By / 5 يوليو، 2021

3- الـ ـسـ ـعـ ـوديـ ـة.. انفتاح اجتماعي وقمع حريات وتطبيع معلن

تغيرات دينية ومجتمعية

في عهد الملك سلمان ونجله وولي عهده شهدت السعودية تغييرات جذرية مؤخراً في الكثير من الملفات والقضايا التي كانت من الأسس الراسخة التي وضعت منذ إعلان قيامها في عام 1932، بعضها يتعلق بنظام الحكم وطريقة تصعيد الأمراء في المشهد السياسي وبعضها على المستوى الديني والآخر اجتماعي وغيرها اقتصادي.

فعلى المستوى الديني، تراجع دور علماء الدين السعوديين بشدة، سواء بسبب اعتقال الكثيرين منهم خصوصاً من يتهمون بأنهم من “الإصلاحيين”، أو سواء بسبب تصريحات بعضهم شديدة التناقض قبل وبعد تولي الملك سلمان وولده مقاليد الأمور، ما جعلهم عرضة للكثير من الانتقادات اللاذعة بل والسخرية.

وشنت السلطات السعودية منذ سبتمبر 2017 حملة اعتقالات وملاحقات استهدفت علماء ومفكرين ودعاة بارزين وأكاديميين وغيرهم، بلغ عددهم أكثر من سبعين شخصا، وجاءت الاعتقالات خصوصا على خلفية الحصار الذي فرضته السعودية وحليفاتها على دولة قطر.

وتتم الاعتقالات من دون أمر قضائي، ويمنع المعتقل من التواصل مع ذويه أو توكيل محام لمتابعة قضيته، ولا تكشف السلطات السعودية عن هوية المعتقلين ولا عن عددهم، ومن أبرزهم: الشيخ سلمان العودة، وعلى العمري، وعوض القرني، فيما تم منع آخرين من السفر، من بينهم الشيخ محمد العريفي، وعائض القرني.

من بين التغييرات الدينية أيضا، بداية التخلي عن السمت الوهابي، والذي تنتهجه السعودية منذ عام 1744 حين وقع ميثاق الدرعية بين الأمير محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب. ومن وقتها بدأ التحالف بين القوة السياسية والقوة الدينية في السعودية. ساهم هذا التحالف كثيراً في استقرار حكم آل سعود، وكأحد جوانب سيطرة الوهابية على المشهد تأسست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 1940 والتي أصبح لها نفوذ هائل لاحقاً في المجتمع السعودي.

مع الوقت بدأت السعودية في الانفتاح غير النضبط على العالم، ، حتى وقعت حادثة الحرم المكي بقيادة جهيمان العتيبي عام 1979 إذ كان يرى جهيمان العتيبي وجماعته أن المجتمع السعودي انهارت فيه القيم الدينية والاجتماعية مع تدفق أموال النفط وتغير العادات والتقاليد المجتمعية.

لكن ومع صعود الملك سلمان وابنه تغير الأمر تماماً، وبحلول عام 2016 قُلمت أظافر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سبق ذلك هجوم عنيف على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في وسائل الإعلام على الهيئة والقائمين عليها وعلى أسلوبها العنيف في التعامل.

كل ذلك تم بعد زيارة ، دونالد ترامب للسعودية، ولكي يظهر بن سلمان ابتعاد بلاده عن مسألة التطرف، بدأ مشروعه الإصلاحي بالإعلان عن “رؤية السعودية 2030” وأكد أن لديه خططا طموحة في إطار سعيه للتحديث والإصلاح ونبذ التطرف، فتم الحد من نفوذ المؤسسة الدينية ومحاربة الفكر الديني ، و تم إنشاء هيئة “لمراقبة تفسير الأحاديث”.

أما على مستوى تقاليد الأسرة الحاكمة، فقد دبر بن سلمان “انقلاب ناعم” ضد ابن عمه الأكبر، محمد بن نايف، ولي العهد السابق الذي انتهى به المطاف سجيناً، وفي عام 2017، اعتقل العشرات من كبار الأمراء والمديرين التنفيذيين في المملكة كان أحدهم الأمير ورجل الأعمال ذائع الصيت الوليد بن طلال، ووضعوا جميعاً في فندق ريتز كارلتون عدة شهور بل قيل إن بعضهم تعرض للتعذيب.

صيغت العملية وقتها وسوقت للمجتمع السعودي على أنها “مكافحة للفساد”، لينتهي الأمر بتنازل الأمراء ورجال الأعمال عن أصول وممتلكات تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، وهذه التطورات غير مسبوق في داخل البيت السعودي، إذ حظي أفراد العائلة المالكة سابقاً بقدر كبير من الاحترام والتقدير، وهو ما تغير تماماً في الوقت الحالي.

وبحسب موقع “ميدل ايست آي” فإن اعتقالات ولي العهد محمد بن سلمان لأمراء كبار في المملكة بينهم أعضاء في هيئة البيعة تهدد مصير الهيئة المكلفة باختيار الملك وولي العهد.

أما عن التغيرات المجتمعية فقد عرفت السعودية على مدى تاريخها بأنها مجتمع شديد المحافطة ،لكن الأمور تغيرت جذرياً مع وصول الملك سلمان للحكم وتولي ابنه ولاية العهد، ليبدأ عصر جديد ، فسمح للمرأة بقيادة السيارات واختفت الفتاوى التي تحرم هذا الأمر، وتم الحد من دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت بمثابة شرطة دينية في البلاد. وبات انتشار عناصرها محدودا بل حتى معدوما ما جعل بعض النساء يقومون بالسير دون عباءة أو غطاء للرأس خصوصا الأجنبيات.

كما افتتحت  دور السينما والمسارح، وسمح للسيدات بدخول ملاعب كرة القدم وأقيمت حفلات موسيقية مختلطة وأقيمت عروض راقصة حتى في الدرعية نفسها مهد الدعوة الوهابية، وبدأ دور المرأة السعودية في المشهد المجتمعي يتعاظم.

في الوقت ذاته، يبدو وكأن الحظر على الاختلاط بين الرجال والنساء انتهى، إذ يمكن رؤية نساء ورجال جنبا الى جنب في المطاعم والأماكن العامة، ورغم مضي الرياض في الإصلاحات إلا أنها في المقابل تواجه اتهامات لاذعة بسبب حملة ضد معارضين بينهم مثقفون بارزون وناشطات.

واستضافت الرياض مهرجان “ميدل بيست” الذي اعتبر أكبر حفل تستضيفه المملكة التي لطالما اعتبرت متشدّدة في تطبيقها للشريعة الاسلامية، وضجت الموسيقى لساعات متواصلة خلال ثلاثة أيام في أرجاء الموقع الذي بني خصيصا للحفل في الصحراء قرب الرياض، ورقصت نساء بعضهن دون عباءاتهن وأغطية رؤوسهنّ، مع الرجال، كما أقيمت حفلات غنائية عربية وغربية في عدة مدن أخرى شهدت حضور جمهور مختلط في شكل غير مسبوق.

ونشرت تقارير صحافية في الإعلام المحلي خلال الأشهر الأخيرة تقارير حول حرق سيارات نساء في عدد من مدن المملكة، وقد اتهم بعضهن رجالا بحرق السيارات احتجاجا على مبدأ قيادة المرأة للسيارات.

وتسعى المملكة الى جذب نحو مئة مليون سائح في السنوات المقبلة، وهو ما يثير مخاوف لدى البعض من تطبيق مزيد من الانفتاح لتلبية رغبات الزائرين.

 

القمع في السعودية

وعلى الرغم من الادعاءات التي يقدمها بن سلمان وأن بلاده أحرزت تقدما أحرزته في مجال تمكين المرأة والإصلاح الاقتصادي، فقد زادت الممارسات التعسفية والمسيئة المستمرة من السلطات ضد المعارضين والناشطين، على اختلاف أطيافهم، منذ 2017، وبات القمع هي وسيلة التعامل الوحيدة مع المعارضين.

لقد حاول بن سلمان دفع الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية، بالإضافة إلى قيادة حملة علاقات عاملة لتلميع صورته خارجيا، وهو الأمر الذي تم بنجاح نسبي خلال زياراته إلى بريطانيا والولايات المتحدة، لكن في الوقت نفسه تحركت السعودية لتهميش أي شخص في المملكة يمكنه أن يقف في طريق صعود “بن سلمان” السياسي.

ففي 2017، شنت السلطات حملة إقالات في صفوف مسؤولين بأجهزة الأمن والاستخبارات والنيابة، وهي الأجهزة التي تحكم البلاد، وتم وضع تلك الأجهزة مباشرة تحت إشراف الديوان الملكي، بعدها شرعت السلطات في تدشين حملة اعتقالات مروعة، طالت رجال دين ومفكرين وحقوقيين وأكاديميين.

وفي نوفمبر من نفس العام تم اعتقال عدد من رجال الأعمال والاقتصاد والأمراء والوزراء السابقين واتهامهم بالفساد، بعدها امتدت الاعتقالات لتطال أبرز المدافعين عن حقوق المرأة، وصاحبت موجات الاعتقالات، غالبا، حملات تشهير وافتراء ضد المعتقلين في وسائل الإعلام الموالية للحكومة.

ولم يتوقف الأمر عند الاعتقال فقط، بل تخطاه إلى تعذيب المعتقلين في أماكن احتجاز غير رسمية، في معظمها، وبعضها بدا غريبا كفندق “الريتز كارلتون” الفاخر بالرياض، وشملت الممارسات التعسفية الاعتقال التعسفي الطويل الأجل، لأكثر من عامين، دون تهمة أو محاكمة واضحة.

كما ذكرت منظمة هيومن رايتس الحقوقية، أن السلطات عذبت 4 ناشطات سعوديات بارزات أثناء وجودهن في مركز احتجاز غير رسمي، بما في ذلك استخدام الصدمات الكهربائية، وضرب النساء على أفخاذهن ومناطق حساسة أخرى، ومحاولة معانقتهن وتقبيلهن بشكل قسري “تحرش جنسي”.

وأشارت المنظمة في تقرير لها، إلى استهداف السلطات لعائلات المعارضين أيضا عن طريق التهديد بالاعتقال أو المنع الفعلي من السفر، والاحتجاز الفعلي للضغط على ذويهم من المعارضين الذين يعيشون خارج المملكة، وشملت الممارسات التعسفية الأخرى الاستيلاء على الأصول المالية للمحتجزين مقابل إطلاق سراحهم.

وتعد قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي على رأس ملفات القمع في السعودية وأبرز ضحية لحرية الصحافة والتعبير في بلده، غير أنه ليس الأول أو الوحيد. إذ تقبع المملكة في المرتبة 169 في مؤشر حرية الصحافة.

 

العلاقات السعودية الإسرائيلية

تطورت العلاقات السعودية الإسرائيلية في عهد ابن سلمان، إلا أنه لا توجد علاقات رسمية معلنة بينهما حتى الآن،، فقد شاركت السعودية مع القوى العربية في حرب 1948، ومع مصر في حرب العدوان الثلاثي عام 1956، وفي حرب 1967م وفي حرب الاستنزاف.

اهتم الملك فيصل بالقضية الفلسطينية، وكانت سياسته هي عدم الاعتراف بـ”إسرائيل”، وتوحيد الجهود العربية، وإنشاء هيئة تمثل الفلسطينيين وإشراك المسلمين في الدفاع عن القضية.

وعقب اندلاع حرب أكتوبر 1973 بأيام قرّر الملك فيصل استخدام سلاح البترول في المعركة، وتقرر تخفيض الإنتاج الكلي حتى تنسحب “إسرائيل” إلى خطوط ما قبل يونيو 1967.

وبعد أن أعلنت مصر أول اتفاقية تطبيع عربية “كامب ديفيد” عام 1978، كانت السعودية من أشد المعارضين لها وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع مصر ووصفت مصر بأنها خانت الدول العربية.

لكن على الرغم من هذه المواقف ضد الكيان الصهيوني فإن هناك تقاربًا وتعاونًا قديمًا بينهما، لذلك اتسمت علاقتهما بالمد والجزر، وقد بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي، بعدما تولى عبد الناصر الحكم في مصر، إذ أنه في عام 1962، قام عدد من ضباط الجيش اليمني بثورة ضد الحكم الملكي السعودي، دعمها عبد الناصر وأرسل 70 ألف جندي مصري للقتال بجانب جيشها، وعلى الجانب المقابل، دعم السعوديون قوات القبائل الموالية للملك بالاستعانة بخدمات سلاح الجيش الإسرائيلي المتطور حينها، وقام الطيران الدولي الإسرائيلي بأكثر من 14 رحلة مرورًا بالأراضي السعودية.

وفي عام 1982 في مؤتمر قمة فاس، قدمت السعودية المبادرة الأولى للسلام مع “إسرائيل”، بقيادة الملك فهد ملك البلاد  آنذاك، ولم يستجب الكيان الصهيوني لها،  وفي أثناء حرب الخليج الثانية عمل السعوديون على إقناع “إسرائيل” والاجتماع مع مسؤوليها في نيويورك للالتزام بعدم الرد على ضربات صدام حسين إلى حين تحرير الكويت.

ومع الوقت، تنامت العلاقات التجارية “الخفيّة” بين رجال الأعمال السعوديين والمقربين من الأسرة الحاكمة و”إسرائيل”، كما غضّت السعودية الطرف حينها عن بعض المنتجات الإسرائيلية التي دخلت إليها.

وعقب تفجيرات سبتمبر2001 توجه السعوديون إلى التنسيق مع “إسرائيل” مرة أخرى، وربط الأجهزة الأمنية السعودية بالإسرائيلية والأمريكية لمواجهة تنظيم “القاعدة” والجماعات المدعومة من إيران.

وفي عام 2002، قدمت السعودية المبادرة الثانية للسلام مع “إسرائيل”، مبادرة الملك عبد الله آل سعود في قمة بيروت عام 2002، ولم تستجب “إسرائيل” لها أيضا، وفي عام 2007 أعادت السعودية فتح مبادرة السلام العربية لكن تم رفضها.

وفي 2006، خلال الصراع بين “إسرائيل” وحزب الله، سافر رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، إيهود أولمرت، إلى الأردن للقاء الأمير بندر بن سلطان، لمناقشة مبادرة السلام السعودية، وفي عام 2008، تطور التعاون الدبلوماسي والاستخباراتي بين البلدين في ظل رئاسة باراك أوباما للولايات المتحدة، فكانا يعاديان إدارة أوباما وعارضا الاتفاق النووي الإيراني.

في عهد ابن سلمان.. من السر إلى العلن

أما في عهد بن سلمان فقد تحولت العلاقات بين البلدين تحولًا جوهريًا بشكل علني، عبر الكثير من الاتفاقيات التي يعقدها، ففي عام 2017 انطلقت أول رحلة جوية مباشرة بين الرياض وتل أبيب، عندما غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المملكة على متن الطائرة الرئاسية متوجهًا إلى “إسرائيل”.

وفي العام ذاته، عرض وزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي يسرائيل كاتس، على ممثل الرئيس الأمريكي، خطة “سكة قطار السلام الإقليمي”، التي تتحدث عن ربط “إسرائيل” بالأردن ومنها بالسعودية ودول الخليج عبر شبكة سكك حديد، وفي منتصف العام ذاته، أجرى البلدان محادثات لإقامة علاقات اقتصادية.

وفي عام 2019، وافق بن سلمان على خطة تسمح للعرب الإسرائيليين بالعمل والعيش في السعودية، ويتم توزيع تصاريح دخول لموظفي الشركات الإسرائيلية، تسمح لهم بدخول المملكة دون جواز سفر، وفي العام ذاته، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، وصول وفد إعلامي عربي إلى تل أبيب يضم صحفيين من عدة دول عربية بينها السعودية.

لم يكتف ابن سلمان بعقد الاجتماعات والاتفاقيات مع دولة الكيان، بل يعمل جاهدًا على تهيئة المناخ في الوسط الشعبي السعودي ليتقبل مبدأ التطبيع، من خلال حملات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك من خلال المسلسلات التليفزيونية لتركيس هذه الفكرة، إذ ناقشت بعض المسلسلات السعودية قضية التطبيع مع والتحريض علني ضد الفلسطينيين، علاوة على حملات مواقع التواصل الاجتماعي، التي تدعو للتطبيع مع الكيان، من أجل جس نبض الشارع السعودي.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *