By / 28 أكتوبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن (الحلقة 7)

الهياكل السياسية

كان لتنظيم حركات (حركة الانقلاب الإسلامي) بقيادة مولوي محمد نبي محمدي هيكلا سياسيا دائما يُسمى جمعية ’’طلبة حركات’’ وكان رئيسها يُعرف باسم رئيس الطلبة. وباستثناء نضال الجمعية في مجال الدراسات الدينية والمنشورات والتربية السياسية لم يكن لها أي تأثير على قادة الحركة الميدانيين ومقاتليهم داخل أفغانستان. وكان لديها مكاتب في بيشاور وكويتا. وقد تبع طلبة العلوم الدينية ’’طالبان’’ من المقاطعات الوسطى والشرقية والجنوبية الشرقية مكتب بيشاور، بينما تبع طلبة المنطقة الغربية والجنوبية الغربية والجنوبية مكتب كويتا.

وقد تولى مولوي وكيل أحمد متوكل رئاسة مكتب كويتا، في حين تولى مولوي إحسان الله إحسان رئاسة إقليم قندهار. وقد أصبحا فيما بعد شخصين معروفين في حركة طالبان. وكان لجمعية ’’طلبة حركات’’ قادة في الولايات أيضًا. وتمثل الهدف الرئيسي للجمعية في خلق وعي بين المتدينين من طلبة العلوم الدينية ’’طالبان’’ حول السياسة الإقليمية والدولية، وعقد لقاءات ونقاشات حول القضايا المهمة وترتيب البرامج التعليمية.

لم يكن دور جمعية الطلبة قوياً ومنظماً في تنظيم مولوي محمد نبي محمدي لأن اهتمام القيادة بها لم يكن دائما. ومن ثم أسس مولوي نصر الله منصور ’’مجموعة حركات’’ منفصلة. وكانت المجموعة التي أسسها نشطة وفعالة لأن مولوي منصور وثق في طلاب المدارس الدينية، واعتبر هذا الجيل الشاب بمثابة قادة المستقبل لأفغانستان. وكرر في برامج التدريب والاجتماعات أن هذا الجيل الديني الجديد يمكن أن يلعب دورًا خاصا في السياسة المستقبلية لأفغانستان.

نظم نصر الله منصور هذا الهيكل السياسي الجديد الذي أطلق عليه “تنظيم الطلبة”، وضم شيوخًا من جميع الولايات بالإضافة إلى مناطق بارزة من باكستان، وكان الأفغان يشكلون أغلبية. وقدم التنظيم الجديد برامج تعليمية أسبوعية لتجنيد أو جذب الطلاب من المدارس العصرية والدينية. وجرى تعيين طلاب من الجامعات والمدارس العصرية كقادة في بعض المجالات. وقاد هؤلاء الشباب وألقوا دورات في التربية السياسية، ومحاضرات أمام الآلاف من أعضاء الجمعية حول قضايا تاريخية وحوادث مهمة. ووجه مولوي منصور طلابه لتعلم اللغة الإنجليزية والعربية الأمر الذي جعل العديد من كبار الملالي ينتقدونه.

نشر “تنظيم الطلبة” ثلاث أو أربع منشورات، وكان أحد هذه المنشورات ذائع الصيت بين المنشورات الصادرة في بيشاور، وقد صدر في شكل مجلة أسبوعية تسمى “كوثر” بقيادة محمد أمين فروتان الذي شغل منصبا قياديا في الحزب الإسلامي ثم ترك الحزب فيما بعد لأسباب معينة، وانضم إلى المولوي منصور نائباً له. وفي ظل انتقاده لحكمتيار في مجلة كوثر حاولت استخبارات الحزب الإسلامي قتله لكنه نجا وأصيب بجروح خطيرة في الرأس منعته من مواصلة نشاطه.

من رحم “تنظيم الطلبة” برز العديد من الأشخاص ممن كانوا قادرين على القيام بأعمال إدارية لاحقا في حكومة رباني وحكومة طالبان حتى أنه قيل في عهد نظام طالبان أن فلاناً يفهم الإدارة لأنه قضى وقتاً في تنظيم مولوي منصور.

وقد شارك شباب من حركة الانقلاب الإسلامي والحزب الإسلامي في جلسات مولوي نصر الله منصور التعليمية حول السياسة والتعليم. لذلك كان منصور مؤثراً للغاية في صفوف طلبة العلوم الدينية الذين انضموا لاحقا إلى حركة طالبان، ومن ثم استخدم العديد من شبابها اسم “منصور” كاسم مستعار في أسمائهم.

ومن الشخصيات الشهيرة في حركة طالبان من أتباع مولوي نصرالله منصور: مولوي محمد طاهر أنوري (وزير المالية ووزير التخطيط)، ومولوي عارف الله عارف (محافظ غزنة ووكيل وزارة المالية) قاري أحمد الله (قائد شرطة في ولايات قندهار وزابل ونمروز، ووزير الداخلية ورئيس الاستخبارات في عهد طالبان )، ومولوي رحيم الله زرماتي (نائب وزير الإعلام والثقافة)، مولوي أحمد جان (وزير الكهرباء، والمناجم والصناعات) ومولوي إسحاق أخوند زاده (والي لغمان)، المهندس عبد الله جول ريان (رئيس مفوضية حقوق الإنسان)، والأستاذ فايز أحمد فايز (المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية)، وعبد الغفور أفغاني (المتحدث باسم وزارة الخارجية)، وعبد الحكيم مجاهد (ممثل طالبان في نيويورك والسفير الأفغاني في إسلام أباد) وعدد قليل آخر من ذوي المناصب الرفيعة والمتدنية.

كذلك كانت عائلة السيد محمد طيب آغا ومجموعتهم مرتبطة أيضا بمولوي نصر الله منصور، ولكن عندما توقف توريد الأسلحة لمجموعة مولوي منصور، انضموا إلى تنظيم الاتحاد الإسلامي مثل العديد من المجموعات الأخرى.

وقد أنشأ الحزب الإسلامي والاتحاد الإسلامي والملي نجات (جبهة التحرير الوطني الأفغاني بقيادة صبغة الله مجددي)هياكل سياسية مماثلة لما أسسه مولوي منصور.

خلال بداية التسعينيات في بيشاور أرادت الطبقة الدينية أن تشرع في تأسيس حركة ومبادرة دائمة وجماعة إصلاحية في أفغانستان. فاتفقوا وأسسوا تنظيمًا يسمى جمعية طلبة أهل السنة، وعقدوا اجتماعات أسبوعية، وعينوا قادة ونوابًا لكل ولاية. وبمرور الوقت اكتسب التنظيم أتباعًا كما تبعه أشخاص في صمت داخل أفغانستان. كل الأعضاء أو غالبيتهم بشكل أدق كانوا لاجئين في باكستان. وفي وقت لاحق ظهر عدد قليل من كوادر طالبان ممن تعود جذورهم إلى هذه المجموعة مثل مولوي عبد الحكيم شرعي رئيس جمعية طلبة أهل السنة في خوست، والذي أصبح فيما بعد قائدا لشرطة خوست، ونفذ إجراءات أمنية جيدة مقارنة بنظرائه. وقد حل تنظيمه وضمه إلى حركة طالبان عندما وصلت إلى خوست. كما تولى حكم ولاية خوست لبعض الوقت خلال عهد طالبان.

 وبفضل جهود بعض العلماء المسلمين توحد تنظيم مولوي محمد نبي محمدي وتنظيم مولوي نصر الله منصور في النهاية. واختير محمدي كقائد ومنصور كنائب له. كما اندمج تنظيم الطلبة وجمعية الطلبة معا.

التركيبة العسكرية لطلبة العلوم الدينية (طالبان ) من غزنة إلى زابل

قبل سنوات قليلة من ظهور حركة طالبان في بكتيكا وغزنة وزابول، بدأ طلاب العلوم الدينية حراكا من أجل تحقيق السلام والعدالة والأمن. فعُقدت اجتماعات كبيرة في البداية، وطلبوا فيما بعد دعم القادة الإقليميين. وعندما أخلت حكومة الدكتور نجيب الله عددًا قليلاً من المقاطعات لتسيطر فقط على مراكز الولايات اندلع صراع بين القادة في غزني وباكتيكا وزابل. وعندما أصبحت حكومة نجيب على وشك الانهيار كانت بعض مراكز الولايات أيضًا على وشك السقوط.

اندلعت حرب ضروس بين الجماعات المختلفة، وبادر طلاب العلوم الدينية (طالبان) من سكان هذه المناطق ببذل جهود من أجل إحلال السلام والأمن خلال تلك الفترة، وطلبوا من بعض القادة دعمًا عسكريًا حتى يتمكنوا من التدخل عند الحاجة للسيطرة على الوضع.

هناك سببان رئيسيان لعدم تأسيس حركة طالبان في تلك المناطق بخلاف ما حدث في قندهار. أولاً، لم تكن هناك درجة من الوحشية تدفع لتأسيس الحركة على الفور. ثانيًا، لم تكن هناك مجموعات معزولة من طالبان في المنطقة، فمثلا جماعة الملا كليم في زابل (التي ترأسها لاحقًا الملا مداد) كانت أيضًا جماعة من طلبة العلوم الدينية مما عزز المجموعة حتى النهاية. وبسبب هذا تعامل القادة الإقليميون مع طلبة العلوم الدينية بشكل هادئ وتجنبوا الصراع معهم.

أظهر طلبة العلوم الدينية أنفسهم كمجموعة واحدة وقاموا بعقد جلسات وعظ، ولعب هذا الهيكل الموحد فيما بعد دورًا رئيسيًا داعما لحركة طالبان في الاستيلاء على غزنة وزابل وباكتيكا. فعندما انتفضت حركة طالبان في قندهار  بدأ طلاب العلوم الدينية أنشطتهم على الفور في غزنة وزابل على طريق كابول السريع، وتطور تواصلهم مع قندهار. فعلى الطريق السريع بين كابول وقندهار وبالتحديد من غزنة إلى قندهار كان الهيكل السياسي والعسكري طللبة العلوم الدينية (طالبان) أقدم بثلاث إلى أربع سنوات من هيكل الحركة في قندهار.

كان الملا إسحق أخوند زاده (الذي أصبح فيما بعد حاكم خوست ثم لغمان في عهد طالبان) زعيمًا للمجموعة، وكان لديه العشرات من طلبة العلوم الدينية في منطقة كاراباخ بغزنة، وكان الملا عبد الباري نائبه. بينما كان زعيم طالبان في أوباند هو عبد المنان، وكان الملا عبد الوالي زعيم طالبان في مقاطعة مقور، في حين تزعم الملا عبدالغفور مجموعات الطلبة في جيلان. وكان زعيم طالبان في منطقتي زابل وشجوي الملا عبد الغني بينما كان نائبيه الملا عبد الجبار والملا نور الله نوري. وفي أثناء حكم حركة طالبان أصبح الملا نور الله نوري حاكم ولاية بلخ ورئيس المنطقة الشمالية، وبعد الغزو الأمريكي سُجن في غوانتانامو لمدة 13 عامًا. أما الملا عبد الوهاب فكان زعيم طالبان في منطقة القلعة وسط زابل، وكان نائبه الملا أسد الله والملا محمد نظير.

عندما وصلت طالبان في البداية إلى زابل أقام قادة طلبة العلوم الدينية في منطقتي قلعة وشاهجوي نقاط تفتيش ومراكز في المنطقة لأنهم لم يرغبوا في أن تتجاوز طالبان قندهار حكمهم في زابل حيث أرادوا أن يحكموها بأنفسهم. وكان المطلب الآخر ألا يجمع أحد الأسلحة في زابل. وتسببت هذه النقاط في خلاف قبل شهر من معركة غزنة.

في ديسمبر 1994 أصبح قاري أحمد الله قائد شرطة منطقة قلعة وأحد سكان منطقة خوجياني في غزنة، وقد ظل وزيرًا للداخلية ورئيسًا للاستخبارات في عهد طالبان. عشت معه سابقا في بلوشستان لمدة عامين، وبسبب هذا الارتباط عشت معه في قلعة لدعمه. وقد أخبرني أن طالبان المحلية لا تريد الانضمام للحركة الرئيسية وتطرح خيارات ومطالب خاصة بها. وقد زار أحد العلماء المسلمين من زابل ويُدعى الملا عبد السلام سالمي، وعالم مسلم من قندهار لا أتذكر اسمه، والملا نور الدين الترابي الذي أصبح وزير العدل في عهد نظام طالبان وكان حينها مسؤولاً عن السيطرة على المنطقة التي دخلتها الحركة حديثًا، زعيم طالبان المحلي الملا عبد الوهاب لإقناعه بالانضمام للحركة الأم. وقد رافقتهم أيضا. وكان الملا عبد الوهاب يقدم أعذارًا مختلفة أثناء المناقشة وينتقد حركة طالبان أيضًا. لم يكن يتفق معنا بأي شكل من الأشكال. وبعد فترة اختفى الملا عبد الوهاب ولم ينضم للحركة حتى النهاية، لكن نوابه انضموا إلى طالبان.

في ديسمبر من ذلك العام  زار وفد آخر من قندهار بقيادة الملا إحسان الله إحسان زابل. ودعوا إلى لقاء في المسجد الكبير بمنطقة قلعة. وحضر اللقاء عزيز خان شقيق الملا مداد والملا عبد السلام روكتي (قائد الفيلق العسكري في ننجرهار في عهد طالبان). وفي خطاب مقنع وفعال، شرح الملا إحسان الله أسباب انطلاق حركة طالبان وأهدافها واستراتيجيتها المستقبلية. وأعلن عزيز خان والملا عبد السلام روكتي خلال الاجتماع دعمهما الكامل للحركة. وقد قال الملا روكتي: لو كان الطالبان باكستانيون لكنت أوقفتهم في منطقة “شير صفا”. (لأن الملا روكتي أعلن عن عداوته لباكستان بعد اختطافه ضابطاً باكستانياً) وأضاف: أعرف من هم قادة طالبان، وماذا يريدون. وبعد أيام قليلة زار الملا نور الله نوري والملا جبار برفقة مقاتلين مسلحين منطقة قلعة للقاء قادة طالبان. وأجروا مناقشات مهذبة أدت إلى حدوث اتفاق. وفي وقت لاحق شارك الملا نور الله نوري وأصدقاؤه في العمل العسكري، وحُلت الخلافات معهم.

الحاجة لتأسيس حركة طالبان

عندما غادرت القوات السوفيتية أفغانستان في فبراير 1989، كان النظام الشيوعي بقيادة نجيب الله يتجه نحو السقوط يومًا بعد يوم. فبدأ نجيب بعرض مفاوضات للسلام. وبعد فترة وجيزة بدأت الحكومة في إخلاء مراكز المقاطعات والتمركز في عواصم الولايات. وقد سقطت العديد من مراكز الولايات في أيدي المجاهدين بعد فترة. وكان هناك تنافس وصراع مستمر بين مجموعات المجاهدين المختلفة على السيطرة على المناطق الجديدة. كان لبعض الجماعات موقف حذر للغاية بينما كانت الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي ضد بعضهما البعض منذ وجودهما في بيشاور.

وقد واجهت الحكومات الائتلافية التي اتخذت من بيشاور مقراً لها معارضة مستمرة من حكمتيار. ففي تلك الحكومة أصبح صبغة الله مجددي رئيساً للحكومة، ومولوي محمد نبي محمدي وزيراً للدفاع، ومولوي يونس خالص وزيراً للداخلية، وحكمتيار وزيراً للخارجية ، لكن بعد فترة أعلن حكمتيار مغادرته الحكومة ووصفها بأنها حكومة مستأجرة.

عندما أدركت الحكومة الباكستانية والشركاء الدوليون أنه باستثناء رباني وحكمتيار، لم تكن الجماعات الأخرى مهتمة بالصراع من أجل الهيمنة على الحكم، بدأوا في محاولة إقناع الاثنين. ونتيجة لذلك ففي عام 1992 بعد سقوط حكومة نجيب، اختير حكمتيار رئيسا للوزراء، ومسعود وزيرا للدفاع ، وصبغة الله مجددي رئيسا للحكومة لمدة شهرين. وبعد مضي الشهرين جرى تعيين رباني رئيسا للحكومة لمدة أربعة أشهر. وعندما سقطت حكومة نجيب على وقع معارضة أنصار ميليشيا دوستم لنجيب كانت تلك المليشيا لا تزال تسيطر على مدينة كابول، ودخل أحمد شاه مسعود كابول كمؤيد لهم.

بينما سيطر أحمد شاه مسعود وميليشيا دوستم على كابول، لم يُسمح للمسلحين الآخرين بدخول المدينة. وحاولت قوات الحزب الإسلامي أيضًا دخول كابول  ووصلت في البداية إلى وزارة الداخلية وصعدت إلى باب منزل الرئيس، لكنها دُفعت إلى حدود المدينة بعد معركة شرسة شنتها القوات المشتركة لمسعود وميليشيا دوستم ومسلحي النظام الشيوعي القديم. كما اندلعت حرب شرسة بين قوات الحزب الإسلامي والجمعية الإسلامية على مدى ثلاث سنوات دُمرت خلالها مدينة كابول بالكامل، واستشهد أكثر من 50000 من أبناء كابول الأبرياء في ذلك الصراع. وكان من بين الشهداء أطفال ونساء وشيوخ. وفي البداية دخل مجددي مدينة كابول، وبعد أيام قليلة ذهب إلى مدينة مزار كقائد لوفد حكومي. وهناك أعلن عن منح ألقاب “الجنرال العظيم” وأطلق وصفا مقدسا على عبد الرشيد دوستم حيث شبهه بخالد بن الوليد القائد المشهور وصاحب الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) مما أزعج العديد من الأفغان.

بعد شهرين حاول مجددي البقاء في منصبه، لكن منذ اليوم الأول لم يقبله أحمد شاه مسعود كزعيم للحكومة، ولم ينصاع لأي من أوامره حتى أنه استخدم المصطلح الدرامي مزدوج المعنى “الحكومة بالنيابة” خلال حديثه عن رئيسها في البث الرسمي بالتلفزيون والإذاعة والصحف. عندما انتهى الشهران، تخلص مسعود من مجددي بسهولة، وأصبح رباني زعيمًا في حفل رسمي. وبعد انتهاء الشهور الأربعة المقررة لشغل رباني للمنصب ظل رباني في مكانه معتمدا على قوات مسعود العسكرية. هذا السلوك خيب آمال القادة والأحزاب والجماعات الأخرى، وأضعف التحالف الضعيف بالفعل. نأى أصحاب العقول الصادقة من قادة وشيوخ الحزب الإسلامي بأنفسهم عن الظروف السائدة. فقط القادة الذين اتسموا بالتبعية العمياء لحكمتيار انخرطوا في القتال. بل حتى من سبقت لهم المشاركة في أعمال سيئة تم الترحيب بهم وقُدمت لهم جميع أنواع الدعم. وتحولت مدينة كابول إلى ساحة معركة وحشية بين مسعود ودوستم وحكمتيار وسياف وميليشيا حزب الوحدة الشيعي.

وبعد جرائم الحرب التي ارتكبها الشيوعيون، ربما يكون من الصعب العثور على أمثلة مماثلة للوحشية في تاريخ أفغانستان باستثناء ما حدث في الحرب بين الأحزاب الجهادية، فقد قامت ميليشيات سياف بارتكاب مجازر في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا حزب الوحدة، وذلك عبر إهانة نساء الهزارة وقتل الناس ونهب منازلهم. وبالمقابل تحت قيادة مزاري قائد حزب الوحدة انتقمت رجاله من سياف بالقبض على البشتون وقطع أعناقهم وهم أحياء ثم صب الزيت الساخن عليهم. وخلال تلك العملية يحتفل أعضاء حزب الوحدة على وقع حركة جثة الشخص المذبوح قبل أن تسلم الروح، ويطلقون على ذلك المشهد رقصة الموتى. كان هذا الأسلوب من اختراعهم، وربما يكون من الصعب العثور على مثال لمثل هذه الوحشية في العالم.

كانت جماعة سياف تخضع لقيادة سياف نفسه وابن أخيه ممتاز والقائد شير علم وعدد قليل من المسلحين من أصحاب السمعة الشيئة في حين قاد حزب الوحدة عبد العلي مزاري وآخرين من شيوخ وقادة الهزارة الذين دعموا هذه الأنشطة. ويشغل معظمهم مناصب رسمية في الحكومة الحالية (يقصد حكومة أشرف غني). فإذا كانت عاصمة البلاد خلال حكم رباني قُسمت على هذا النحو بين قادة متوحشين، فكيف كان الوضع في المناطق النائية؟!

هناك قصة طويلة من الوحشية والاعتداء على حياة الناس وأعراضهم وممتلكاتهم في مدينة كابول، قصة لن يكفيها حتى كتاب من آلاف الصفحات. وقد نشر الكُتاب الذين يكتبون عن شئون المنطقة والمنظمات الدولية المعنية حقوق الإنسان أدلة كثيرة حول هذا الموضوع. وللأسف لم يعاقب أحد هؤلاء المجرمين. وبدلاً من ذلك، كافأت الجهات التي تزعم دعم حقوق الإنسان هؤلاء المجرمين عبر توليتهم للمناصب وتزويدهم بالأموال مقابل خدمة أهدافهم الاستعمارية.

منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 عندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان، تحكم نفس المليشيات ومنتهكي حقوق الإنسان البلاد بسبب دعمهم للغزاة الأمريكيين. وبسبب هؤلاء المجرمين لا يمكن للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان نشر تقرير يسجل مثل تلك الحوادث التي تتضمن انتهاكات لحقوق الإنسان في الحرب الأهلية خلال العقدين الماضيين.

أمثلة قليلة من كابول

في وقت مبكر نهبت ميليشيا جيلجام بقيادة عبد الرشيد دوستم مدينة كابول، وأخذت بالقوة النساء والأطفال دون السن القانونية بالقوة إلى أماكن إقامتهم وتجمعاتهم التي تضم موسيقى وخمور، حيث اغتصبوهم وألحقوا العار بهم. وفي حال رفضهم ذلك يتعرضون للقتل. وقد عاصر العديد من سكان كابول تلك القصص. كما شارك قادة مجموعة شورى نزار التابعة لأحمد شاه مسعود في أنشطة مماثلة. فكان قتل الناس أمرًا روتينيًا بالنسبة لهم – حيث يُقتل كل من يرفض مطالبهم. كما انخرط أعضاء حزب الوحدة في نزاع مسلح مع مقاتلي سياف حول قضايا ملكية الأراضي. وألقى مقاتلو حزب الوحدة القبض على أفراد من عرقية البشتون وسمّروا رؤوسهم أحياء. كما تعرضت نساء البشتون للعار وقطع أثدائهن بينما كن على قيد الحياة. وكانت تلك الحوادث متكررة. وهناك العديد من الأشخاص والشهود الذين شاهدوا هذه الأحداث وما زالوا موجودين على قيد الحياة. وقد اعترف بعض أعضاء حزب الوحدة عندما ألقت طالبان لاحقا القبض عليهم بقيامهم بأنشطة من هذا القبيل.

ومن أمثلة تلك الحوادث أنه عند نقطة تفتيش بالقرب من بول تشارخي اختطف مسلحون امرأة حامل، وقيل لزوجها أننا رأينا نساء في كل حالة باستثناء حالة الولادة، و نريد أن نشاهد هذا أيضًا.

وكان معظم مقاتلي سياف مدمنين على المخدرات، وقد اغتصبوا نساء الهزارة وقتلوا أطفالهن وكبار السن منهم، ونهبوا ثرواتهم. ودعم قادة الأحزاب القادة الميدانيين المتوحشين والقاسين الذين يتمكنوا من قتل الناس لخدمة أهدافهم، ومنحوهم أنواعا شتى من الامتيازات.

كانت نقطة تفتيش بين كابول وننجرهار بالقرب من ساروبي تحت سيطرة زرداد فريادي القائد التابع لحكمتيار، وكان أحد مقاتليه يرتدي زي كلب ويمتلك أسنانا حادة، ويتم تسليطه على الأشخاص الذين يرفضون دفع نقود عند الحاجز، وذلك لإجبارهم على دفع الأموال المطلوبة.

وتوجد قصة مشهورة بين سكان كابول مفادها أن قائدًا في مجلس شورى نزار التابع لمسعود القائد العسكري لرباني، أخذ زوجة أحد الأشخاص بالقوة، وتمكن الزوج من نقل شكواه المكتوبة إلى رباني الذي كتب على ظهر الشكوى: “أيها القائد المحترم، أرجوك أعد له زوجته”.

البرابرة في قندهار

قُسمت مدينة قندهار بين عشرات القادة. وكانت السيطرة في الغالب من قبل مجموعة الملا نقيب، لكنه لم يكن قويا في حد ذاته. فقد كان يفرض سلطته بواسطة القائد خان محمد المعروف باسم خانو، والذي كان يقود رجالاً متوحشين، ويخافه الملا النقيب نفسه.

كان غول آغا شيرزاي هو حاكم المدينة، وقد حصل على دعم مالي من رباني باسم قندهار. ولم تكن لديه قوة، ولذلك ركز فقط على أن يصبح ثريًا. وكان لديه عدد قليل من الأفراد العسكريين ومعظمهم من مدمني المخدرات والأشخاص السيئين وعديمي النفع.

كانت الفيالق العسكرية تحت سيطرة خانو الذي كان يتمتع بقوة عسكرية ويحوز أسلحة ودبابات مدرعة. وقد اهتم رباني به لأن هذه المجموعة كانت منتسبة للجمعية الإسلامية في قندهار. وكان المطار تحت سيطرة الحاج أحمد طار نجل القائد البارز حاج مغاش. وكانت منطقة (قشلة الجديدة) العسكرية والمناطق الغربية المحيطة بها تحت سيطرة العناصر المتوحشة التابعة لأمير لالي. في حين سيطر القائد التابع لسياف الأسطة عبد العليم على منطقة ساروبزاي غربي قندهار. وهو كان يعمل سائقا قبل الجهاد ولذلك اشتهر باسم “الأسطة”. كان رجاله أيضًا قساة تمامًا مثل رجال القادة الآخرين. كان البعض أقل سوءا في حين كان آخرون أسوأ. وكانت مدينة قندهار القديمة تحت سيطرة قائد الحزب الإسلامي عطا محمد سار كاتب.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *