By / 7 أكتوبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن (4)

انخراط الجماعات والشخصيات الدينية في السياسة

في كافة الحروب الثلاثة ضد البريطانيين قاد المقاومة علماء مسلمون، وقبل الحكام آنذاك رأيهم وقرارهم بالمقاومة. كانت الطبقة الدينية بشخصياتها وعائلاتها ذات قيمة للحكام. فالطبقة الدينية كانت نشطة في المجال العام، وفي ذلك الوقت لم تشعر بالحاجة إلى بنية سياسية أو إطار هيكلي خاص بها. لكنها شعرت تدريجياً بالحاجة إلى ذلك مع التغيير في الوضع وتعدد التجارب والمحن.

نور المدارس وخدام الفرقان

خلال مطلع حكم ظاهر شاه، بدأ نور المشايخ فضل عمر مجددي بتنظيم العلماء المسلمين وخلق الوعي السياسي لديهم، ولا يزال من الممكن رؤية تأثير هذا التوجه في أفغانستان حتى اليوم. وفي عام 1942 أسس الملا مشك عليم أندار مدرسة “نور المدارس” في منطقة شالغار في غزني. كانت هذه المدرسة شديدة التنظيم ولديها أيضًا برامج للتوعية السياسية بالإضافة إلى التعليم الديني. كان المعلمون منعزلين وركزوا فقط على التدريس. لكن عددًا قليلاً من المعلمين والإداريين وأفراد عائلة مجددي نظموا محاضرات وبرامج لعرض المعلومات العامة والأفكار السياسية والإسلامية. وساهم هذا في تخرج العديد من الشخصيات الهامة في الفكر الإسلامي والنهج الجهادي من تلك المدرسة التي انتشرت آثارها في جميع أنحاء البلاد. وأدى ذلك إلى إنشاء جمعية “خدام الفرقان التي بدأت صراعًا أيديولوجيًا وسياسيًا. ونشرت هذه المنظمة مجلة تسمى “نداء الحق” كانت الحكومة تحظرها في كثير من الأحيان بسبب الانتقادات السياسية الواردة فيها.

كان يقود جمعية “خدام الفرقان” محمد إسماعيل مجددي نجل ضياء المشايخ فضل عمر مجددي، وكان نائبه مولوي نصر الله منصور. وكان المولوي عبد الستار صديقي مسؤولاً عن مجلة “نداء الحق”. وتولى مولوي رحيم الله زرماتي مسئولية المجلة من بعده، وظل يشغل ذلك المنصب حتى النهاية.

 قدمت جمعية “خدام الفرقان” ومدرسة “نور المدارس” التعليم الديني إلى جانب غرس الوعي السياسي. ضمت المدرسة عدة فصول دراسية وصلت إلى الصف السادس عشر بما في ذلك المدرسة الثانوية حتى الصف الثاني عشر. وكانت دراسة الحديث الشريف تنتهي بحلول الصف السادس عشر. أحد شيوخ الحديث كان من خريجي ديوبند، ولذا قُدم مقرر الحديث وفقًا للمدرسة الديوبندية حيث شمل صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وموطأ الإمام مالك وسنن النسائي وسنن ابن ماجه. وانصب التركيز الرئيسي على صحيح البخاري وصحيح مسلم وجامع الترمذي.

انتشر وجود جمعية “خدام الفرقان” تدريجياً إلى الجامعات الحديثة. فخلال فترة حكم ظاهر شاه نظم قادة الجمعية احتجاجات ضخمة ضد بعض الأنشطة التي اعتبروا أنها معادية للإسلام. واستمرت الاحتجاجات لبضعة أيام، وخشيت الحكومة من حدوث ثورة عامة فشنت حملة قمع ضد العلماء وسجنت الكثيرين. وانتهت الاحتجاجات في ظل وعود وتطمينات من الحكومة، لكن المناوئين للإسلام وخاصة العناصر الشيوعية في الحكومة أصبحوا حساسين تجاه عائلة مجددي. ومن ثم فخلال زيارة ظاهر شاه لإيطاليا أطاح به ابن عمه داود خان في انقلاب.

داود خان أحاط نفسه عادة بالشيوعيين، فازدادت المشاكل مع “خدام الفرقان” لكن الحكومة كانت على علم بخلفية العائلة، ولم تكن قادرة على الضغط عليه أكثر. وفي عام 1385 هجريا أثناء الانقلاب الشيوعي سُجن في البداية جميع أفراد عائلة مجددي باستثناء طفل أو طفلين وامرأة، وأُعدم لاحقا مائة فرد من عائلة مجددي في السجون الشيوعية. وسُجن المئات والآلاف من أعضاء وأتباع خدام الفرقان، وأُعدم معظمهم فيما بعد.

انضم أتباع تلك العائلة ذات النفوذ فيما بعد إلى الجماعات الجهادية مثل حركة الانقلاب الإسلامي، والحزب الإسلامي بقيادة المولوي محمد يونس خالص، ونجات الملي – بقيادة عائلة جيلاني الصوفية- والاتحاد الإسلامي، ومن ثم بدأوا الجهاد. ومن بين الشخصيات البارزة آنذاك مولوي نصر الله منصور، ومولوي جلال الدين حقاني، ومولوي شفيع الله، ومولوي رفيع الله مؤذن، ومولوي عبد الستار صديقي، ومولوي رحيم الله زورماتي، وقائد قندهار الشهير لالا مالانج، وقائد زابول الشهير الملا موسى كليم، وقادة جهاديون آخرون في أنحاء أفغانستان.

الإخوان والحركة الإسلامية

بعد الحرب العالمية الأولى، وقعت آخر بقايا الخلافة الإسلامية بقيادة العثمانيين الأتراك ضحية لمؤامرات القوى الغربية، وشعر العالم الإسلامي بالحاجة إلى الوحدة. نتيجة لذلك بدأت حركة الخلافة الأولى في شبه القارة الهندية، ولعب علماء ديوبند المسلمين دورًا رئيسيًا فيها. وسحق البريطانيون هذه الحركة، لكنها عملت على إيقاظ مسلمي شبه القارة الهندية. وفي عام 1928 أنشأ عالم إسلامي يُدعى حسن البنا وأصدقاؤه حركة الإخوان المسلمين التي هدفت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر.

مع مرور الوقت، أصبحت هذه الحركة مؤثرة للغاية في مصر. وفي عام 1948عندما فقدت فلسطين استقلالها، بدأ الإخوان المسلمون يرفعون شعارات المقاومة والدفاع عن استقلال فلسطين، وأخذوا يناضلون من أجل هذه القضية. زاد شعار “استقلال فلسطين” من شعبية هذه الحركة الإسلامية الحديثة في مصر والدول العربية المجاورة. وخوفا من انتشار هذا التنظيم الآخذ في التوسع، أعلن رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي باشا أن الإخوان جماعة غير شرعية. وصودرت أصول جماعة إخوان المسلمين، وسُجن العديد من أعضائها فغضب أتباع الحركة، ويُعتقد أن النقراشي قُتل في 28 ديسمبر 1948 على يد عدد قليل من أعضاء الإخوان.  وردا على مقتل النقراشي اغتالت الحكومة الجديدة حسن البنا. وبعد ذلك واجهت جماعة العديد من المشاكل فضلا عن حظر أنشطتها. وقد نشأت تلك العراقيل بسبب تدخل بريطانيا في المجتمع المصري.

في عام 1954 اُتهم الإخوان المسلمين بالوقوف خلف محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، فسُجن نحو مائة من أعضاء الإخوان الأساسيين لمدة خمسة عشر عامًا. ومن أشهر هؤلاء كان سيد قطب الذي كتب العديد من الكتب المشهورة في الفكر الإسلامي. كما ألف كتاباً مشهوراً في التفسير بعنوان “في ظلال القرآن”. وقد أفُرج عنه لفترة ثم أعيد اعتقاله وأُعدم في 29 أغسطس 1966.

أثرت جماعة الإخوان على الدول العربية المجاورة والحركات الإسلامية الأخرى في العالم الإسلامي. ففي سياق السعي لتمكين سلطة سياسية إسلامية، تبنى المسلمون في بلدان مختلفة بما في ذلك أفغانستان وباكستان أنماطًا مماثلة لجماعة الإخوان. ويُعرف أتباع هذه الجماعة بالإخوان.

في باكستان تعتبر الجماعة الإسلامية بقيادة مولانا المودودي من أتباع جماعة الإخوان المسلمين. وأثناء حكم ظاهر شاه في أفغانستان تأسست جماعة إسلامية  حركية باسم “النهضة الإسلامية” خلال عام 1331 أو 1332 هجريا على يد مجموعة من الطلاب المسلمين والمعلمين في كلية الشريعة في كابول. وعُرفت هذه المجموعة فيما بعد بأتباع الإخوان. وبعد الانقلاب الشيوعي، اعتُبرت ثلاث من التنظيمات الجهادية هي الوريثة السياسية والأيديولوجية لحركة “النهضة الإسلامية”. وكان مؤسس هذه الجماعة هو غلام محمد نيازي من سكان منطقة أندار بغزنة، وعمل رئيسًا لكلية الشريعة بجامعة كابول، وسبق أن أكمل تعليمه العالي من جامعة الأزهر في مصر.

لقد تأثر غلام نيازي بأيديولوجية الإخوان، وبدأ نوعًا مشابهًا من النضال السياسي في أفغانستان. وهناك نظرية أخرى مفادها أن غلام محمد نيازي كان مصدر الفكر، بينما تلميذه عبد الرحيم نيازي هو المؤسس. وقد قُتل الأتباع الرئيسيون لهذه الحركة إبان حكم داود خان والشيوعيين. كما انضم عدد قليل من العلماء المسلمين إلى هذه الحركة حيث كان للأستاذ نيازي علاقات مع علماء مسلمين مشهورين وأخذ بنصائحهم في العديد من القضايا.

في مراكز التعليم الحديثة، برزت هذه الحركة المتأثرة بالإخوان ضد الإيديولوجية اللينينية الماركسية والحركات المناهضة للإسلام التي كان الحكام آنذاك يدعمونها. وبعد انقلاب ضد داود خان، جرى سجن وإعدام العديد من الأعضاء الرئيسيين في هذه الحركة، وأُُجبر بعض الأعضاء على الهجرة إلى باكستان.

في عام 1385 هجريا بعد الانقلاب الشيوعي، لم يتمكن أعضاء الحركة الإسلامية من الاتحاد في تنظيم جهادي واحد حيث اعتبرت الجماعة الإسلامية والحزب الإسلامي نفسيهما الورثة الفعليين للحركة الإسلامية. وأدت تلك الخلافات إلى التنافس بين هذه التنظيمات على السلطة السياسية. وكان هناك أفراد نشيطون آخرون، ومجموعات صغيرة، وجمعيات ومنظمات لعلماء إسلاميين وشخصيات روحية، لكنهم لم يكونوا مؤثرين على مستوى بارز.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *