By / 4 أكتوبر، 2021

إفقار الفقراء.. السياسة التي يتبناها الانقلاب عبر زيادة الأسعار

منذ أن قاد عبد الفتاح السيسي انقلابا عسكريا في  يوليو 2013 ، يمر كل يوم على المواطن المصري ليجد نفسه في حال أسوأ، بسبب قرارات الغلاء الفاحش الغير متناسقة مع الأوضاع المعيشية والتي أرهقت الفقير، رغم الوعود المتكررة بعدم رفع الأسعار.

حينما تولى السيسي السلطة، كان ركوب مترو الأنفاق يكلف جنيها واحدا، بينما كان وزن رغيف الخبز المدعم 130 جراما، وبعد ثمان سنوات من الانقلاب، وصل سعر تذكرة المترو إلى 12 جنيها، وتم تقليل وزن الرغيف.

وتبنت مصر منذ سنوات برنامجا قاسيا للإصلاح الاقتصادي، ضمن خطة للحصول على قرض قيمته 12 مليار دولار من البنك الدولي، وكانت أبرز معالم ذلك البرنامج تحرير كامل ومفاجئ لسعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، أو ما يعرف بـ”التعويم”، كما تضمن زيادات متتالية لأسعار الوقود والكهرباء والمياه، وتبع ذلك زيادات في أسعار كافة السلع والخدمات.

صناعة الفقر

أكد مراقبون أن الطبقتين الفقيرة والمتوسطة -وفق الأرقام الحكومية والدراسات المستقلة- هم أكثر المتضررين من القرارات الاقتصادية الممتدة من عام 2014 مرورا بتعويم الجنيه، وتطبيق رؤية صندوق النقد الدولي، التي شملت خفض الدعم وزيادة الضرائب والرسوم، والتي وصلت إلى 700% في بعض الخدمات والسلع.

 وراوا أن سياسة النظام الانقلاب هي إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء، وحديثه عن الزيادة السكانية باعتبارها معوقا للتنمية، وتحميل الدعم الحكومي مسؤولية عدم تحقيق أي تقدم ملموس، هو هروب من المسؤولية، وشماعة لتبرير الفشل وزيادة الأسعار”.

وأشاروا إلى أن السيسي لا يمتلك خطة أو مشروعا واضحا لإدارة الدولة، وتعاني حكومته من غياب الرؤية لما يجب القيام به لمواجهة الأزمة الاقتصادية، والآن نحو نصف سكان مصر أصبحوا فقراء, وهو ما يعني أنه في ظل ارتفاع التضخم فإن قسما كبيرا من المصريين سيصبح تحت خط الفقر.

وأشاروا إلى أن زمام الأمور بات بأيدي رجال المال والأعمال الجدد وكبار جنرالات المؤسسة الأمنية والعسكرية، وبعض أعضاء المؤسسة القضائية، الذين أصبحوا يعادون فكرة التخطيط والتحيز للفقراء والطبقة الوسطى، في الوقت الذي أصبح فيه ارتفاع أسعار السلع الغذائية المشكلة الأبرز اقتصاديا لأغلب المصريين بعد أن تضاعف سعر عدد من السلع الغذائية الأساسية مما يمثل كارثة لميزانية الأسر التي تنفق نحو50% من دخلها علي شراء الغذاء.

 

زيادات مباشرة وغير مباشرة

وشهدت مصر منذ وصول  الانقلاب العسكري، قرابة 20 زيادة مباشرة في أسعار الوقود والكهرباء والسجائر وتذاكر مترو الأنفاق والقطارات، منها 7 زيادات لأسعار الوقود، ومن بين القرارات ما تسبب في إشعال أسعار مختلف السلع والخدمات، ما يشير إلى أن قرارات زيادة الأسعار بصورة مباشرة أو غير مباشرة كانت تصدر بمعدل قرار كل نحو شهرين.

بعد شهر واحد من وصول السيسي للحكم، قررت الحكومة في يوليو 2014، زيادة أسعار المواد البترولية للمرة الأولى منذ عام 2008 بنسب بين 40% و78%، ما أدى إلى زيادات في تكاليف النقل وارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات.

 كما تقرر في الشهر نفسه زيادة أسعار السجائر والتبغ بين 175-275 قرشا للعبوة، وهو ما أثر بشكل مباشر على دخول شريحة كبيرة من العمال أصحاب الدخول الأقل في المجتمع المصري، وفي أغسطس 2014، تمت زيادة أسعار الكهرباء بنسب تصل إلى 20%.

وتوقفت مصر عن رفع أسعار الوقود خلال العام المالي 2015/ 2016، إلا أنه كان هناك زيادة لأسعار السجائر والكهرباء، كما تم رفع أسعار الوقود مرتان بنسب تصل إلى 100% في بعض المنتجات، وذلك في إطار إجراءات التقشف ضمن اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وكان العدد الأكبر في قرارات زيادة الأسعار، خلال العام 2017، وكانت الزيادات أكثر إيلاما للفقراء ومحدودي الدخل من الطبقات المتوسطة، وتم خلالها زيادة أسعار الكهرباء والسجائر وفرض ضرائب عليها، كما تم رفع أسعار الوقود.

كما تم رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق الذي يستقله يوميا قرابة 4 ملايين مواطن من متوسطي الدخل والفقراء بنسبة 100%. وذلك في مارس 2017، وفي ديسمبر من العام نفسه، تقررت زيادة أسعار تذاكر المترو ثلاثة أضعاف قيمتها البالغة جنيهين، والقطارات بنسبة تتراوح بين 60% و200%.

وتوالى رفع أسعار الوقود للمرة الرابعة في يونيو 2018، والخامسة في يوليو 2019 ، أما في عام الحالي، فقد تم رفع الوقود مرتين خلال 3 اشهر، كان أخرها في يوليو الماضي.

وخلال الأعوام السبعة الماضية، ارتفع سعر اللتر من بنزين (80 أوكتان)، والذي يطلق عليه وقود الفقراء في مصر، من 0.8 جنيه لليتر إلى 6.75 جنيهات، بنسبة زيادة 740%، وبنزين (92 أوكتان) من 1.85 جنيه إلى 8 جنيهات، بنسبة زيادة 330%، فضلاً عن زيادة سعر أسطوانة البوتاجاز المعدة للاستهلاك المنزلي من 8 جنيهات إلى 65 جنيهاً، بنسبة أكثر من 700%.

كما يفرض نظام السيسي جباية ثابتة بقيمة 30 قرشاً على كل لتر مبيع من البنزين بأنواعه، و25 قرشاً على كل ليتر من السولار، وهو بمثابة “ضريبة مقتطعة” تفرضها وزراة المالية بحكومة الانقلاب على المنتجات البترولية، بغرض تثبيت سعر البيع محلياً في حال تراجع أسعار الوقود العالمية عوضاً عن خفضه للمواطنين، وفي المقابل رفع السعر على المواطنين مع كل زيادة في أسعار خام “برنت” عالمياً.

وبالإضافة إلى زيادة أسعار السلع والخدمات بشكل مباشر، اتخذ نظام السيسي 8 قرارات اقتصادية تسببت في موجات غير مسبوقة من الغلاء، كان أكثرها حدة تعويم سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، بناء على اشتراطات صندوق النقد الدولي.

وكان من بين تلك القرارات، خفض البنك المركزي سعر العملة المحلية، ورفع أسعار الفائدة وإقرار قانون ضريبة القيمة المضافة، وتعويم الجنيه، ورفع نسبة ضريبة القيمة المضافة.

وفي مقابل تحميل الفقراء ومحدودي الدخل العبء الأكبر من زيادات الأسعار، تم على مدار سنوات حكم السيسي، اتخاذ قرارات لإعفاء الأغنياء من ضرائب سابقة، وتخصيص نسب أقل لهم في زيادات أسعار الوقود والكهرباء.

يذكر أن أسعار الوقود ظلت ثابتة لفترة طويلة أيام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك حتى 2008، ولم تشهد أسعار الوقود بمصر أي تغييرات منذ 2008، مرروا بفترة ثورة يناير، وتولي المجلس العسكري مقاليد السلطة.

كما ظلت الأسعار على مستواها خلال فترة الرئيس الراحل محمد مرسي، رغم الأزمات العديدة التي شهدتها البلاد، من نقص حاد في البنزين، وظهور الطوابير على محطات الوقود.

بالأمر المباشر

كانت زيادة الأسعار في كل مرة تأتي بالأمر المباشر، من السيسي، مثلما حدث أثناء رفع تذكرة مترو الأنفاق، وفوجئ وزير النقل؛ لأن الاتفاق كان زيادة أسعار المراحل الجديدة فقط، ما يعني أن الوزارة والحكومة ليس لهما أي رأي في مسألة زيادة أسعار تذاكر المترو.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يطالب فيها السيسي وزراء حكومته برفع الأسعار على الهواء مباشرة، ودون اعتبار لأي ردود فعل أو حتى دون دراسة لتداعيات هذا القرار، بدعوى استكمال الإنجازات في البنية التحتية، ففي ديسمبر 2018، طالب السيسي حكومته، خلال مؤتمر على الهواء مباشرة، تحويل جميع عدادات الغاز والكهرباء والمياه إلى عدادات مسبقة الدفع، قائلا عن العدادات مسبوقة الدفع “المواطن يدفع ليأخذ المياه والكهرباء والغاز”،

 وفي فبراير 2016، قال السيسي إنه طلب من وزير الإسكان زيادة سعر شقق الإسكان المتوسط، وأنه شخصيا سيتحمل نتيجة الغضب الشعبي، وسيدافع عن الوزير؛ لأن ذلك سيساهم في دعم الإسكان الاجتماعي للفقراء، لكن هذا المبرر لم يتحقق، ففي مايو 2017، وجه السيسي حديثه لذات الوزير بضرورة تسكين أي مواطن بالإسكان الاجتماعي، بعد دفع ثمن وحدته كاملا نقدا، خلال عام ونصف، شاملة تكلفة المرافق؛ أي أن تلك الوحدات الخاصة بمحدودي الدخل لا يُقدم لها أي دعم.

وعود كاذبة وتبرعات بالإجبار

على مدى سبع سنوات منذ الانقلاب العسكري، يتم استنزاف جيوب المصريين بدعوى الإصلاح الاقتصادي، والانتشال من حالة العوز والفقر، مع عشرات الوعود المتكررة بالفرج القريب، بلا جدوى، بينما يتم استنزاف جيوب المصريين بالتبرعات تارة وبالضرائب تارة أخرى، مع ارتفاع الأسعار في كل وقت.

ففي أبريل 2016، تعهد السيسي بعدم زيادة الأسعار مهما ارتفع الدولار، قائلا “لن يحدث تصعيد في الأسعار للسلع الأساسية مهما حصل للدولار”، لكن الأسعار انفجرت بعد قرار تحرير سعر الصرف “التعويم”.

غير أن أول وعد يتذكره المصريون للسيسي قطعه على نفسه، وربما صدقه فيه الملايين، هو ما قاله أثناء ترشحه للرئاسة عام 2014، حيث نفى رفع الدعم عن السلع والخدمات الرئيسية قبل رفع مستوى المعيشة، قائلا وهو يشير بيديه على زيادة المال “يجب أن أُغني الناس أولا، بدل ما ياخدوا ألف يبقى ألف ونص أو ألفين”.

لكن بعد شهرين فقط من تلك التصريحات، وأقل من شهر على تولي السيسي السلطة، صُدم ملايين المصريين، عندما تم رفع أسعار الوقود في يوليو 2014، بعدها بأيام أعلنت حكومة الانقلاب رفع أسعار الكهرباء للمنازل وللاستخدام التجاري بداية من أول أغسطس 2014.

وبعد شهور قليلة من رفع أسعار الوقود والكهرباء، وزيادة التضخم إلى خانة العشرات، عاد السيسي إلى وعوده الكاذبة، فقال في نوفمبر 2015 “إياكم أن تتصوروا أن ارتفاع الأسعار غائب عن بالي، فأنا واحد منكم”، ووعد  بأن “تنتهي الدولة من تدخلها لتقليل الأسعار بشكل مناسب”، مضيفا أن “هذا الدور ستقوم به الدولة والجيش”، ولكن دون جدوى.

ومنذ ذلك الحين، والأسعار تشهد قفزات كبرى، والأجور على حالها تقريبا منذ 2014 في الكثير من مؤسسات وقطاعات الدولة، ولكن السيسي لم يكف عن طلب المهلة تلو الأخرى من عام لآخر، على وعد جديد منه، هذه الوعود المتكررة انتبه لها البعض، وطالبوا مبكرا برحيل السيسي، وسط تساؤلات بشأن ما قدمه الرجل حتى الآن.

بالتوازي مع الوعود المتكررة، كان المصريون على موعد مع بداية مرحلة استنزاف جيوبهم، والتي أخذت أشكالا متعددة كطلب تبرعات شعبية وصلت إلى حُلي النساء، والتبرع بجنيه يوميا حينما قال السيسي الشهيرة “صبّح على مصر بجنيه”.

وطالب السيسي الجمعيات الخيرية القائمة على تبرعات الناس والمؤسسات والشركات، بالتبرع هي الأخرى للدولة وليس للفقراء والمعوزين، ثم طلب التبرع بالكسور العشرية في المعاملات البنكية والحكومية والتسوق، وهو ما عبر السيسي عنه بالقول “أنا عاوز الفكة دي”.

وبعدها وجه السيسى حديثه للمصريين مازحا “هتدفعوا يعني هتدفعوا، “ووصلت رحلة الاستنزاف حاليا بفرض ضريبة إجبارية 1% من قيمة راتب الموظف اعتبارا من أول يوليو 2020، وكذلك 0.5% بدعوى دعم الدولة في مواجهة جائحة كورونا.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *