقربين من الخميني، وفي سـجن “قصر” أحد سجون السافاك “جهاز المخابرات الإيرانية قيل له: إن الشاه بعث برسولٍ لمقابلته، وكان الزائرُ هو الجنرال “مقدمي” رئيس جهاز السافاك، الذي قال له: لقد أحضرتُ لك رسالةً من الشاه، فجلالتُه على استعدادٍ أن يَملك ولا يَحكم مثل ملكة إنجلترا، إنه على استعدادٍ لأنْ يَقبلَ دورَ المَلك الدستوري، فإن كنتم تريدون مَلَكيةً دستوريةً فليكنْ ما تريدون، فلماذا لا تتعاونُ معه؟!

فقال بازرجان: أتخبرُني بهذا وأنا مازلتُ في السجن، حيثُ لا وسيلة لي للاتصال بأصدقائي، هل من المفترض أن أناقشَ اقتراحاتِ الشاه مع نفسي فحسب؟

أرسلتِ السفارةُ الأمريكية وفداً لمناقشة أعضاء الجبهة القومية، واتفقوا مع مهدي بازرجان على ما يلي:

1 – أن يغادرَ الشاه البلادَ بحجة أنه ذاهبٌ للعلاج.

2 – أن يتمَّ تشكيلُ مجلس وصايةٍ على العرش.

3 – أن تُشكلَ حكومةٌ قومية أعضاؤها ليبراليون (ليسوا إسلاميين).

4 – إجراء انتخابات جديدة.

تم إرسالُ آية الله منتظري إلى باريس ليُقدمَ تقريراً إلى الخميني عن كلّ هذه الاتصالات، ولكن الخميني رفضَ كلَّ شيءٍ – كلَّ شيءٍ، وقال: إن المفاوضات لم تكن ســوى خديعـةٍ وحَــلٍّ وسـطٍ لإجهاضِ الثورة.

أقول: كان هذا موقف الخميني الشيخ المُعمم خريج الحوزات الدينية في مدينة “قم” الإيرانية، قارنه بموقف نخبتنا وقادتنا وسياسيينا في 12 فبراير 2011 الذين أخلوا الميادين لمجرد تنحي مبارك وتكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان!!

معركة الحسم وسقوط النظام:

رفض كريم سنجابي ومهدي بازرجان (من قادة الجبهة القومية) تشكيل الحكومة، فلجأ الشاه إلى البديل الثالث “شاهبور بختيار” وهو أيضاً من قادة الجبهة القومية، وردّ الخميني أنه لن يؤيدَ بختيار لأن تعيينَه غيرُ شرعي طالما الشاه هو الذي قام بتعيينه، (وكان يجبُ علينا ألا نؤيد تكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد لأن حسني مبارك هو الذي كلّفه)، وقال الخميني: التهديدُ بانقلابٍ عسكري لن يُخيفنا لأننا في ظلِّ انقلابٍ عسكري فعلاً، وبختيار ألعوبةٌ في يد جنرالات الجيش، وإذا تدخل الجيشُ فإن ذلك سيكون تحت قيادة أمريكا، وفي هذه الحالة فإننا سنعتبرُ أنفسَـنا في حالة حربٍ مع أمريكا.. وهنا قامت الجبهة القومية بالتبرؤ من “بختيار” وطرده من صفوفها وأعلنوا تبعيتهم للخميني..

خرج الشاه من إيران فكانت رسالة الخميني للشعب الإيراني: “إن التخلصَ من الشاه لم يكن سوى الخطوة الأولى، وليس هذا هو نصرُنا الأخير ولكنه مقدمة النصر” ودعا الشعبَ أن يستمرَ في الإضرابات والمظاهرات. فأعلن رئيسُ الحكومة حظرَ التجول، وحين سمع الخميني ذلك أخذ قصاصةً من الورق وكتب عليها “تحدُّوا حظرَ التجول بعون الله”، أُخِذتِ الورقةُ إلى التلفزيون وظهرت بخط الخميني على الشاشات وتدفق الناسُ إلى الشوارع، وكان هذا هو اليوم الأخير قبل أن تصلَ الثورة الإسلامية إلى السلطة.. 

تجاهل الخميني شاهبور بختيار “رئيس الحكومة” وعيّن مهدي بازرجان رئيساً للوزراء، واتصل الجنرال غراباغي بمهدي بازرجان وطلب منه أن يرسلَ مندوباً ليتسلمَ الجيش.. ولكن أي جيش؟ 

الجنرال عبده بدري قائد القوات البرية أطلق أحدُ ضباطه عليه النار. والجنرال كمال حبيب الله قائد القوات البحرية هرب إلى الخارج. وقُدم الجنرال أمير حسين ربيعي للمحاكمة وأُعدم رمياً بالرصاص. وقد لاقى نفس المصير الجنرال أمير رحيمي حاكم طهران العسكري. أما الجنرال علي رشابي فقد انطلق بسيارته فقابلته مظاهرة ضخمة أحاطتْ به فأطلق النار على نفسه منتحراً، كما انتحر الجنرال محمد علي حاتمي مدير الطيران المدني، وهكذا وصل الصراعُ بين الشاه والشعب إلى نهايته. 

فلنتعلمْ إذن: بناء شبكة تحالفات ثورية قوية، والعمل على تفكيك أركان الخصم، والتفريق بينهم، ومنع وَحدتهم، وتشويه سمعتهم، ثم اطرحِ البديلَ الذي يُقنعُ الشعبَ، وبعدها واجه خَصـمَك وأنت واثقٌ من النصــر.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *