By / 15 يناير، 2019

دراسة علم الاستخبارات (١)

يمثل علم الاستخبارات لدى الكثيرين في البلاد العربية خطا أحمر لا ينبغي الاقتراب منه فضلا عن التعمق فيه. فهو من اختصاص الأجهزة الاستخبارية والأمنية وحدها، والتي لا يقتصر دورها على فهم المجتمع المحلي إنما يمتد للعمل على تشكيل المجتمع والسيطرة عليه، والقضاء على قوى التغيير الحية فيه. وفي هذا المقال سأستعرض بإيجاز تطور دراسة علم الاستخبارات، وأبرز المواضيع المندرجة ضمنه، ثم اذكر نماذج لأبرز الكتب الأكاديمية المعتمدة كمصادر ضمن البرامج الجامعية المتعلقة بحقل الاستخبارات.

تطور دراسة علم الاستخبارات

يتوهم البعض أن علم الاستخبارات قرين للتجسس والحيل والمكائد فقط، بينما هو أوسع من ذلك بكثير، إذ  يدور جوهر الاستخبارات حول جمع المعلومات وحمايتها ونشرها، ولذا ظلت المعلومات الاستخبارية تتصف بالسرية كواحدة من خصائصها الأساسية، ولكن مع سبعينات القرن الماضي، وإثر مجموعة من الفضائح والاخفاقات التي منيت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، سعى الكونجرس لسن تشريعات تضبط أنشطة الوكالة، وخلال ذلك بدأت تنمو مدارس فكرية تسعى لتقديم إجابات عن مدى علاقة الأنشطة السرية بمعايير الحكم الديمقراطي.

وتبلورت آنذاك مدرستين رئيسيتين لدراسة الاستخبارات حسب خبير الاستخبارات الأميركي إبرام شولسكي، المدرسة الأولى ترى أن الاستخبارات، أصبحت أو على الأقل ينبغي أن تصبح فرعا من فروع العلوم الاجتماعية، تسعى إلى تحليل القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية، وتوقعها في نهاية المطاف. وبالتالي دعت هذه المدرسة إلى إزالة الغموض عن طبيعة عمل الاستخبارات، وتشجيع تدفق الأفكار بين أجهزة المخابرات والأوساط الأكاديمية، ومساعدة الاستخبارات على التقدم نحو الهدف المرجو بأن تصبح أشبه ما يمكن بعلم اجتماعي، ولتصير وكالات الاستخبارات شبيهة بـ مؤسسات الفكر والرأي.

أما المدرسة الفكرية الأخرى فقالت أن الغرض من الكتابة العامة عن الاستخبارات هو كشف الأخطاء والعيوب، والمساعدة في إحداث تغيير للأفضل في الطريقة التي تعمل بها وكالات الاستخبارات. واعتبرت تلك المدرسة أن الأسرار والخبايا التي قد تُكشف أثناء ذلك أمر ثانوي مقارنة بالضرر الذي تسببه وكالات الاستخبارات نفسها عندما تعمل خارج نطاق  الرقابة والتدقيق العام.

وقد قفزت دراسة علم الاستخبارات على يد هاتين المدرستين خطوات للأمام بمرور الوقت، فأصبحت مجالا معترفا به في الدراسة الأكاديمية، خاصةً في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، وذلك لأن المعلومات المتاحة على المستوى العام حول قضايا الاستخبارات عادة ما تتعلق بأجهزة استخبارات الدول ذات الانظمة الأكثر انفتاحاً.

وقد اعتمدت الأدبيات الأكاديمية آنذاك على المصادر التاريخية التي تتناول الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، ثم عقب سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية، أتيح للباحثين الوصول إلى بعض السجلات الاستخبارية وخصوصا في ألمانيا الشرقية مما ساهم في تطور التأريخ الاستخباري، ولاحقا عقب أحداث سبتمبر وغزو العراق ازداد الاهتمام الأكاديمي بالتحليل الاستخباري، ودراسة معوقاته وكيفية تطويره لتلافي الفشل الاستخباري في استقراء خطر تنظيم القاعدة بالشكل المناسب، فضلا عن فضيحة الاستخبارات الأميركية المتعلقة بمزاعمها حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. ومن ثم أخذت المؤلفات الأكاديمية، والكتب والمجلات والدوريات المتخصصة في موضوع الاستخبارات بالازدياد. حتى وصل عدد المقررات الخاصة بدراسة الاستخبارات في أميركا إلى 840 مقررا يجري تدريسهم في 100 مؤسسة تعليمية مدنية.  

أبرز مواضيع علم الاستخبارات

يهتم علم الاستخبارات بدراسة النظريات الاستخبارية التي تتناول علاقة الاستخبارات بالأمن القومي، والأنشطة الاستخبارية المعنية بجمع وتحليل المعلومات وإعاقة الأنشطة الاستخبارية للخصوم، ودور الوكالات الاستخبارية، وطبيعة ارتباطها بالنظام السياسي التي تعمل تحت مظلته، فضلا عن دراسة التاريخ الاستخباري اعتمادا على الوثائق المرفوع عنها السرية لاستخلاص الدروس العملية المستفادة، وتجنب الاخفاقات مستقبلا. ويندرج ضمن ما سبق دراسة:

  • طرق وتقنيات جمع المعلومات الاستخبارية، وإفادات المصادر وتقييمها، والمشاكل التي تعيق جمع المعلومات، والأساليب الإحصائية والكمية لتصنيف وفرز المعلومات.
  • أصول التحليل الاستخباري وتقنياته، والعقبات التي تواجهه، وكيفية كتابة التقديرات الاستخبارية، ومقاربات الحد من حالة عدم اليقين عند إجراء تحليلات استخبارية للبيئات غير المستقرة.
  • الاستخبارات وتطبيق القانون، والعلاقة بين صناع السياسة والاستخبارات، وهذا يشمل المشاكل التي تعتري منظومة إدارة الأجهزة الاستخبارية من قبيل التسييس، وتجاوز السلم الوظيفي، والتخطيط، والميزانية، والبرامج، والتعامل مع وسائل الإعلام، وكيفية ضبط أداء أجهزة الاستخبارات كي لا تعمل خارج القانون.
  • دراسة أجهزة الاستخبارات المختلفة، للتعرف على بنيتها، وأساليب تعاملها مع الأحداث، فضلا عن دراسة شبكات الجريمة المنظمة، والتجسس الصناعي.

مقترحات لدراسة علم الاستخبارات:

يتحتم على الحركات التغييرية العناية بإنشاء مراكز بحثية تعنى بدراسة العلوم الاستخبارية ومواكبة التطور العلمي فيها، أو على الأقل تخصيص أقسام للدراسات الأمنية والاستخبارية في المراكز الموجودة، وإيفاد الشباب النابه والمؤهل لدراسة تلك العلوم في الجامعات الغربية، وكذلك العناية بترجمة أبرز الكتب تدرس في هذا المجال أكاديميا، مثل:

  1. المرجع في دراسات الاستخبارات ، لوك جونسون، دار روتليدج.
  2. التحليل الاستخباري، أصوله، معوقاته، مستجداته، وهو يشمل 18 دراسة منفصلة، مطابع جامعة جورج تاون.
  3. كتاب الحرب الصامتة: فهم عالم الاستخبارات، لإبرام شولسكي وجاري شميت، بوتوماك للكتب.
  4. التصدي للأعداء في الداخل والخارج: كيف تصبح ضابط مكافحة تجسس، ويليام جونسون. ط. مطابع جامعة جورج تاون.

فضلا عن متابعة الدوريات الاستخبارية المتخصصة، مثل دورية (الاستخبارات والأمن القومي)، ودورية (دارسات في الاستخبارات) الفصلية التي تصدر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وكذلك متابعة الدوريات التي تعنى بالشق العملى من الاستخبارات مثل نشرة انتليجنس اونلاين الفرنسية، ونشره جينز انتلجنس البريطانية.


المراجع:

  • Abram Shulsky and Gary Schmitt, Silent Warfare: Understanding the World of Intelligence. Potomac Books, USA.
  • شادي منصور،  دراسات الاستخبارات، الحقل الجديد في الدراسات الأمنية الحديثة، العدد 2 من سلسلة أوراق أكاديمية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *