By / 23 أغسطس، 2021

4-السودان تاريخ من الانقلابات.. ولم يصل بعد إلى تغيير حقيقي

 

تاريخ الحرب الأهلية 

غرق السودان في نزاع مسلح بين الشمال والجنوب قبل عام واحد من حصول السودان على استقلاله قبل عام واحد من حصوله على الاستقلال في العام 1955م، باستثناء 11 عاماً، واندلعت الحرب بين حكومة السودان وبين الجيش/ الحركة الشعبية لتحرير السودان. 

ويطلق على تلك الفترة الحرب الأهلية السودانية الأولى، التي وقعت  بين أعوام 1955 إلى 1972، والثانية التي اندلعت بعد 11 عاما من الحرب الأولى، حيث بدأت في 1983م على إثر انهيار اتفاقية أديس أبابا التي وُقعت في 1972م، وانتهت في 2005، وقد أوقفتها اتفاقية السلام الشامل وهي أطول حرب أهلية في أفريقيا.  

واتفاقية السلام الشامل أو اتفاقية نيفاشا  تم توقيعها بواسطة حكومة السودان بقيادة حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير والطرف الآخر هو الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق.

وتتمثل الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الحرب في النزاع على الموارد والسلطة ودور الدين في الدولة وتقرير المصير.

أدى النزاع الذي دام 21 عاماً إلى خراب أجزاء كبيرة في البلاد دفعت الأمة السودانية جراء هذا النزاع ثمناً باهظاً، حيث قُتل أكثر من مليوني شخص، ونزح أربعة ملايين شخص ولجأ حوالى 600.000 إلى البلاد المجاورة للسودان، وقد تجاوزت المشكلات، طبيعةً وحجماً، السودان إلى البلاد المجاورة له حيث سببت البؤس وأدت إلى انعدام الأمن في المنطقة.

بذلت أطراف خارجية عديدة محاولات كثيرة خلال سنوات الحرب الطويلة، لوضع نهاية للنزاع. في عام 1993 أصبح رؤساء دول الهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد) طرفاً في المبادرة الأخيرة التي سعت إلى جمع الطرفين. وكانت هذه بداية لعملية طويلة تكللت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005م.

تابعت الأمم المتحدة، تحت رعاية الإيقاد، مبادرة السلام الإقليمية ودعمتها عن قرب. وقد وقعت حكومة السودان والجيش/ الحركة الشعبية لتحرير السودان ستة اتفاقيات بوساطة من الإيقاد، وكان لابد أن يكتمل العمل في ثلاثة اتفاقيات حتى يتسنى الوصول إلى اتفاقية للسلام الشامل.

توقفت المفاوضات بين الطرفين بشأن بروتوكول وقف إطلاق النار الدائم في جولة المحادثات التي عُقدت بنيفاشا في يوليو 2004م. لم يتمكن الطرفان من الوصول إلى اتفاق بشأن عدد من المواضيع، وأهمها: إعادة نشر القوات في شرق السودان وتمويل الجيش/ الحركة الشعبية لتحرير السودان.

وافق الطرفان، تحت ضغط من المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة وممثله الخاص في السودان، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، على مواصلة محادثات السلام بنيروبي في 7 أكتوبر 2004م، وأصدرا الطرفان  بياناً صحفياً مشتركاً أعلنا فيه وقف إطلاق النار.

وما لبثت أن قامت حرب أهلية جديدة في 2013، في جنوب السودان، حيث  بدأت الأزمة في يوليو 2013 عندما قام الرئيس سلفا كير بإعفاء نائبه رياك مشار وجميع أعضاء حكومة جنوب السودان، في أكبر تغييرٍ وزاري تشهده الجمهورية منذ استقلالها، فما كان من المجموعة المعارضة إلا أن قادت حراكًا داخل الحزب، متهمة الرئيس بأنه يدير الدولة بعقلية أمنيّة، وأنّه يضيّق الخناق على الصحافة، وعلى حرية الرأي.

وبعد ذلك، أعلن الرئيس سلفا كير عن محاولة انقلابية، قام بها نائبه المقال رياك مشار ومجموعة من مناصريه. وقد قاد هذا الإعلان إلى نشوب نزاعٍ مسلّحٍ بدأ في ديسمبر 2013 واستمر نحو عامين وأسفر عن مقتل الآلاف وتشريد نحو مليونين من سكان جنوب السودان الذين يعدون 11 مليونًا، فضلًا عن وفاة نحو 40 ألف شخص بسبب الجوع وعجز المنظمات الدولية عن توصيل الإمدادات الغذائية إليهم نتيجة القتال.

وساهمت الحرب  في ألا تكون هناك أي زراعة بعد تدمير ما كان موجودا، إلى جانب نزوح الملايين لمناطق أخرى ولجوئهم إلى دول الجوار، ناهيك عن انتشار الأمراض الفتاكة مثل الكوليرا والملاريا.

وصنف المجتمع الدولي جنوب السودان مؤخرا من بين أربع دول تهددها المجاعة على غرار اليمن والصومال ونيجيريا، على الرغم من أنها تتربع على ثروات زراعية ومائية ونفطية كبيرة .

 

اتفاق السلام

عقب عزل البشير تقدم رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت بمبادرة للتوسط بين المجلس العسكري والحركات المسلحة، لطي ملف النزاع، وبدأت مباحثات السلام في جوبا بين الحكومة والجبهة الثورية للحركات المسلحة في أكتوبر 2019، واستمرت ما يقرب من عام. 

 ووقَّعت الحكومة والجبهة الثورية اتفاقًا للسلام في 1سبتمبر2020، ودُعي قادة الجبهة للعودة إلى الخرطوم للمشاركة في إدارة الفترة الانتقالية، وتلخصت أبرز بنود الاتفاق في: تمديد الفترة الانتقالية إلى 39 شهرا وتحديد 39 شهرا لعملية الدمج والتسريح المتعلقة بمقاتلي الحركات المسلحة، وتشكيل قوات مشتركة من الجيش والشرطة والدعم السريع لحفظ الأمن في ولاية دارفور. 

فيما أسهمت المفاوضات في مسار شرق السودان بمنبر جوبا، في خلق حالة عدم رضا حيث رأت مكونات اجتماعية وسياسية أن ما تمَّ لا يمثل الإقليم، غير أن الحكومة مضت في طريقها، في ظل تشكيك بإمكانية تحقيقه على أرض الواقع في ظل الانقسام الحاد الذي يعاني منه الشرق.

 

انفصال جنوب السودان 

منذ إعلان نتائج الاستفتاء الشهير في 2011 والذي جاءت نتائجه مؤيدة للانفصال باكتساح، وقد بلغت نسبة الأصوات المؤيدة لقرار انفصال جنوب السودان ما يعادل 98% من مجموع المصوتين، ليكتب هذا اليوم فصلا جديدا في تاريخ ومستقبل دولة السودان

كان الانفصال هو الحل النهائي الذي أتفق عليه إطراف الصراع، ورأى كثيرون إن ذلك سيساعد علي إنهاء الصراع في السودان، هذه الدولة التي لم تتمتع بالاستقرار السياسي علي الإطلاق منذ الاستقلال في عام 1956م وحتى تاريخه.

 الإ أن المشكلة تفاقمت بعد استقلال دولة الجنوب، ومرور كل هذه السنوات لم يزد الأمر إلا سوءا، فتجددت الصراعات بين الشمال والجنوب، وتفجرت قضية دارفور من جديد، بين حكومة الشمال والجماعات المتمردة هناك، ولم يقف تأثير الانفصال علي دولة السودان بل امتد ذلك االتاثير إلي الدول الإقليمية وعلي رأسها مصر،والمنطقة العربية، وقارة أفريقيا.

 

اسباب الانفصال 

 في 31 ديسمبر 1955 صوَت السودانيون شماليون، وجنوبيون، من داخل البرلمان لصالح استقلال السودان، وكان تصويت الجنوبيين مدفوعاً بوعد شمالي لهم بالحصول على الحكم الذاتي، حاول الجنوبيون ملء الفراغ السياسي بعد تشكيل لجنة الدستور عام 1956، وانسحابهم منها لضعف تمثيلهم.

أنشأ الجنوبيون الحزب الفيدرالي الجنوبي عام 1958 ومن بين أهدافه تحقيق انفصال الجنوب. وقد كان ذاك هو العام نفسه الذي تسلّم فيه العسكر السلطة بقيادة الفريق ابراهيم عبود في نوفمبر 1958 فأصدر  قانون تنظيم الهيئات التبشيرية، وطرد كافة موظفيها من الجنوب عام 1963، وألغى عطلة الأحد الرسمية، واستبدلها بيوم الجمعة، كما انتهج سياسة الأسلمة والتعريب من منطلق أنّها ستكون حلّاً لمشكلة الجنوب.

 تنامى شعور الجنوبيين بالغبن، ونتيجة لهجراتهم الجماعية إلى دول الجوار الأفريقي، تكونت هناك أحزاب سياسية جنوبية كان من أبرزها الاتحاد السوداني الأفريقي لجنوب السودان (سانو)، الذي أرسل مذكرة إلى الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 مطالباً باستقلال جنوب السودان، وحق تقرير المصير، ومتابعة دولية لمعالجة قضية الجنوب. تواصلت المطالبة بين حربٍ وسلم إلى أن تحقق الانفصال.

 

تداعيات الانفصال

قال الدكتور خالد التيجاني، رئيس تحرير صحيفة إيلاف السودانية،  لـ”اندبندنت عربية”،بأنَّ تقسيم السودان أثبت بعد تسع سنوات أنَّه هو الخيار صفر، وأن السودان كان بالفعل يحتاج إلى نظام سياسي جديد يستوعب ذلك، مما أنتج دولتين فاشلتين بامتياز في الشمال والجنوب.

ما حدث هو عملية لتقسيم السودان، وهو نتاج  لفكرة التقسيم القديمة منذ الأربعينيات عندما بُحث موضوع السودان في مؤتمر جوبا، وتم الوعد بالفيدرالية، لكن لم يوفَ بها عام 1956 عند استقلال السودان. وما حدث في 2011 هو نتيجة لتلاقي رغبة أطراف، وقوى دولية، ولوبيات، بخاصة اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، الذي كان يرى الصراع في جنوب السودان باعتباره صراعاً دينياً بين شمال مسلم عربي، وجنوب مسيحي أفريقي. 

 وقد أدى إلى عملية إنتاج دولتين فاشلتين، حيث أن الحرب الدائرة الآن في جنوب السودان هي نتاج الدولة الفاشلة والتي أثبتت  أنَّ المجتمع الدولي الذي رعى جنوب السودان إلى أن تحقق التقسيم تخلى عنه، ولم يقدم له أي مساعدات لها قيمة حقيقية. 

وأضاف أن هناك جدلاً سياسياً حول الهوية والدين، بحيث لم يتمكّن الجنوب من إقامة دولة علمانية تحافظ على وحدة الجنوبيين، وتحقيق حلم الاستقلال بل استبدلت الصراع بين الشمال والجنوب بصراع بين القبائل الجنوبية فيما بينها، وأنَّ التقسيم أسفر عن صراع سلطة مثلما حدث للنخب السياسية في شمال السودان.

وأشار إلى أنه كانت هناك توهمات القائمة على حسابات المؤتمر الوطني بأنَّ انفصال الجنوب سيخلصه من عبئه، وسيساعده على الانفراد بالسلطة في الشمال، مما أدى إلى أزمات اقتصادية متلاحقة نتيجة لفقدان واردات النفط، وظلت البلاد في تردٍ اقتصادي إلى أن أدى ذلك إلى الإطاحة بالحكومة عام 2019. 

أما بالنسبة إلى دولة الجنوب بعد استقلالها لم تستطع الصمود لأكثر من عامين، فقد دخلت في حرب أهلية عام 2013 أخذت طابعاً قبلياً، وأدت إلى فظائع، وقد كان هناك افتراض بأنَّ مشكلته قائمة على اضطهاد، وفرض هيمنة عربية وإسلامية من الشمال


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *