By / 7 أكتوبر، 2021

آسام الهندية، لن يكون سوى رأس جبل الجليد

  • صبغة الله الهدوي، محرر مجلة النهضة العربية

لا تمر ساعة في الهند إلا والمسلمون على فوهة البنادق، يتيهون في الأرض التي سكنوها وعمروها، ينفون من الديار التي شيدها أجدادهم، ويطالبون بالبطاقات وكارنيات الهوية أينما حلوا وارتحلوا، وربما يجردون من الثياب لينظر الناظر إلى المنطقة الحساسة حتى يعرف هل هو مسلم أم لا، ويضرب في آذانهم كلما خرجوا في المسيرات السلمية إما باكستان أو قبرستان، فالمشهد السياسي في الهند لم يعد صافيا ولن يك صافيا لو سارت الأمور على هذا المسار الخاطئ.

فرق تسد، إنجلترا لم تغادر الهند بعد

قبل قرنين، حينما كان الشعب الهندي مترابطا بشرقه وغربه، مهابا بجباله وجميلا بأنهاره وغاباته جاءت إنجلترا لتعكر صفوه وتنهب خيراته، فرأته أمة متحدة، منصهرة متماسكة، إخاء لم تجربه إنجلترا التي ألفت على القوميات والعرقيات، فصحت صحوتها لتخبر أن هذا الشعب لا ينهزم إلا على أبناء جلدته، فلا تجدي هنا الأسلحة النارية ولا سياسات القمع والبطش، بل تنفع سياسة فرق تسد، التي تؤجج نار الطائفية بين الأقوام، وتبني الأسوار بين الفئات المختلفة التي تنطق بلغات لا تفهمها إخوتها، فكما أرادت إنجلترى نجحت خطتها، وانقسمت الهند إلى قسمين أو إلى أقسام، فسمعت في جوها شعارات ونعرات فيها العرقية والعنصرية والانتماءات الدينية والقومية، فهبت قيادات عدة لتنبه إلى خطورة خطة إنجلترا الخادعة ولتذكر بإرث الهند التليد، لكن كلها كانت ضربة في حديد بارد، لأن جراثيم الفرقة تسربت إلى عمق الشعب، وتعرض لحقنات طائفية في مخه وعروقه، فخسر أمامها غاندي ونهرو وأبو الكلام آزاد، وإخوة علي وغيرهم الذين سعوا في لملمة شتات الهند، ولم ينجحوا إلا في بعض المناطق التي استعادت وعيها وعادت إلى صوابها، وحتى في يوم استقلالها استشهد أبو الوطن مهاتما غاندي إثر طلقات غادرة من رجل متطرف هندوسي، وكان غاندي وقتها في مهمة الحماية عن حقوق المسلمين.

 لقد ولدت الهند لكن كانت الولادة عسيرة، ولادة إلى أتون الفقر والبطالة والحروب الأهلية الدامية، فحاولت القيادات بعد الاستقلال لمحو آثار الطائفية ورفع معنويات القوم على أسس التعليم والتقدم المعرفي، لكن كان العدو بمرصاد، وهو يشنف سمعه إلى هواجس ثلة من الأناس، عندها الحقد والشحناء، فلجأ إليها لترى الدنيا بعد أحداثا دامية ومآسيا مختلفة تقيم الهند في قفص الاتهام، فالذي يرصد المشاهد السياسية الحالية في الهند يفهم بأن الهند عادت إلى ماضيها المظلم، وأنها تتآكل ديمقراطيتها، ويرى جدران التفرقة ناطحة السحاب بين القلوب،  وهل عادت أشباح إنجلترا من جديد.

إسلاموفوبيا، سلاح بي ج ب المفضل

وكما قيل كلما خسرت الأنظمة المستبدة خططها تشتعل فتائل الحرب على الحدود لتخدر الشعوب المنهارة وتحطم إرادتهم الصاحية، وعلى هذه الخطى المتعثرة تمشي الهند إلى هوة التاريخ وتقود شعبها الأصيل إلى أنياب العداة ولا تدري بأن شعارها المنفرد الذي ينادي إلى التنوع والتعدد كان علامة تجارية وشارة شرف أمام الدنيا، فمنذ هيمنة بي ج ب وأذرعها المتمثلة في ف أتش ب وآر أس أس على كل القطاعات الحكومية أخطأت الهند بوصلتها، فالحملات الانتخابية تملأ الهند بإسلاموفويا، وتبث الكراهية ضد المسملين، وتعدهم فوضويين وحملة الإرهاب، اعتقلات عشوائية طالت على الدعاة الإسلامية وقرارات لتعليق المدارس ومنشورات ضد المقدسات والشعائر الإسلامية، ورفع قضايا ضد الأذان بتهمة أنه يزعج السامعين ويشق سكون المارين، وتهجيرات قاسية، ومساءلات أمنية تورط الأبرياء في أمور لا تعنيهم، ومسيرات ثورية ترفع لافتات طائفية تقول “المسلمون لا ينتمون إلى الهند”، وتهميشات متعمدة حتى لا يدخل المسملون المناصب الحكومية، وأبواق حكومية تصرح “بأننا سنزجكم في السجون، وسنصادر ممتلكاتكم أيها الخونة”، ورصاصات حية للمتظاهرين السلمين.

وفي الوقت الذي يتجول رئيس الوزراء عوالم الدنيا ويتسلم من شتى الجهات أوسمة وشارات هنا في منطقة آسام يعيش المسلمون بين مطرقة الهندوتا وسندان الأمن المتعصب، فبدلا أن يصد الظالمون والمحتلون اتخذت الهند ولاية آسام فرصة سانحة لتنذر جميع المسلمين بأن قانون المواطنة في طريقه إليكم، وأن بوادره لاحت في كشمير وفي آسام وفي لاكشياديب ومظفر نغر، فكونوا على الموعد، والأمر لن يتوقف عند هذا الحد، وهناك هجمات سيبرانية ضد المسلمين، وملفات شخصية مجهولة لا تزال تنشر صورا مزورة لتشويه الإسلام أمام القلوب الضعيفة التي تلقف كلما يصنعه الإعلام.

وحتى في قضية طالبان اضطر مسلمو الهند لتبيين موقفهم من الحكومة الطالبانية، وكانوا في قفص الاتهام محاصرين من كل الجهات، لا تزول قدماهم حتى يسألوا عن ميولهم ووجهة نظرهم في قضايا الشرق الأوسط أو في قضايا كل الأقليات المسلمة المضطهدة، وحتى في مبارات كريكات التي طالما أذابت الجليد بين باكستان وهند حرم من المسلمين حق الانتماء والتشجيع بينما تمتع الآخرون بكل الحقوق، فيهم من يشجع إنجلترا التي احتلت الهند وفعل بها الأفاعيل وفيهم من يهتف لأندية البرتغال التي نهبت خيرات الهند لسنوات طويلة وفيهم يكتب الجداريات لألمانيا وإيطاليا كما لا يقل عدد مشجعي هولندا ودنمارك، فتلك هي الصور المتناقضة التي تجعلك تتخبط وأنت تحلل الهند عن بعد.

وقد سلطت مجلة النهضة العربية أضواءا مهمة حول هذه الاتجهات عبر افتتاحيتها التي كتبتها تحت عنوان “مزقوا أقنعة الخونة”، وذلك تقول ” فكلما انفجرت القنابل في كابل أو قصفت حارة من حارات بغداد أو شوهدت نساء منقبات ومحجبات في عواصم البلدان الإسلامية أو أقيمت حدود الله  في السعودية أو في باكستان أو إندونيسيا أو مارست داعش أعمالها البربرية باسم الخلافة والجهاد المقدس لم تزل محافل كيرالا الثقافية – ليتها ثقافية- تملأ الدنيا ضجيجا وتطلق حتى آخر سهامها لرمي المسلمين والإسلام بالتخلف والرجعية والفوضوية والعنف، فلا نفرق بين أحد منهم، فيهم من يرفع لافتات ماوو أو ستالين  وفيهم من يمجد ساوركار وغولواركار ليقول القائل “وافق شن طبقه، والأكثر غرابة أن أولئك الذين يسبحون لستالين الذي بنى مدينته الفاضلة على الجماجم والأشلاء يقيمون القيامة حين يسمعون أن طالبان أعدموا فلان بن فلان وأن سيارة مفخخة افنجرت في دمشق وأن كتائب القسام أرسلت صواريخ تضرب تل أبيب، فيستنفرون كل قواهم لتخفيف وزن الإسلام وتجفيف منابعه الصافية من الحجر على الأفواه الناطقة للأمة والهجوم الإعلامي على الجمعيات الإسلامية التي لم تزل تسد الزحف الأحمر والمد الماركسي الذي يطول على الجامعات والمدارس الحكومية.

كلٌّ يعبث بشعائر المسلمين ويقيمهم على فوهة البنادق، قسيس يعتلي المنبر ليصرخ أمام الجمهور أن هناك جهاد المخدرات، وأن فئة تنتمي إلى دين خاص تقوم وراء هذا الجهاد، وآخر ملحد ينحدر من عائلة مسلمة يسطر قلمه ليهتف بأن رسالة الإسلام منسوجة من العنف وكراهية الآخرين، بل ينادي رغم جهالته إلى تجديد الخطاب الديني،  فأي ذل قد اعتلا هذه الأمة الأبية التي جاءت لتوجه الدنيا نحو البر الآمن.

 فحين غادر من أفغانستان آخر جندي أمريكاني بعد أن نهب خيراتها وصدر ثرواتها واستغل مواردها واستعبد أهاليها وأهدر كرامتها طوال عقدين متواليين هنا في ساحة كيرالا تضاربت الآراء بين مؤيد ومعارض، في الوقت الذي احتفل طالبان بانتصاره البارز على أطماع القوات الأمريكية وظهرت قياداته أمام الشاشات بعمائمهم وقمصانهم وأرديتهم الأفغانية انتشرت في كيرالا تلك الصور النمطية التي طالما نشرتها أعداء الإسلام من الإرهاب والعنف والتخلف والقسوة، وابتلعها المثقفون الذين يتصدرون المشهد الثقافي الكيرالاوي فشنوا حملات شرسة على الإسلام والمسلمين، ولم يقتنعوا من التصريحات التي عبرت خلالها قادة المسلمين رسالة الإسلام بل طالبوا منها الإدانة ثم الإدانة، فتلك عادتهم طبعوا عليها أن يوقفوا المسلمين جميعا في قفص الاتهام وأن يزدروا بشعائر الإسلام ومقدساته، والأمر الملحوظ في هذا الواقع المر أن كل الأبواق التي تتغنى بإسلاموفوبيا تتحد وتتجمع في صف واحد رغم ولاءاتها وانتماءاتها بهدف تصوير الإسلام تصويرا شنيعا أمام الساحات العامة، حتى الاصطلاحات الإسلامية تتم تدوالها بين أرباب البيان وصناع الفكر بشكل عبثي، فيهم من يستخدم كلمة الجهاد استخداما لا يليق بهيبته وجلالته، وفيهم من يستخدم كلمة الحلال محل الحرام والنكاح المشروع محل السفاح الممنوع، فلكل وجهة ورأي لكن لا يحترمون الرأي الآخر، ولا يهتمون بمشاعر الآخرين، يطربون كلما جسوا نبض الآخرين، فلا يمنعهم مانع من نشر هذه الأكاذيب بين العوام رغم إدراكهم مدى خطورة هذا الأمر المرير.

فتزامنا مع كورونا انتشرت في الهند بجنوبها وشمالها دعايات مشبوهة ضد المسلمين حتى نشأ هنا اصطلاح “كورونا جهاد”، الأمر الذي يعكس واقع الهند الأليم، التي انشق من داخلها بين طائفي وديمقراطي، وعنصري وإنساني، أسوار من العنف والكراهية شيدت على أنقاض الفقر والجهالة والخرافات، فما كان اجتياح كورونا في الهند اجتياح أجساد أو تكبيد خسائر مادية أخرى بل كان اجتياح الأرواح واحتلال الأفكار وتقويض أركان البلاد من الداخل، هجمات مكثفة ضد أقلية واحدة على أساس أوهام تبثها بعض القنوات المدعومة من قبل بي ج ب وآر أس أس، فالهند تمر بفترة عصيبة في فتراتها، يساق فيها صناع الوطن إلى مقاصل التاريخ ويبعث منها خونة محتلين صدارة التاريخ والوطن، يطمس شخصيات مثل جوهر لال نهرو الذي صنع الهند من جديد، وحكمها أكثر من عقد، وقتها كان صوت الهند مسموعا على الدنيا، وكانت رؤاها واضحة وخطاها مثبتة، فاليوم كأن لم يغن بالأمس، يتصدر المشهد الدولي وجوه مقنعة لا يحملون هم الوطن ولا يحلمون بمستقبل واعد للشعب، فالذي يهرب من التاريخ إلى المريخ ويفر من أرضية الواقع إلى بريق المواقع كيف يصمم بلدا بل كيف يرممه، والشعب لم يزل يترنح تحت وطأة الفقر وسطوة الشركات الكبرى، فلا منبر يصرخ له ولا قناة تبث عنه، فكل ما تهم هذه العصابة هو تأجيج نار الطائفية والتشبث بقش السلطة حتى وإن سقط في سبيلها الأبرياء شهداء أو أريق من أجلها الدماء، فالذي يرصد الهند من كثب أو بعد يؤكد بأن القادم أسوء، وأن أذرع الفاشية الزعفرانية قد طالت على كل الجهات الأمنية وقطاعات التعليم لتمحى من ذاكرة الشعب أبطاله وأساطيره وتبقى فيها جبناء عاشوا بالخوف وماتوا بالذل، فكل هذه المؤشرات تؤكد وتقول بأن الهند الدولة الضاربة في التاريخ والحافلة بالبطولات والملاحم تسير الآن عكس اتجاهها الفطري فإن لم تعد إلى سيرتها الأولى فلا هنا دولة تسمى هند ولا هناك حضارة آمنت بقوة التنوع والتعدد فانتبهوا من أرضة الأمراض الاجتماعية التي تأكل منسأة الوحدة”

المسلم الهندي: حياة بشروط

أن تعيش مسلما في ظلال الحكومة الهندية الحديثة يعني ذلك أن تنسى هويتك الماضية العريقة وتطمس من ذاكرتك مواريثك الخالدة، وأن تكون جاهزا في كل وقت للإدانة والتماس العذر لكل ممارسات بشعة تقام باسم الإسلام، فإن أبيت وثبتت على قيمك ومبادئك يعني ذلك أنك خائن وأنك إرهابي يجدر بك أن تزج في السجون وأن ترسف تحت القيود، فالمشهد السياسي الهندي يختلف بكثير عن الصور التي ترسمها للعالم قباب تاج محال الشامخة وأسوار قلعة آغرا المنيعة، بل هي تناقضها تماما، بل ترى هناك محاولات بشعة لطمس الهويات الإسلامية وتبديل أسماء المعالم المغولية بدعوى أنها كانت هندوسية الأصل وأن المغول إنما بنوها على أنقاض المعابد الهندوسية كما شهد العالم بأسره ما فعلت هندوتا بمسجد بابري، لتسقط قباب المسجد على الأرض هاوية بعد أن كانت ساحاته عامرة بالمصلين ، بل كان أشدها وأقساها ما هتفت قيادات بي ج ب أمثال توغاديا وأل ك أدهواني التي طافت الهند لتنفث السم في القلوب.فالمسلم في الهند مواطن مشروط، جنسيته  لا تتمتع بكل الحقوق التي توفر للآخرين، محلاته وممتلكاته مهددة بالمصادرة والتعليق، ومساجده ومدارسه ربما تدمر وتحرق بين عشية وضحاها، وفي الزمن الذي يمجد قاتل غاندي ويستهان غاندي وسلميته ونهرو واشتراكيته، وتستخدم سياسة الحديد والنار مستحيل أو جنون أن تتأمل من الحكومة الهندية الراهنة مبادرات سلام، فإن ما تراه حول الهند لن يكون سوى رأس جبل الجليد، والله المستعان.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *