By / 9 مارس، 2019

رجل الفكر والتربية .. الداعية سعيد حوى

كان من فضل الله على الإمام حسن البنا تأسيسه جماعة الإخوان المسلمين، فنبتت على يديه، ونمت بجهده الدائب، وقامت على عقله المنظم، وأزهرت على فكره الملتزم بالكتاب والسنة.. ولم تمض سنوات قليلة على بداية التأسيس، حتى كانت جماعة الإخوان قد ملأت الدُّنيا وشغلت الناس، وانطوى تحت لوائها ألوان مختلفة من البشر فجمعت بين العالم والطالب، والعامل وصاحب العمل، والغني والفقير، والأُمِّي والمثقف، والزراع والتاجر، وتعجب من قدرة الإمام الملهم في توفيقه في الجمع بين هؤلاء على كلمة سواء.

ويزداد عجبك حين ظل هذا البناء شامخًا بعد استشهاد بانيه، فلم يتزعزع أركانه أو يهتز بنيانه، كعادة كثير من الدعوات التي تهتز بعد وفاة المؤسس الأول لها، لأن الإمام حسن البنا عمد إلى بناء الرجال، وتكوين الشخصيات، والاستعانة بالأكفاء من الناس من ذوي الدين والتجربة فلما حملها بدورٌ زاهرة وأنجم متلألئة أكملوا مسيرة مرشدهم الأول، ودفعوا بالحركة خطوات إلى الأمام.

وكان من نصيب حركة الإخوان أن حملها إلى سورية نفر من كرام السوريين الذين كانوا يتلقون العلم في القاهرة، وساقتهم الأقدار إلى لقاء الإمام حسن البنا، فتتلمذوا على دعوته وتأثروا بمنهجه في الإصلاح، وكان في مقدمتهم مصطفى السباعي، وعبد الفتاح أبو غدة، وغيرهما من الرعيل الأول الذين قامت على أكتافهم قيام جماعة الدَّعوة في ظروف عصيبة، وقاموا عليها في صبر واحتساب، وكان سعيد حوى أقوى هذه النابتة عودًا، ومن أغزرها علمًا، وأقدرها همةً ونشاطًا.

المولد والنشأة

ولد سعيد بن محمد ديب بن محمود حوَّى النعيمي – المعروف بسعيد حَّوى- في مدية حماة بسورية في 27 من سبتمبر 1935م، ونشأ في بيت كرم من بيوتات حماة المعروفة، فكان والده من رجال حماة، وله مشاركات واسعة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وعرف بالشجاعة والكرم والحكمة. وقد توفيت والدة سعيد حوى وهو في الثانية من عمره، فتعهدته جدّته بالتربية والتهذيب.

وإلى جانب دراسته عمل مع والده منذ صغره على بيع الحبوب والخضار والفاكهة، فأكسبه ذلك جديةً في الحياة، واحترام العمل، ولم تشغله هذه الأعمال عن المطالعة والقراءة، وحفظ القرآن، وكانت تتولى تحفيظه سيدة كفيفة من أقربائه.

التحق سعيد حوى بمدرسة ابن رشد الثانوية، وكان متميزًا عن أقرانه بشجاعته وفصاحة لسانه وقوة عارضته، وتمكنه من الخطابة في بلاغة وبيان.

وفي هذه الفترة المبكرة من حياته كانت سورية تموج فيها أفكار كثيرة وتيارات فكرية متعددة للقوميين والاشتراكيين والبعثيين والإخوان المسلمين، لكن فطرته السليمة ونضوجه المبكر ونشأته الدينية ساقته إلى جماعة الإخوان المسلمين، فانضم إليها سنة 1952م، وهو لا يزال في الصف الأول الثانوي.

في رحاب الجامعة وحلقات الدرس

التحق سعيد حوى بجامعة دمشق سنة 1956م، ودخل كلية الشريعة بها، وتتلمذ على عدد من أعلامها الكبار، في مقدمتهم الدكتور مصطفى السباعي أول مراقب لجماعة الإخوان بسوريا، والفقيه الكبير مصطفى الزرقا، و فوزي فيض الله، ومعروف الدواليبي.

كما درس على يد عدد كبير من أئمة العلم، منهم شيخ حماة وعالمها الكبير الشيخ محمد الحامد، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ عبد الوهاب دبس، والشيخ عبد الكريم الرفاعي وكان لهؤلاء أثر كبير في إمداد سعيد حوى التلميذ النابه بزاد ثقافي واسع، وبمعرفة عميقة بالدين وأحكامه.

وتخرج سعيد حوى في الجامعة سنة 1961م، وبعد عامين التحق بالخدمة العسكرية ضابطًا في كلية الاحتياط، وتزوج في هذه الفترة، ورزقه الله بأربعة أولاد.

في ساحات العمل الدعوي

كان الشيخ سعيد حوى قد أعد نفسه لمهمة عظيمة، ونذر حياته لخدمة دينه، مهما كانت المشقات والمصاعب، معتمدًا على ثقافة واسعة حصَّلها بهمته العالية وجهده الدوؤب، وتربيته التي علمته تحمُّل المسئولية والتبعات، وبعد خروجه من الجيش سافر إلى المملكة العربية السعودية سنة (1386هـ = 1966م) وعمل مدرسًا للغة العربية والتربية الإسلامية، ومكث هناك أربع سنوات عاد بعدها إلى سورية، حيث اشتغل بالتدريس في مدارسها لمدة ثلاث سنوات حتى تعرض للاعتقال والسجن.

وكان سبب اعتقاله أنه شارك في البيان الذي صدر في سنة (1993= 1973م) مطالبًا بإسلاميّة سورية ودستورها، وكلّفته المشاركة في هذا البيان أن يظل في السجن خمس سنوات.

واستغل سعيد حوى هذه الفترة التي قضاها في السجن، فألف عددًا من الكتب، توجَّها بأعظم مؤلفاته وهو “الأساس في التفسير” الذي طبع في أحد عشر مجلدًا، وكان هذا من فضل الله عليه أن يعيش مع القرآن ويتدبَّر معانيه، ويتذوَّق آياته، ويدرس أحكامه وهو رهين السجن مقيَّد الحركة، مغلول اليد، بعيدًا عن المراجع والمصادر، لكن عزمه الشديد وتربيته الإيمانية حالت دون أن يقع في أزمات القَّيد وهواجس الحبس، فانطلق مع كتاب الله وعاش معه حُرًا طليق الفكر والوجدان.

المشاركة في قيادة الإخوان

وبعد خروجه من المعتقل لم يركن إلى الراحة أو الانصراف إلى تأليف الكتب، بل تولى مسئولية قيادة جماعة الإخوان في ظروف بالغة الحرج، حيث كان تلقى العنت والمراقبة والتقييد من السلطات هناك في الفترة من سنة 1979م إلى سنة1982م، ثم ترك ذلك إلى المشاركة في قيادة التنظيم العالمي لقيادة جماعة الإخوان من سنة 1982م إلى سنة 1984م، ثم عاد إلى المشاركة في قيادة الإخوان في سورية من سنة 1985م حتى سنة 1987م، حيث أجبرته ظروفه الصحية على اعتزال العمل القيادي، بسبب إصابته بشلل جزئي، بالإضافة إلى أمراضه التي تكالبت عليه، كالسكر والضغط وتصلب الشرايين، والكلى، وضعف البصر، ثم لم يلبث أن دخل في غيبوبة الموت من ديسمبر 1988 حتى 9 من مارس 1989م حيث لقي الله بعد معاناة وصراع مع المرض.

نشاطه الدعوي

رزق الله سعيد حوى فهمًا عاليًا يجمع إلى جانب الدعوة إلى الله التحرك السياسي المناسب، والعمل الشرعي المنضبط، والتصوف السني الملتزم بالكتاب والسنة، مع فقه الواقع وترتيب الأوليات، وقد عني الشيخ -فيما عني به- بالدعوة إلى توحد الأمة الإسلامية وإقامة دولة الإسلام العالمية، وصياغة الشخصية الإسلامية صياغةً صحيحةً.

وكانت وسيلة الشيخ في نقل أفكاره هي الخطب وإلقاء المحاضرات، وكان كثير الحركة والتنقل في البلاد العربية والإسلامية والأوروبية، بالإضافة إلى طول باعه في التأليف، وحيويته المتدفقة، لا يعوقه عن ذلك شيء، وكان يميل في عرض موضوعاته وأفكاره إلى السهولة والسلاسة بلا تزيُّد أو تعقيد أو ميل إلى تنميق العبارة، فهو يكتب كما يحاضر ويتكلم، وبلغ من حرصه على ذلك أنه لم كن يهتم أحيانًا بصياغة الموضوع بأسلوبه إذا وجد من سبقه إلى بيانه، ولا يتردد في أن يقتبس ممن سبقه مبيَّنًا سبقه وفضله.

أخلاق الشيخ سعيد حوى

رزق الله هذا الداعية الكبير قبولاً بين الناس، لإخلاصه وتقاه، ويكاد يجمع كل من اتصل بالشيخ على تواضعه وزهده، وبساطته في المظهر وإقباله على الطاعة والذكر، والمداومة على تلاوة القرآن في تدبُّر وخشوع، والدأب على الكتابة في الموضوعات الحركية والفقهية والدعوية، والانشغال بقضايا الأمة الإسلامية ومشكلاتها، والعمل على إيجاد الحلول لها.

وقد عرف الشيخ بشجاعته فيما يقول ويكتب، وبروحه السمحة وأخلاقه الطيبة، ونفسه الزاهدة، فقد توالت طبع كتبه ومؤلفاته دون إذن منه، وتربَّح من ورائها الناشرون فما جعل من ذلك مشكلةً مع أحد، وكأنه يسعى إلى أن ينتشر فكره بين أوسع قطاع ممكن من الناس.

وكان رحمه الله قريبًا من الناس محببًا إليهم، يأسرهم بخطابه ويشدهم بحديثه و منطقه الدقيق وحجته البالغة. ومنحه الله رقةً في القلب، وإرهافًا في الشعور، فيغلبه البكاء حين يسمع قضيةً إنسانيةً مؤلمةً تتصل بإخوانه وأهل بلده، وما أكثر المحن التي تلقاها إخوان سوريا في صبر واحتساب.

مؤلفات سعيد حوى

ترك الشيخ مؤلفات كثيرةً، نال معظمها الذيوع والانتشار، وكتب الله لها القبول بين الناس فأقبلوا عليها، وكان من توفيق الله له أن بارك في وقت الشيخ المشغول بالحركة والتنقل بين الناس، والممتلئ بإلقاء الخطب والمحاضرات، فاتسع وقته للتأليف، وأخرج للناس عشرات الكتب النافعة، ومن أشهر هذه الكتب:

1– الله جل جلاله.
2– الرسول.
3– الإسلام.
4– الأساس في التفسير في 11 مجلدًا.
5– الأساس في السنة وفقهها في 14 مجلدًا.
6– الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص.
7– تربيتنا الروحية.
8– المستخلص في تزكية الأنفس.
9– جند الله ثقافة وأخلاقًا.
10– من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك.
11– المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين.
12– في آفاق التعليم: دراسة في آفاق دعوة الأستاذ البناء ونظرية الحركة فيها.
13– هذه تجربتي.. وهذه شهادتي.
14– عقد القرن الخامس عشر الهجري

اقرأ أيضاً: أقوال مأثورة : سعيد حوى


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *