By / 3 سبتمبر، 2019

(4) مأسسة الأمن السياسي في مصر عام 1910

ساهمت مجزرة دنشواي عام 1906، والتي شملت إعدام 4 فلاحين وسجن 17 آخرين بتهمة التسبب بمقتل ضابط بريطاني، في تصاعد المد القومي التحرري على يد الحزب الوطني الذي أسسه الزعيمان “مصطفى كامل” و”محمد فريد”. بل وكانت المجزرة علامة فارقة بين مرحلتين من النضال الوطني، الأولى اعتمدت على المعارضة السياسية وإلقاء الخطب وتأليف الجمعيات، بينما الثانية اعتمدت على تشكيل جمعيات سرية تهدف إلى تصفية أعوان الاحتلال البريطاني. ومن أبرز تلك الجمعيات (جمعية التضامن الأخوي) التي أقدم عضوها إبراهيم الورداني على تنفيذ أول حادث اغتيال سياسي في مصر الحديثة عبر إطلاقه 6 رصاصات على رئيس الوزراء بطرس غالي مما أسفر عن مقتله في 20 فبراير عام 1910. وقد كان غالي ضالعا في التصديق على أحكام إعدام ضحايا مجزرة دنشواي.

وقد مثل الحادث خسارة للاحتلال عبر عنها المعتمد البريطاني الدون جورست قائلا (كان المصري الوحيد الذي اشعر دائما أني استطيع وضع ثقتي فيه، ولا أستطيع التخلص من الإحساس بأنه كان ضحية ولائه لسياستنا في هذا البلد، وأن جريمته الحقيقية في نظر الوطنيين تتمثل في أنه خدمنا بإخلاص). في حين انتشر الهلع في صفوف الساسة المصريين المقربين من بريطانيا، وانسحب بعضهم من الحياة السياسية مؤقتا.

عقب الحادث استقال مستشار نظارة الداخلية آرثر شيتي، وخلفه في المنصب رونالد جراهام الذي بادر في ديسمبر 1910 إلى تأسيس جهاز سري يتبع بوليس القاهرة للتصدي للأعمال السياسية المناوئة، وجمع المعلومات عن الجمعيات السرية، ومراقبتها، ومراجعة بيانات الموظفين المصريين بالحكومة، وتقديم تقارير يومية عن الحالة السياسية إلى المندوب السامي البريطاني وسراي الخديوي. وتأسس الجهاز باسم (مكتب الخدمة السرية). وتولى أحد نصارى الشام ويدعى جورج فليبيدوس رئاسة المكتب  في حين عاونه اليوزباشي الإيطالي لوسكيافو فضلا عن مجموعة من المخبرين المصريين والأجانب.  كما تلقى ثلاثة من عناصر الشرطة آنذاك تدريبات بالخارج على مكافحة الحركات الوطنية، أحدهم بباريس، والآخران في سان بطرسبرج بروسيا.

وأقنع فليبيدوس البريطانيين بأن تصفية الحزب الوطني هي الخطوة الصحيحة لإضعاف الحراك السياسي المناهض للاحتلال. وقد أدخل فليبيدوس أسلوبين جديدين إلى نظام العمل الشرطي في مصر آنذاك:

  1. الاختراق:  وذلك عبر زج عناصر تابعة لمكتب الخدمة في صفوف الوطنيين للتعرف عليهم عن قرب، ورصد نقاط ضعفهم، وتوريطهم في مشاكل نسائية أو مالية يمكن ابتزازهم بها. 
  2. المرشدين: وذلك عبر تجنيد شبكة من العاملين بالمؤسسات الحكومية وغيرها لمتابعة رفاقهم، ورفع تقارير عن ميولهم السياسية.

ونجح المكتب بحلول عام 1911 في الكشف عن 26 جمعية ترتبط بعلاقات مع الحزب الوطني سواء بجمعها للتبرعات أو ترديدها لأفكار الحزب. ودفعت أنشطة المكتب قيادات الحزب الوطني للهجرة إلى الخارج، وعلى رأسهم محمد فريد. وهو ما لم يكتف به المكتب إذ بادر في عام 1912 إلى تأسيس فروع خارجية في لندن وباريس وجنيف لمتابعة نشاط كوادر الحزب الوطني. وكذلك امتد نشاط المكتب إلى مراقبة الطلبة الهنود بالأزهر، ومدى علاقتهم بالتوجهات المناهضة للتواجد الإنجليزي بالهند، فضلا عن مراقبة خطب الجمعة.

وقد اتسم نشاط المكتب بقدر كبير من الطائفية، فعقب تعرض وزير الأوقاف “إبراهيم فتحي” لمحاولة اغتيال في عام 1915 على يد شاب يعمل موظفا بأحد أقسام وزارة المالية، ألقي القبض لثلاثة أيام على موظف مسلم في ذات القسم من باب الاشتباه في حين أنه كان يعمل مع منفذ الحادث بذات القسم موظفين آخرين (بريطاني وقبطي). ويروي “سعد زغلول” فذ مذكراته أن المندوب السامي اللورد “مكماهون” نصح باعتقال أقارب وأصدقاء المشتبه بمشاركتهم في تنفيذ اغتيالات، قائلا أن هذه الطريقة حققت نتائج إيجابية في مكافحة العنف السياسي بالهند.

وعقب اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914 صار “فليبيدوس” أقوى رجل في مصر على حد وصف أحد الضباط الإنجليز، وذلك لتحكمه في ترقيات ضباط الشرطة على خلفية التقارير التي يكتبها عنهم، ولامتلاكه سلطة توقيف المشتبه بتعاونهم مع الأتراك والألمان أو نفيهم خارج البلاد.

ومع انتشار الأخبار عن شبه مالية وفساد يشوب نشاط فليبيدوس ومعاونيه، قرر حكمدار القاهرة اللواء رسل التخلص منه، فكشف عن تجاوزاته عام 1917، وقدمه للمحاكمة التي أقر أمامها فليبيدوس بفبركته لبعض القضايا التي أعلن اكتشافها، كما اعترف بتلقيه رشاوى مالية من معتقلين سياسيين للإفراج عنهم، ومن ضباط شرطة لكتابة تقارير إيجابية عنهم، ومن بعض العاملين في الدعارة للتستر عليهم، فحُكم عليه بالسجن 5 سنوات، وعلى زوجته أسماء بالسجن سنة كما طرد من الخدمة مساعده لوسكيافو. 

 وبذلك انتهت بفضيحة مدوية الحقبة الأولى من مسيرة جهاز الأمن السياسي الذي عمل على تصفية العمل الوطني. وقد اعترف المندوب السامي البريطاني (اللنبي) خلال تقرير أصدره في عام 1920 بأن مكتب الخدمة السرية لم يكن يخضع لأي تنظيم رقابي. ولكن نظرا لأهمية دور مكتب الخدمة السرية فلم يُحل. وبحلول يناير 1918 تم تعيين خريج جامعة أكسفورد، وأستاذ الزراعة بالمدرسة العليا الإنجليزي وليم ماكفرسون رئيسا جديدا للمكتب، وهو الذي اندلعت في عهده ثورة 1919 في مفاجأة كشفت عن عجز جهاز الأمن السياسي عن إدراك حجم السخط الشعبي آنذاك.

وقد عمل البوليس على كبح جماح أحداث الثورة فقبض على النشطاء وأغلق المقاهي، وشن حملات تفتيش للبحث عن مخابئ الأسلحة، وداهم المطابع بحثا عن المنشورات الثورية، كما تنكر أعضاء (مكتب الخدمة السرية) لجمع المعلومات من أماكن تجمعات الثوار بالمساجد والمقاهي والميادين. وعلى خلفية الفشل في توقع اندلاع الثورة أو مواجهة فعالياتها. أعاد الإنجليز تشكيل جهاز الأمن السياسي وفق رؤية جديدة تتلائم مع تطورات المشهد المصري.

المصادر

  1. عبدالوهاب بكر، (البوليس المصري- مدخل إلى تاريخ الإدارة المصرية: 1805-1922)، ط1. دار الكتب والوثائق القومية، 2016.
  2. سعد زغلول، (مذكرات سعد زغلول – الجزء الخامس)، ط 1. الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.
  3. أحمد مولانا – (جذور العداء). ط1، 2013.
  4. أوين سيرس، تاريخ جهاز الاستخبارات المصري (1910:2009)، ط1، روتليدج، 2010.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *