By / 30 سبتمبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن (3)

طلبة العلوم الدينية “طالبان” في الجهاد

لعب العلماء المسلمون دورا رائدا في الحروب الشعبية الثلاثة التي خاضها الأفغان ضد بريطانيا. وقد استشهد العديد من العلماء وطلبة العلوم الدينية “طالبان” خلال تلك الحروب. وإن مقابر طالبان الموجودة في مدينة قندهار، وفي منطقة بولداك، وميدان شهيدانو في هرات، ودروزة قندهار – الدروزة هي البوابة الضخمة للمدينة أو القلعة باللغة الفارسية-  دليل على ذلك. وبحسب المؤرخ الأفغاني عبد الشكور رشاد، فإن كل تلك المقابر هي لطلبة علوم دينية استشهدوا وهم يقاتلون القوات البريطانية.

في الحرب ضد بريطانيا، شارك المئات من علماء الإسلام المشهورين، بمن فيهم الملا مشك عليم أندر  (واسمه الحقيقي دين محمد)، ومولانا عبد الرزاق أندر، ونجم الدين أخوند زاده، وحجي صاحب تورانجزاي، وعائلة حضرتان من كابول، ومولانا أمير محمد المعروف باسم شيكنارو ملا صاحب، وسعيد محمد شاه أكبر المعروف باسم ساركانو ملا صاحب، ومولوي عبد الكريم الذي قاتل إلى جانب جان آباد ملا صاحب، وشيخ المشايخ عبد الغفور من سوات، ومولوي فيض محمد، ومولوي عبد الله غزنوي  ضمن قائمة طويلة جدا. كان لكل من هؤلاء العلماء مئات الطلاب الذين شاركوا في تلك الحروب.

الأمير عبد الرحمن الذي عمل مع المحتلين في ذلك الوقت، تحدث في كتابه “تاج التواريخ” عن العلماء المسلمين الذين انضموا إلى محمد أيوب خان الذي انتصر في معركة مايواند الشهيرة ضد بريطانيا. وقد كتب: كان لدى محمد أيوب خان أسلحة محدودة للغاية وعدد قليل من المقاتلين، لكن الملالي الجهال الذين كانوا ضدي أعلنوا الجهاد. وصب هذا في صالح محمد أيوب خان، وقد قالوا إني صديق لبريطانيا وأن منافسي هو الفائز.

المشاكل بين أمان الله خان وعلماء الإسلام

في عام 1919، اختير أمان الله خان ملكًا لأفغانستان بعد مقتل والده حبيب الله خان. ونتيجة لجهود الوجهاء وعلماء المسلمين، أعلن الأمير أمان الله خان الاستقلال والجهاد ضد بريطانيا بحضور آلاف الأفغان في مسجد عيدغا في كابول. ولم تقبل بريطانيا استقلال أفغانستان، مما أدى إلى اندلاع الحرب الثالثة والأخيرة بين الأفغان وبريطانيا. شارك العديد من علماء الإسلام في هذه الحرب إلى جانب قادة أمان الله خان مثل ابنا خواجة عبد القيوم مجددي وشمس المشايخ فضل محمد مجددي ونور المشايخ فضل عمر مجددي من عائلة مجددي. كان نادر خان قائد ساحة معركة “Tal”، وكان معه شمس المشايخ فضل محمد مجددي. وكان شاه والي خان قائد ساحة المعركة في وزيرستان بدعم من نور المشايخ فضل عمر مجددي.

أثناء قصف الطائرات الحربية البريطانية تراجع قائد المنطقة الشرقية صالح محمد خان على خلفية إصابات طفيفة، وتكبدت القوات خسائر، وأعلن أمان الله خان وقف إطلاق النار. كان عدد قليل من المتدينين والمقاتلين غير سعداء بسبب هذا الإعلان. لقد أرادوا استعادة كل تلك المناطق من بريطانيا التي فصلتها مؤقتًا عن أفغانستان في اتفاق مشهور بين الأمير أمان الله خان والجنرال ديوراند. فبريطانيا لم تلتزم بهذا الاتفاق وهاجمت أفغانستان بشكل متكرر؛ ولم يعد هذا شرعيًا بعد الآن. وقد شعر الأفغان على الجانب الآخر من خط دوراند بخيبة أمل بسبب هذا الإعلان.

في 19 أغسطس 1919، قبلت بريطانيا استقلال أفغانستان. ومنح الملك أمان الله خان “أوسمة الشمس” الرسمية للعلماء، وأعطاهم لقب “شمس المشايخ” و”نور المشايخ”. وفي 10 ديسمبر 1927  ذهب أمان الله خان وزوجته في جولة طويلة إلى أوروبا ثم عادا إلى أفغانستان في يونيو 1928، وأصدر أمان الله خان قرارات مفاجئة غير متوقعة مثل فرض حظر على الحجاب واللباس الشرعي والآذان في كابول، ودعا إلى حرية المرأة وتقليد نمط الحياة والملابس الأوروبية، وفرض حظرا على التعليم الإسلامي.

تعرض الملك أمان الله خان لانتقادات من علماء الدين بمن فيهم “آل مجددي” شركاؤه في حرب الاستقلال. وقد هاجر نور المشايخ إلى المناطق القبلية المستقلة، وعاش فيها لمدة خمس سنوات. يقال إن الملك كان جادًا جدًا في تنفيذ إصلاحاته، وعاقب من عارضه. وقد انتفض الناس على جانبي خط دوراند الحدودي – بين أفغانستان وباكستان- ضده، وغادر أمان الله خان البلاد.

تختلف آراء الباحثين والمؤرخين الأفغان حول إصلاحات أمان الله خان. فبعض الأدبيات الرسمية في عهد الملك محمد ظاهر شاه وبعض كتب التاريخ تزعم أن العلماء ورجال الدين الذين عارضوا أمان الله خان بعد زيارته لأوروبا هم عملاء بريطانيون. لكن بعض الأشياء تساعد الشخص في فهم الواقع. فإذا قدم هؤلاء العلماء كل أنواع التضحيات، فلماذا يعارضون أمان الله خان عندما يبدأ في تكوين صداقة مع أوروبا؟ إذا كانوا عملاء بريطانيين فلماذا دعموا أمان الله خان في الحرب ضد بريطانيا؟!

زار المؤرخ الأفغاني حسن كاكار قندهار خلال فترة حكم حركة طالبان، واستضفته حيث أجرينا مناقشة متعمقة حول هذا الموضوع، وما زلت أتذكر كلماته: “لما أراد أمان الله خان تنفيذ ما أسماها بالإصلاحات، كانت المنهجية التي تبناها هي الجنون”. لكن تصريحات كاكار لا يمكن أن تكون جديرة بالثقة تمامًا. ولكن في العقدين الماضيين في ظل تغير الوضع تغير كلامه حول نفس الموضوع. فقد كان متملقًا وأثنى علينا كثيرًا أثناء حكمنا ثم بعد سقوط حكومتنا بدأ يعارضنا. ومن الممكن أن تكون أقواله آنية تهدف لإسعادنا وقتها.

 وبغض النظر عما كان عليه أمان الله خان، فقد كان ينبغي عليه من أجل تنمية البلاد أن يأخذ بشكل ايجابي في اعتباره المصالح الوطنية واحترام المعتقدات الدينية. كان يجب أن يضفي لمسة أفغانية على التطور المنشود بدلاً من اللمسة الغربية والجهود الشريرة لتغيير الثقافة وانتقاد القيم الدينية. كان ينبغي أن يبدأ تلك الحركة بحكمة آخذا في حسابه الوضع في أفغانستان، وأن يدعو الجمهور وعلماء الدين للانضمام إليه. كان من الممكن أن يكون هذا مفيدًا له وللبلد ولأهل الدين.

وفقًا لكتب التاريخ، أراد أمان الله خان تغييرًا اجتماعيًا إيجابيًا، وكان متصلبا في كل جانب من جوانب حياته لكنه تردد في مواجهة الصعوبات. من علامات تصلبه أنه كان يلوح بمسدسه ويصدر تهديدات بالقتل في قضايا صغيرة لكن في زمن المقاومة الحقيقية كان يفضل الهروب وغادر البلاد رفقة أتباعه. ولم يقاوم مثل داود خان ببندقيته حتى الموت، ولم يدعم أتباعه بعد هروبه، وهذا دليل على عدم فعاليته.

بعد هروب أمان الله خان، كان هناك فراغ في السلطة لبعض الوقت حتى وصل نادر خان إلى الحكم. وعلى الرغم من أن الطبقة الدينية كانت قادرة على الجهاد إلا أنها تميزت بالورع والميل إلى العزلة، ولم يكن علماء الدين منظمين بما يكفي لسد تلك الفجوة رغم أنهم كانوا قادرين على إقامة حكم وطني وإسلامي قوي.

خلال هذا الفراغ في السلطة، قام حبيب الله كلكاني بغزو كابول مع أنصاره بعد شنه لهجوم عليها. وأيد تطبيق أحكام الشريعة لكنه كان عديم الخبرة وغير قادر على التعامل مع الأمور الإدارية. وفي النهاية أطاح نادر خان به من الحكومة بمؤامرة، وأعدمه انتقاما منه.

عندما وصل نادر خان إلى السلطة، ألغى قرارات أمان الله خان وبعض التغييرات غير الثقافية التي وضعها فهدأت مشاعر الطبقة الدينية والجمهور. وبعد فترة حكم نادر خان القصيرة (1929-1933)، وأثناء حكم محمد ظاهر شاه (1933-1973)، كانت ظروف العلماء المسلمين جيدة نسبيًا. لكن الفجوة بين المدارس التعليمية الحديثة التابعة للحكومة والعلماء المسلمين اتسعت. وكان العلماء المسلمون مشغولين بالتعليم التقليدي بينما كانت المدارس الحديثة تبتعد عن الدين يومًا بعد يوم. وتزايد تأثير الفلسفة الماركسية باطراد. وتنامى سلوك طلاب المدارس والجامعات الهادف إلى إهانة علماء الإسلام. وأدى الصمت الطوعي للحكومة ضد هذه الممارسات إلى بروز الشيوعية في أفغانستان.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *