By / 15 مارس، 2021

3- لبنان.. صراع طائفي وتدخل دولي وانهيار اقتصادى

الانھیار الاقتصادي
عانى حزب الله من تضییق الخناق علیھ إقلیمیا ودولیا إثر دوره الحاسم في معارك النظام السوري في سوریا، إضافة إلى دوره في الیمن وتوسع نفوذه في العراق، ما دفعھ للعمل بجدیة لبناء علاقات وطیدة داخل المؤسسات العسكریة والأمنیة اللبنانیة للاستفادة من مرافق الدولة
ومقدراتھا، خاصة المساعدات المقدمة من الغرب للدولة وللجیش اللبناني.
من ھنا كان قرار الحزب بالتحالف مع التیار الوطني الحر وإیصال عون إلى رئاسة الجمھوریة، حیث تم انتخابھ في اكتوبر 2016، وقد أدى ھذا التحالف لتوسع نفوذ العونیین وسیطرتھم على مفاصل عدیدة من مفاصل الدولة الھامة والتي تحظى بمیزانیة عالیة.
ھذا التضخم المتسارع لحزب الله وحلیفھ عون حمل الحزب أعباء ثقیلة أبرزھا؛ قناعة دولیة بأن المساعدات التي تقدم للدولة اللبنانیة تذھب نسبة كبیرة منھا إلى خزینة الحزب، للھروب من التضییق الاقتصادي الممارس علیھ في الخارج، واستخدام القطاع المصرفي في دعم إیران لمواجھة العقوبات الأمریكیة المفروضة علیھا، حتى لوحت الدول الداعمة للبنان بإیقاف الدعم
ما لم تضع الدولة اللبنانیة حدا لممارسات الحزب
تم تحمیل تحالف حزب الله وعون مسؤولیة الفساد الاقتصادي والإداري والدین العام المتراكم على خزینة الدولة والانھیار اًلاقتصادي الذي بدأت البلاد تعیش تبعاتھ منذ2019، على الرغم من أنھا تبعات قدیمة لا یتحملھا الحزب لوحده، لكنھ حمل نفسھ بسیطرتھ على مفاصل الحكم.
كان عام 2019 عام التراكمات التي أدت إلى انفجار في الشارع، إذ انعكست الأوضاع السیاسیة والاقتصادیة على سعر صرف العملة، لتخسر اللیرة اللبنانیة نحو 85 بالمئة من قیمتھا، فخسر عشرات الآلاف من اللبنانیین وظائفھم أو جزءا من رواتبھم، ما رفع معدل البطالة بحسب إحصاءات رسمیة، إلى أكثر من .%35، وتجاوز معدل التضخم نسبة 89.7
%خلال یونیو 2020، كما ارتفعت تكالیف الأغذیة والملابس بما یقارب %200.
لجأت الحكومة اللبنانیة لطلب مساعدات دولیة من المانحین الدولیین ومؤسسات التمویل الدولیة، والتي لا تزال مترددة خشیة استفادة حزب الله من ھذه المساعدات.
ھذه الأزمات الاقتصادیة المتراكمة أشعلت غضب الشارع اللبناني بمختلف أطیافھ حیث احتشد المتظاھرون في الشوارع والساحات رافعین شعار “كلن یعني كلن” في إشارة إلى إسقاط كافة الطبقة السیاسیة التي شاركت في الحكم منذ العام 1990، غیر أن مشاركة جمھور حزبي القوات والكتائب في التظاھرات ورفع شعارات ضد حزب الله حولت الساحات إلى اصطفافات سیاسیة ومذھبیة من جدید، واتخذ جمھور حزب الله والتیار الوطني الحر موقفا معارضا
للتظاھرات.
تفجیر مرفأ بیروت
ثم جاء تفجیر مرفأ بیروت في أغسطس 2020 لیخلق نقصا محتملا في السلع الأساسیة وتعطیل في حركة التجارة مع العالم الخارجي، وقد حمل الرأي العام المعارض لحزب الله مسؤولیة ما حصل ، واتھموه باستخدام المرفأ في شحن الذخائر والسلاح والصفقات غیر
المشروعة قانونیا، بینما نفى الحزب ذلك.
كما أثار انفجار مرفأ بیروت أطرافا إقلیمیة ودولیة في مقدمتھا فرنسا بشخص رئیسھا ماكرون الذي زار بیروت وجال بین المواطنین، ما أثار بین اللبنانیین مسألة قدیمة متجددة ھي: طلب المسیحیین الحمایة الفرنسیة، وأنھم یعتبرون أنفسھم رعایا فرنسا في المشرق.
وفي المقابل، زار نائب الرئیس التركي، ووزیر الخارجیة، بیروت، وتجوًل في شوارعھا المتضررة، خاصة شوارع المسلمین وحظیا باستقبال حافل، وصرح وزیر الخارجیة التركي، حینھا، عن استعداد بلاده لمنح الجنسیة للبنانیین التركمان الراغبین بذلك.
وعكست زیارة الوفدین الفرنسي والتركي امتداد الصراع التركي- الفرنسي إلى لبنان، والتعبئة الطائفیة التي عادت لتطفو على السطح من جدید، فالشیعة تدعمھم إیران، والمسیحیون یدعمھم الغرب، والسنة تلوح لھم تركیا بعد أن فقدوا الثقة بالخلیج، ورغم أن ھذه الاصطفافات تتخللھا بعض الخروقات لتجد سنة في صف حزب الله وشیعة ضده، والانقسام المسیحي بین متحالف
مع الحزب ومعارض لھ.
یضاف إلى ما سبق ازدیاد حركة الھجرة من لبنان سواء بالطرق الشرعیة أو غیر الشرعیة، إذ یشھد لبنان ھجرة كبیرة للكوادر الطبیة والتعلیمیة والكفاءات العلمیة مما قد یسبب أزمة مضاعفة في ظل ارتفاع إصابات وباء كورونا.
كما یشھد العام الدراسي الجدید صعوبات كبیرة في ظل العجز المادي وھجرة الكادر التعلیمي وتعقیدات التعلیم عن بعد في بلد لاتتوفر فیھ شبكة الانترنت في كل منزل، ویتوقع أن تتضاعف المأساة مع التلویح برفع الدعم عن السلع الأساسیة والأدویة الطبیة والمحروقات ما
یضع شریحة واسعة من اللبنانیین أمام خطر الموت البطيء إما جوعا أو مرضا.
ملف ترسیم الحدود مع إسرائیل
تم التوصل في أكتوبر 2020 إلى اتفاق إطاري لإطلاق مفاوضات بین لبنان والكیان الصھیوني لترسیم الحدود البحریة والبریة بینھما، حیث استغلت إسرائیل والولایات المتحدة أوضاع لبنان السیاسیة والاقتصادیة الصعبة لدفعھ إلى الموافقة على الدخول في مسار تفاوضي من دون إطار زمني أو ضمانات للوصول إلى حقوقھ التي یكفلھا القانون الدولي، ما یجعل من
ھذه المفاوضات أشبھ بعملیة ابتزاز.
وقد أثار إعلان ھذا الاتفاق عددا من المفارقات، كما فتح الباب للسجال حول إمكانیة اندراج ھذه الخطوة ضمن الخطّ البیاني الصاعد باتجاه تطبیع بلدان عربیة مع إسرائیل. أولى ھذه المفارقات كانت أن من أعلن عن ھذا الاتفاق ھو نبیھ بري، رئیس مجلس النواب اللبناني، وأحد طرفي ما یسمى “الثنائي الشیعي” الذي یضم حركة أمل التي یرأسھا، وحزب الله الذي یعتبر الجھة السیاسیة الأعلى صوتا ضد إسرائیل، والأكثر اشتباكا مع الدولة العبریة منذ رحیل المقاومة الفلسطینیة عن لبنان عام .1982.
لكن تأثیر ھذه المفارقة سیضعف حین تستعید الذاكرة واقعة أن حركة أمل نفسھا ھي التي قامت لاحقا بتصفیة جیوب المقاومة الفلسطینیة في لبنان عبر حصارھا الذي بدأ عام 1985 للمخیمات الفلسطینیة لمدة سنتین ونصف مارست فیھما القصف والتجویع للفلسطینیین، فیما تكفّل حزب الله والنظام السوري بإنھاء الردیف اللبناني للمقاومة الفلسطینیة والمسمى جبھة المقاومة الوطنیة اللبنانیة التي كانت محاولة اغتیال العمیل أنطوان لحد واحدة من 1113 عملیة نفذھا، فتعرّضت الجبھة لعملیات خطف واغتیال ومطاردات انتھت بأن استلم حزب الله ورقة محاربة إسرائیل، ونقلھا من نضال وطنيّ وتقدمي لبناني إلى احتكار طائفيّ متلازم مع ارتھان لقیادتي سوریا وإیران أدى لترھیب باقي المكوّنات اللبنانیة وساھم في حوادث كان
أشھرھا اغتیال رئیس الوزراء الأسبق رفیق الحریري..
یحصل الاتفاق في لحظة تقترب فیھا الطبقة السیاسیة اللبنانیة من الانھیار تحت وطأة الأزمات الكبرى بحیث یبدو أن تدخّل الدول الكبرى، كأمریكا، التي رعت الاتفاق، وفرنسا، التي قدّمت مبادرة لتحریك العملیة السیاسیة، صار اللاصق الذي یحافظ على وحدة الكیان اللبناني. ففي الوقت الذي ینھار الاقتصاد تحت وطأة حجم الدیون الھائلة، وتتدھور البنوك، ویستفحل الفقر والجوع، وینفجر مرفأ بیروت مع كل الفضائح الخفیة التي یخفیھا، وتندلع الحرائق، ویدخل الشعب اللبناني حالة یأس بعد حراك جماھیري كبیر، ویتناظر ھذا مع إشارات ترحیب بالتطبیع من قبل النظام السوري نفسھ، وإشارات إنھاك وتراجع للنظام الإیراني، لا یعود حاجة لمستھلكي دعایة النظامین حول المقاومة للاستمرار في ھذه اللعبة التي كانت ناجحة حین كانت مؤسسات الدولة اللبنانیة استثمارا مجزیا، وحین كان اللعب على الحبال بین القوى العظمى والإقلیمیة مفیدا.
یكشف ما یحصل في لبنان والعالم العربي حالیا أمثولتین سیاسیتین مھمتین، الأولى ھي أن العداء للفلسطینیین ومحاولة استئصال معناھم السیاسي، حتى لو كان ذلك تحت شعار محاربة إسرائیل، یؤدي في النھایة إلى اللقاء بمعنى إسرائیل الحقیقي، الذي ھو تغلیب الاستبداد على الحریة والطغیان على البشر، والثانیة ھي أن التقرب من إسرائیل، على طریقة الإمارات والبحرین، لا یمكن أن یكون إلا للإضرار بالفلسطینیین، ولا داعي، بالتالي، للدعایة السخیفة حول جھاد الإمارات لمنع إسرائیل من ضم الأراضي الفلسطینیة، في الوقت الذي تتحوّل فیھ
الإمارات والبحرین إلى ملعب سیاسي وأمني واقتصادي لإسرائیل.
وفي نھایة الأمر، یبقى الھاجس الأمني ورقة ضغط في ید الأطراف المتنازعة، بل یمكن القول أن لبنان لم یشھد استقرارا بالمعنى الفعلي، خاصة مع تسلح كافة الأحزاب والجماعات -وإن كان بشكل متفاوت- مما یجعل من كل احتدام سیاسي مدخلا محتملا نحو صراع عسكري طال أم قصر فیأخذ بطبیعة الحال وتبعا للاصطفافات طابعا مذھبیا ویضع البلد عند حافة الحرب
الأھلیة من جدید.
من الصعب التكھن بما سیشھده المشھد اللبناني مستقبلا نظرا لكثرة الأطراف المتصارعة فیھ وتعارض المصالح وسیاسات القوى الإقلیمیة والدولیة حولھ، إلا أن المؤكد أن لبنان لم ولن یشھد استقرارا یتیح فرصة أمام نھضة وازدھار البلد، ھذا ما یؤكده تاریخ لبنان في مختلف مراحلھ المتعاقبة، فھو وإن شھد مرحلة استقرار جزئي إلا أنھ لن یلبث أن ینھار بفعل موقعھ
الجیوسیاسي الحساس في منطقة الشرق.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *