By / 31 ديسمبر، 2018

بين العسكري والمدني

تعتبر المؤسسة العسكرية أحد أهم أركان النظام السياسي والحياة العامة في الدولة المدنية الديمقراطية وهي مؤسسة سيادية كغيرها من المؤسسات السيادية المتعددة، التي نص عليها الدستور بسبب ما تمتلكه من قوة وخاصة بعد التدخلات البارزة في بلدان الربيع العربي وعلى الرأس منها مصر مما جعلنا نعيد التفكير في العلاقة بين العسكر والسلطة فعبر التاريخ الحديث لم تكتف المؤسسة العسكرية في مصر بدورها الطبيعي السيادي في الدفاع الوطني والقومي عن أمن مصر وحدودها، بل نهضت بأدوار سياسية داخلية فالمؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للبلاد منذ انقلاب يوليو  ١٩٥٢م أو كما يزعم البعض علي أنه ثورة ونحن لسنا بصدد الحديث عن ذلك حتى نصبت نفسها في مقام الوصي على الشعب المصري والحارسِ للمصالح الوطنية وأنها الضامن للديمقراطية والاستقرار حتى تحول الجيش في مصر ومعظم الدول العربية إلى العنصر الحاسم في ضمان استمرار الحكم.

والمؤسسة العسكرية المصرية تختلف عن غيرها من المؤسسات العسكرية بسبب اتصالها المباشر بالحكم لأكثر من نصف قرن وما زالت حتي الآن حتي أضحي جلياً رؤية  تحول الجيش من المؤسسة إلي أن أصبح دولة داخل الدولة له قوة إقتصادية و استثمارية هائلة وخاصة بعد إتفاقية كامب ديفيد وتقليص المهام القتالية للجيش

وأكد تقرير لموقع ميدل إيست آي” البريطاني أكد أن العسكر “يهيمنون على نسبة تتراوح بين الـ50-60% من الاقتصاد المصري و يتحكمون في الجزء الباقي عن طريق غير مباشر ، و يستحوذون على 90% من أراضي مصر وأن  الاقتصاد العسكري المصري تطّور إلى ما هو أبعد من الاحتياجات العسكرية ليشمل جميع أنواع المنتجات والخدمات وامتدت يده لقطاعات الإنشاءات والمواد الغذائية والطرق والجسور وتصنيع مكيفات الهواء وتوريد الأدوية للجامعات ومشاريع البنى التحتية التي سيطر عليها الجيش قديماً وحديثاً من توشكى إلى مشروع توسيع قناة السويس الجديدة

و يذكر أن للجيش المصري اقتصادا غير معروف ميزانيته كما أنه لا  يصب في النهاية في إطار الاقتصاد الرسمي للدولة كما أن ميزانيته مستقلة عن بقية الحكومة وذلك منذ عام 1979 حين سمح  قانونًا للجيش بالاحتفاظ بحسابات مصرفية تجارية خاصة به.

ومنذ وصول السيسي إلى السلطة، زادت إمبراطورية الجيش الإقتصادية في التوسع وباتَ يدافعُ عن هذه الأمبراطورية بكل ما أوتي من قوة فأصبحت إمبراطورية العسكر الإقتصادية هي المشرف والمراقب الأول على الإقتصاد المصري  

وقال جمال مظلوم، الخبير العسكري “إن المرحلة التي تلت انتصار أكتوبر 1973 كانت المحدد الرئيسي لترسيخ العلاقة بين الجيش والشعب، حيث رفع الجيش شعار ‘يد تبني ويد تحمل السلاح’ من أجل بدء مرحلة جديدة من التنمية، وتوافق عليه (الشعار) الطرفان والإدارة السياسية في ذلك الوقت”.

وكانت المؤسسة العسكرية تستند دائما على الإعلام وعلى الخطابات التي تُلهب الشعب وتحركه رغبةً في كسب الحاضنة الشعبية فالشعب المصري يرفض المساس بالجيش تحت أي ظرفٍ أو نتيجة وقد بدأها عبدالناصر وعقله الإعلامي محمد حسنين هيكل فكان هيكل أحد أهم الأسباب التي وطدت حكم عبدالناصر فلم يكن مجرد صحفي بل صار اللسان البليغ الذي يعبر عن الفكر الناصري وصار رجل دولة ويد يمنى للرئيس جمال عبد الناصر وجعل من جريدة “الأهرام” أداة في  خدمة التوجه العام للنظام الحاكم،. حتي وصلنا الي السيسي والشؤون المعنوية للقوات المسلحة وتسلم الأيادي ودور الإعلام المصري الذي يصور الجيش على انه المنقذ من أسلمة الدولة ولكن لا بأس من عسكرة الدولة

ولعل ما كتبه نجيب محفوظ في روايته أولاد حارتنا يجسد ما نعيشه واقعاً “ومن عجب ان اهل حارتنا يضحكون, علام يضحكون ؟ إنهم يهتفون للمنتصر ايا كان المنتصر, و يهللون للقوي أيا كان القوي, و يسجدون أمام النبابيت يداوون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم”

علاقة المدنيين والعسكريين واحدة من أكبر إشكاليات التحول الديمقراطي، ليس في مصر وحدها، بل في العالم أجمع فهي لن تسمح لمدني بقيادتها أو التحكم في سياساتها وامتيازاتها التي حققتها على مدار عقود لذا  لا يمكن الحديث عن حكم مدني ديمقراطي أو استقرار سياسي أو تنمية اقتصادية حقيقية مع وجود دور سياسي للمؤسسة العسكرية فمصر عاشت، وتعيش، في ظل ديناميات متغيرة جعلت وزن وتأثير ودور المؤسسة العسكرية فيها بين جزر ومد.

لذا فإن تنامي دور المؤسسة العسكرية في مصر هو ظاهرة «طبيعية» بسبب تلك المفاهيم التي حاول الجيش أن يمررها للشعب عبر “كرتونة القوات المسلحة” ونسينا أو تناسينا أن أحد أهداف ثورة يناير هو الحد من توسع جمهورية الظباط  وأن السياسة مش للجيش…

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “البوصلة”


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *