By / 12 يناير، 2020

السلطان المجاهد العابد .. نور الدين محمود

ولد نور الدين عام 511 للهجرة. ونشأ نشأة عسكرية كأبيه، إلا أنه كان يفوق أباه تقى وورعاً، والمؤرخون المسلمون المعاصرون له يتحدثون كثيراً عن تدينه وزهده وتمسكه بالشعائر الإسلامية، حتى ليُظن أنه أقرب إلى رجل الدين منه إلى رجل الحرب والكفاح. ولكن الواقع، أن نور الدين إلى جانب تقاه، وحرصه على حكم بلاده بالقرآن والسنة، كان أيضاً رجل حرب وقتال، فهو يحمل القرآن في صدره ويعمل بأحكامه، ويشرع السيف في يمينه يجاهد به الصليبيين بالشام، ويسترد بجيوشه البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، علاوة على أنه رجل سياسة، يعرف كيف يحكم دولته الواسعة الأرجاء، التي كانت تمتد من الموصل شرقاً إلى القاهرة غرباً، حكماً مستنيراً حكيماً لا يزال صداه يطرق أسماع التاريخ.

وكان عماد الدين، والد نور الدين ذو أصول كردية، وهو آخر من ولي إمارة الموصل، كأمير من أمراء السلاجقة سنة 521. وكان عند عماد الدين من الطموح ما أهله لأن يكون منشئ دولة عرفت باسمه. وإن كان عماد الدين لم يمهله الأجل حتى يمد أطرافها إلى الحدود التي كان يقدرها لها، إلا أن ابنه نور الدين، حمل على عاتقه استكمال ما انتهى إليه أبوه، حتى أصبحت الدولة الزنكية –أو الدولة الأتابكية- تشمل الموصل، والجزيرة العراقية، والشام، ومصر، واليمن، بعد أن كانت تشمل الموصل، والجزيرة، وبعض بلاد الشام فقط، في عهد عماد الدين.

جهاده ضد الصليبيين:

ما كان الصليبيون يعلمون بوفاة عدوهم الأكبر عماد الدين، حتى شملهم الفرح وداخلهم الاطمئنان، استهانوا بنور الدين، وأملوا في استرجاع ما استخلصه أبوه منهم من البلاد، فأشبوا قرنهم واستبسلوا، فأغار صاحب أنطاكية الصليبي على حلب وحماة، فردّهم عنها جيش نور الدين. واستولى جوسلين على الرها في غفلة من الأخوين نور الدين وسيف الدين، ولكن سرعان ما خرج إليه نور الدين بجيشه، فأطلق جوسلين ساقيه للريح هارباً، فدخل نور الدين الرها واستردها، وحطم آخر أمل للصليبيين في استعادتها، وعندئذ فطن الصليبيون إلى أن الخطر عليهم لا يزال قائماً، وإذا كان عماد الدين قد مات، فإنه ترك من بعده، من لا يقل عنه قوة وخطراً.

كان حادث الرها أول لقاء بين نور الدين وبين الصليبيين وجهاً لوجه. ثم تعدد اللقاء بعد ذلك وكثر، فدارت المعارك بينه وبينهم مدة الثلاثين عاماً التي عاشها، كان النصر في مجموعها حليف نور الدين.

وضرب نور الدين الصليبيين ضربتين عنيفتين لا يقل أثرهما –إن لم يزد- عن أثر سقوط الرها، وذلك باستيلائه على دمشق ومصر، اللتين كانتا مطمح أنظار الصليبيين، وكان من أكبر أهدافهم الاستيلاء عليهما، فكثيراً ما حاصروا دمشق وشنوا الغارات العديدة عليها بقصد الاستيلاء عليها، ولكنهم فشلوا لقوة صاحب دمشق أحياناً، ولإرضائهم بالمال أحياناً أخرى، حتى جاء الوقت الذي بلغ فيه صاحب دمشق حداً كبيراً من الضعف، فخشي نور الدين عليها من السقوط في أيديهم، فاستولى عليها سنة 549. وكانت نتيجة هذا الاستيلاء أن أصبح الصليبيون محاصرين على الساحل، وأصبح الطريق إلى مصر مفتوحاً أمام المسلمين، واستطاع نور الدين فعلاً أن يستولي على مصر سنة 564 هـ.

وما يقال عن دمشق، يقال عن مصر أيضاً، فقد كان الصليبيون يتحرقون إلى الإستيلاء عليها تحرّقهم إلى الإستيلاء على دمشق ذلك أن استيلاءهم على مصر ذات المركز الاستراتيجي الممتاز يسهل عليهم الاتصال بالغرب الذي أخذ على عاتقه إمدادهم بالمقاتلة والمؤن والسلاح، فطريق مصر ييسر لهم هذا الاتصال وييسر لهم وصول ما يحتاجون إليه، فضلاً عن ما تمتاز به مصر من الثروة والرخاء وكثرة الأموال. بل لعلهم عن طريق مصر، يستطيعون استرداد ما فقدوه من بلاد الشام، فالطريق من مصر إلى الشام براً يصبح سهلاً وميسوراً لهم.

الوحدة الشامية المصرية:

والعمل البارز الثاني لنور الدين، هو جمع الموصل، والجزيرة العراقية، والشام ومصر واليمن في دولة واحدة، تحمل اسم الدولة الزنكية- أو الدولة الأتابكية. فافتتح جزيرة ابن عمر (بوطان) ثم مدينة إربل في رمضان سنة اثنتين وعشرين، ثم عاد إلى الموصل. وسار في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين إلى سنجار فتسلمها وسير منها الشحن إلى الخابور فملكة، ثم قصد الرحبة فملكت قسراً، ثم افتتح نصيبين وسار إلى حران، وكانت الرها وسروج وغيرهما من ديار الجزيرة مع الفرنج وأهل حران معهم في ضيق عظيم؛ فراسلوا زنكي بالطاعة، واستحثوه على الوصول إليهم ففعل، وهادن الفرنج مدة يسيرة يعلم أنه يفرغ فيها من الاستيلاء على ما بقى من البلاد الشامية والجزرية. وكان أهم الأشياء عنده عبور الفرات، وملك مدينة حلب وغيرها من البلاد الشامية، فلما عبر الفرات ملك مدينة منبج وحصن بزاعة، وحاصر حلب ثم فتحت له فرتب أمورها، وسار عنها إلى حماة فملكها وقبض على صاحب حمص وحصرها. فلما أحس الفرنج بقوة دولة نور الدين جمعوا له عساكر نحو عشرين ألفاً وقصدوا زنكي فلقيهم فهزمهم وملك سَرْجَة ودارا. ثم رحل إلى حصن حارم فحصره، ودارت معركة انكشف فيها المسلمون، وقتل منهم أناس، حيث كان هذا الحصن أقوى حصن للروم في بلاد الشام وأشدها خطراً، فتراجع نور الدين، وبقي يعد العدة سنة كاملة ثم عاد الى الحصن، وليس في همه شيء غير الحصن، فلما اجتمع الجيشان انفرد تحت تل حارم وسجد لربه عز وجل ومرغ وجهه وتضرع وقال: يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك فانصر أولياءك على أعدائك، إيش فضول محمود في الوسط يشير إلى أنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر. قال صاحب الروضتين: وقد بلغني أنه قال: اللهم انصر دينك ولا تنصرمحموداً، ومن هو محمود الكلب حتى يُنصر انتهى. ولم يعلم أحد بهذا الدعاء إلا إماماً لنور الدين.

أرسل نور الدين قائده أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب بجيش إلى مصر فحررها من الصليبيين وطردهم منها سنة 564، وظل شيركوه في مصر يعمل وزيراً للخليفة الفاطمي في الظاهر وباسم نور الدين في الباطن حتى إذا مات شيركوه خلفه في الوزارة ابنُ أخيه صلاح الدين، فأسقط الخطبة للفاطميين، وخطب للخليفة العباسي ولنور الدين، وبهذه الخطبة كان إعلان دخول مصر في الوحدة الشامية الموصلية، وصيرورتها جزءاً هاماً من الدولة الزنكية الموحدة. ثم لم يلبث صلاح الدين أن انتهز فرصة اضطراب الأمور في اليمن فاستولى عليها باسم نور الدين وضمها إلى الدولة الفتية، فأصبح اسم نور الدين يردد على منابر الموصل، ودمشق، ومصر، واليمن.

نهضته وإصلاحاته

ومن مظاهر النهضة الإصلاحية: منع دخول الخمور إلى البلاد، وأسقط جميع المكوس والعشور من بلاده ولم يسْتبْقِ سوى الخراج والجزية، وأنشأ البيمارستانات في بلاده، وأشهرها البيمارستان النوري بدمشق، وجعله للناس كافة فقراء وأغنياء، وزود البيمارستانات بالأدوية والعقاقير والأطباء والخدم، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة للإنفاق عليها. وأكثر من إنشاء المدارس في جميع أنحاء مملكته، وأحضر إليها كبار المدرسين، واهتم بدمشق بصفة خاصة، فبنى فيها دار الحديث خصيصاً للعالم المؤرخ الكبير الحافظ ابن عساكر. واهتم اهتماماً كبيراً بالجوامع والمساجد، فبنى منها الكثير تيسيراً على المسلمين لأداء فريضة الصلاة، واعتنى بحسن هندستها وبنائها، خاصة الجامع الذي بناه بالموصل، فقد بلغ “النهاية في الحسن والاتقان”. وكذلك جامع حماة فكان “من أحسن الجوامع وأنزهها”. ورتب في هذه الجوامع من يقرأ بها القرآن. أما الوقوف الخيرية التي وقفها على البيمارستانات والمدارس والمكاتب والجوامع، فقد بلغت مبلغاً كبيراً. واعتنى نور الدين بتأمين المسافرين والتجار على أرواحهم وأموالهم من اللصوص وقطاع الطريق، فبنى الخانات الكثرة في الطرق “فأمن الناس وحفظت أموالهم وباتوا في الشتاء في كن من البرد والمطر”. كذلك أمّن الطرق التي بين بلاده والبلاد التي في يد الصليبيي، فبنى فيها الأبراج وشحنها بالحراس والمقاتلة، وزوّدهم بالطيور الهوادي، “فإذا رأوا من العدو أحداً، أرسلوا الطيور، فأخذ الناس حذرهم واحتاطوا لأنفسهم، فلا يبلغ العدو منهم غرضاً”.

وسلك نور الدين في حياته الخاصة سبيل الزهد والعبادة، وبرز كمحارب شجاع، يخوض المعارك بنفسه، ويتقدم على الجند أثناء القتال. وكان قوي الثقة بنفسه، لا تضعفه هزيمة، ولا يبطره انتصار. ومن زهده وتقواه أنه كان لا يأكل ولا يلبس إلا من ملك كان له اشتراه من سهمه من الغنيمة

وكان قوي الثقة بنفسه، لا تضعفه هزيمة، ولا يبطره انتصار. ومن زهده وتقواه أنه كان لا يأكل ولا يلبس إلا من ملك كان له اشتراه من سهمه من الغنيمة

نور الدين المربي لصلاح الدين الأيوبي

ربى نور الدين محمود زنكي “صلاح الدين الأيوبي” على حب الجهاد منذ صغره، فكان بمنزله الوالد والمعلم يدربه على فنون القتال ويغرس فيه حب الجهاد ثم عينه بعد ذلك قائداً للشرطة، ثم أرسله بصحبه عمه “أسد الدين شيركوه” إلى مصر وتولى صلاح الدين الوزارة في مصر، وعمل على القضاء على الدولة العبيدية, وبالفعل نجح في ذلك وعادت مصر سنية مرة أخرى.

آخر عهده ووفاته

استطاع نور الدين خلال 28 سنة –هي مدة حكمه- أن يحرر حوالي 50 مدينة وقلعة، وفي عام 569هـ، كان نور الدين قد أعد عدته للهجوم النهائي على بيت المقدس وتحريره، حتى إنه قد جهز منبرًا جديدًا رائعًا للمسجد الأقصى ليوضع فيه بعد النصر والتحرير، وراسل في ذلك “صلاح الدين الأيوبي”، الذي تلكأ بسبب الظروف الخاصة التي تواجهه في مصر، ولم يَرْضَ نور الدين بذلك التأخر، فقرر الذهاب إلى مصر وترتيب أمورها بنفسه، إلا أن المنية عاجلته، فتوفي -رحمه الله- في 11 شوال 570هـ، فأكمل بعده المهمة صلاح الدين، وحررالأقصى في 27 رجب 583هـ.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *