By / 11 أكتوبر، 2021

البطالة في مصر.. قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي

جرت تبعات انهيار الحياة الاقتصادية في مصر، برفع هائل للأسعار في كل السلع والخدمات، على الشباب المصري بصفة خاصة، والذي يعاني معاناة كبيرة في ظل حكم العسكر، الذي يقوده قائد الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، رغم عقد عدة مؤتمرات للشباب حتى الآن.

وتعد البطالة من أبرز ما عاناه الشباب في حكم العسكر، حيث أن أكثر من 180 ألف موظف يخرجون على المعاش سنويا، ورغم ذلك لا يتم توظيف الشباب في وظائف الجهاز الإداري، بينما يأتي إلى سوق العمل سنويا بحوالي 700 ألف شاب لا يجد سوى 200 ألف منهم فرصة للعمل، وتشكل بطالة بهذا الحجم قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي واستكمال عملية الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

 

 

أسباب البطالة

الوضع الاقتصادي

أصبح الوضع الاقتصادي في عهد السيسي يهدد الاستقرار الاجتماعي في مصر، ولذلك يعد ارتفاع نسبة البطالة والفقر في صفوف الشباب الذي يشكلون أكثر من نصف سكان البلاد البالغ نحو 90 مليون نسمة، هو أقسى التحديات التي تواجه الاقتصاد، وما صاحب ذلك من الضغط على جيوب غالبية المصريين الساحقة من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في وقت لم تتحسن فيه الأجور بشكل يواكب نسبة التضخم الذي يزيد معدله السنوي على 9 بالمائة.

وساهم التدهور الاقتصادي الذي تشهده مصر، في أن تتسع شريحة الفقر بالمجتمع نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة بشأن تخلص الدولة من كافة التزاماتها تجاه المواطن، وتحميله كافة أعباء معيشته، على الرغم من فرض المزيد من الضرائب والرسوم على كافة الخدمات المقدمة من الحكومة، ما تسبب في فقدان أعداد هائلة وظائفهم.

علاوة على ضعف حجم الاستثمار الذي يفتح فرص العمل لاستيعاب القوى العاملة الجديدة، وما سببه الانقلاب العسكري من خلل أمني واقتصادي في العديد من القطاعات التي تمثل دخلاً مهماً جداً في الاقتصاد المصري، ما جعل الاستثمار الأجنبي والمحلي متردداً خائفاً أو هارباً أحياناً.

وطبقت مصر وفقا لاتفاق مع صندوق النقد الدولي في عام 2016 عدة تدابير تقشفية من بينها خفض دعم الوقود والكهرباء عدة مرات إضافة إلى تعويم الجنيه المصري، وفي نوفمبر 2016، حررت مصر عملتها، ليصل سعر الدولار إلى نحو 16.53 جنيها من 8.88 جنيهات.

ونتيجة لتلك الإجراءات، ارتفعت معدلات التضخم في مصر إلى مستويات قياسية غير مسبوقة خلال سنوات، ما أدى إلى تآكل قيمة الدخول الحقيقية للمواطنين، وأثرت على الطبقة الوسطى، التي تواجه ارتفاع بعض تكاليف المعيشة نتيجة للإصلاحات.

وعانى المصريون في السنوات الأخيرة من غلاء فاحش شمل شتى السلع والخدمات، وهو ما تفاقم بعد تحرير سعر الصرف وما تبعه من برنامج إصلاح اقتصادي، وأدى ذلك إلى إجبار المصريين على إعادة ترتيب أولويات الشراء وخروج سلع عديدة عندهم في الفترة الأخيرة.

دولة الجيش

في عهد السيسي أصبح الجيش هو الدولة، وتقلصت كافة المؤسسات المدنية في الدولة لصالح الجيش، وزاحم الجيش محتمع رجال الأعمال، مما يعد أبرز مساوئ الإدارة الاقتصادية في ظل الانقلاب العسكري، وكذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو صعوبة توفير العملات الأجنبية، أو انتشار الفساد، أو مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الاقتراض من الجهاز المصرفي.

ورغم إدعاء حكومة الانقلاب العسكري حرصها على استقدام استثمارات أجنبية مباشرة، فإن الواقع يشير إلى هروب هذه الاستثمارات، وإلى أن مجال النفط لا يزال هو المجال الوحيد الذي يستقبل تلك الاستثمارات، ولكن استمرار أزمة المديونية لشركات النفط الأجنبية قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط.

إغلاق المصانع

زادت كوارث العمال وتشريدهم في عهد الانقلاب بسبب انحياز مسؤولية لرجال الأعمال وأصحاب الأموال على حساب العمال؛ ما أدى إلى تخفيض مرتباتهم وحرمانهم من حقوقهم أو تسريحهم وتشريدهم وقطع لقمة العيش التي تعتمد عليها أسرهم.

وخلال سنوات الانقلاب، خاصة مع تفشي جائحة كورونا، زادت  معاناة العمال بتخفيض للرواتب، وتسريح وفصل وتشريد طال كثير منهم، ومحاولات لتصفية ما تبقى من شركات قطاع الأعمال العام،  فضلاً عن أحكام بالسجن وصلت للمؤبد لقيادات عمالية عقابًا على تصديهم لهذه الإجراءات.

وواجه العمال الهجوم على حقوقهم الاقتصادية، ومحاولات تصفية شركاتهم، بموجة من الاحتجاجات “رغم التضييق الكبير على حرية التعبير”، ووجدت الكثير من المطالبات بالتدخل لحماية العاملين.

وتعتبر أزمة المصانع المعطلة رافداً منفصلاً في أزمة مصر، وبحسب التقديرات وصل عدد المصانع المغلقة أو المعطلة 7000 مصنع، ورغم التهوين الحكومى المتمثل فى الاعتراف بوجود مصانع مغلقة أو متعثرة لا تزيد علي ألف مصنع إلا أنهم يعجزون عن حل أزمة التعثر وإعادة تشغيل تلك المصانع.

والمؤسف، أن تُعلن الحكومة عن مشروع لإنشاء ألف مصنع جديد، والبحث عن مساعدات ومنح وقروض من الخارج أو الداخل، بدلا من تشغيل المصانع المغلقة، لاستيعاب عدد كبير من العمالة حال إعادة تشغيلها مرة أخرى، بعد تشريدهم.

الفساد

هناك عدد كبير من كبار رجال الأعمال المصريين يمارسون الفساد واستغلال النفوذ السياسي للوصول إلى الثروة، وذلك بمساعدة أجهزة نظام الانقلاب، وبحسب خبراء، فإن الفساد له تأثير كبير في تهميش أو منع إصدار تشريعات تساعد على دعم وتأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تحد من بطالة الشباب، وتنافس أعمال رجال الأعمال

وهناك مشكلة الفساد في الإدارات الحكومية والمالية، فإذا احتاج المرء إلى موافقة على مشروع ما، أو التقدم لوظيفة ما فهو بحاجة للتنقل أيام عدة بين عدد كبير من الدوائر في مناطق مختلفة للحصول على الأختام اللازمة، ويخشى موظفو الإدارات الحكومية والبنوك عادة الفئات الغنية وأصحاب الجاه ويوافقون على طلباتهم بسرعة بسبب الرشوة وحسب، والخشية من نفوذهم.

جائحة كورونا

يشير الجهازالمركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن نحو 26 في المئة من الأفراد المشتغلين بالأسر المصرية فقدوا عملهم نهائيًا بسبب جائحة كورونا. ويتركز معظم من فقدوا وظائفهم في الصناعات التحويلية، كالصناعة الغذائية وصناعة المنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية ومواد البناء والتشييد وكذلك في قطاعات النقل والمواصلات والتخزين.

كذلك تركت الجائحة آثارًا وخيمة في قطاع السياحة، حيث توقعت دراسة رسمية حدوث خسائر كبيرة في قطاع السياحة تصل إلى أكثر من 70 في المئة، نتيجة تفشي فيروس كورونا، وقد تضرر كثير من العاملين في قطاع السياحة والطيران، يصل عددهم إلى قرابة مليونَي شخص نتيجة تراجع إيرادات السياحة، وتعد محافظة الجيزة الأشد تأثرًا من الأضرار التي أصابت هذا القطاع.

عوامل أخرى

وهناك عوامل أخرى، من بينها الزيادة السكانية المستمرة التي أدت إلى ارتفاع حجم قوة العمل الداخلة لسوق العمل سنوياً، وتمثل نحو مليوني نسمة سنوياً، من دون أن تقابلها زيادة متوازنة في استيعاب سوق العمل.

وتخلي الدولة عن سياسات الالتزام بتشغيل الخريجين سنوياً بدءاً من منتصف الثمانينات، وترتب على ذلك ارتفاع سن الخريجين العاطلين الباحثين عن عمل، وانكماش الطلب على العمل والعمالة المصرية في سوق العمل العربية، وسياسات الاحلال للعمالة الوطنية في بعض الدول، ما جعل هناك عمالة عائدة كبيرة.

إحصائيات

ووصلت البطالة في مصر، إلى ما يقرب من 25%، بحسب إحصائيات، في الوقت الذي تؤكد فيه بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، أن النسبة تبلغ 11.4%، فضلا عن عدم توظيف الشباب في الجهاز الإداري للدولة إلا بأعداد قليلة عن طريق المحسوبيات.

وبحسب مراقبين، فإن الشباب يأتون إلى سوق العمل سنويا بحوالي 700 ألف شخص لا يجد سوى 200 ألف منهم فرصة للعمل، ما يعني أن البلاد بحاجة إلى نصف مليون فرصة عمل إضافية سنويا لحل مشكلة البطالة في صفوف الشباب الذين يشكلون غالبية سكان البلاد.

ويرتبط ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع بارتفاع نسبة الفقر، فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن خط الفقر القومي لعام 2017/ 2018 بلغ 32.5 %، وهو ما يعني أن أكثر من ثلث الشعب المصري، الذي يبلغ تعداده 100 مليون شخص، يعيش تحت خط الفقر الرسمي، الذي يصل إلى 735 جنيهًا شهريًا أو ما يعادل 47 دولارًا للشخص.

وترتفع معدلات كبيرة في مناطق مختلفة من البلاد، خاصة في صعيد مصر الذي تصل نسبة الفقر فيه إلى نحو 52 في المئة مقارنة بالجزء الشمالي من مصر، في حين ارتفعت نسبة الفقر خلال الفترة 2016-2018 بنسبة 4.7 في المئة، نتيجة تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي.

وبحسب بيان للجهاز المركزي، فقدَ ما يقرب من مليوني ونصف المليون شخص وظائفهم حتى أغسطس 2020، وارتفع معدل البطالة، وفق الأرقام الرسمية، من 7.7 في المئة إلى نحو 9.6 في المئة خلال النصف الثاني من عام 2020، وإن كان البعض يشكك في صحة هذا الرقم ويعتبر أن معدل البطالة أعلى من ذلك بكثير.

توقعات بارتفاع الفقر والبطالة

توقعت دراسة بحثية قام بها معهد التخطيط القومي التابع لوزارة التخطيط أن تتسبب أزمة فيروس كورونا في ارتفاع معدل الفقر في مصر، ليرتفع عدد الفقراء بما يتراوح ما بين 5.6 إلى 12.5 مليون فرد خلال العام المالي 2020- 2021 وفقا لسيناريوهات مختلفة.

وقالت الدراسة، “أظهرت النتائج أن انخفاض نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو نقطة مئوية واحدة يؤدي إلى زيادة نسبة الفقر في مصر بنحو 0.7 نقطة مئوية، وكذلك فإن زيادة معدل البطالة بنحو نقطة مئوية واحدة يؤدي إلى زيادة نسبة الفقر بنحو 1.5 نقطة مئوية، في حين أن زيادة معدل التضخم بنحو نقطة واحدة مئوية يؤدي إلى زيادة نسبة الفقر بنحو 0.4 نقطة مئوية”.

ولفتت الدراسة الحكومية إلى أن “من المتوقع أن يرتفع عدد المتعطلين عن العمل في مصر جراء الأزمة الحالية، إما نتيجة فقدان وظائفهم أو تراجع فرص العمل المتاحة أمام الباحثين عن العمل نتيجة تراجع الأداء الاقتصادي بصفة عامة وانخفاض الاستثمارات الخاصة”.

وأضافت: “أشارت بعض التقديرات إلى أن الأزمة الحالية ربما تسبب في إضافة ما يتراوح بين 336 ألفا إلى 1.3 مليون متعطل إلى إجمالي المتعطلين في الربع الأخير من عام 2019، والذي بلغ نحو 2.3 مليون متعطل، وذلك نتيجة تأثر العمالة غير الرسمية في مصر بشكل كبير، وهو ما يعني ارتفاع معدل البطالة ليصل في المتوسط خلال عام 2020 إلى نحو 11.5%”.

وأشارت إلى أن “وزارة التخطيط قدّرت عدد المعرضين لفقد وظائفهم بنهاية العام المالي 2019/ 2020 بنحو 824 ألف عامل، وفي حالة استمرار الأزمة حتى نهاية عام 2020 من المتوقع أن يصل العدد إلى 1.2 مليون فرد، معظمهم في قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والنقل والتخزين والصناعة التحويلية وخدمات أفراد الخدمة المنزلية الخاصة بالأسر، والسياحة”.

وأردفت: “يُضاف إلى ذلك العمالة العائدة من الخارج، وخاصة دول الخليج، والتي تأثرت بشكل ملحوظ جراء جائحة کورونا، في ظل عدم قدرة سوق العمل على استيعاب هذه العمالة العائدة، بالإضافة إلى تراجع أسعار النفط وهو المصدر الرئيسي للدخل بهذه الدول”.

إضافة إلى زيادة المتعطلين، لفتت الدراسة إلى أن “هناك أيضا شريحة كبيرة معرضون لتراجع مستوى دخولهم وخاصة العاملين الذين يعملون لحسابهم الخاص، نتيجة الإجراءات الاحترازية من ناحية وتراجع الطلب من ناحية أخرى”.

وأوضحت أن “بعض التقديرات تشير إلى تراجع تحويلات العاملين بنسبة تتراوح ما بين 10% في عام 2019/ 2020 في سيناريو مشابه لما حدث أثناء الأزمة المالية العالمية عام  2008/ 2009، وقد ترتفع النسبة إلى 15% في أسوأ السيناريوهات”.

تبعات البطالة

تراجع نسب الزواج

حيث أدت الأوضاع المعيشية الصعبة في مصر إلى تراجع نسب الزواج، حيث بلغ عدد عقود الزواج 887 ألفا و315 عقدا عام 2018 مقـابل 912 ألفا و606 عقود عام 2017، بنسبة انخفاض 2.8 بالمائة”.

وبلغ عدد الإناث اللواتي لم يتزوجن في الفئة العمرية 35 عاما فأكثر 472 ألف أنثى بنسبة 3.3% من إجمالي عدد الإناث فى تلك الفئة العمرية، وذلك خلال عام 2017، مقابل 687 ألف حالة ذكور بنسبة 4.5% من إجمالي أعداد الذكور فى الفئة العمرية المشار إليها.

أما عدد الفتيات اللاتي تجاوزن سن الثلاثين دون زواج فبلغ 13.5 مليون عانس.

وطبقاً للحالة التعليمية، سجلت الإناث الحاصلات على مؤهل جامعى فأكثر ولم يتزوجن من قبل، أعلى نسبة للعنوسة فوق سن 35 عاما، حيث بلغت النسبة بينهن 5.8%، تلاها من تعرف القراءة والكتابة بنسبة 4.1%، ثم الحاصلات على شهادة متوسطة وفوق المتوسط بنسبة 3.2%، وفى المقابل جاءت النسبة الأقل بين الحاصلات على شهادة أقل من المتوسطة بنسبة 2.4%، وذلك للإناث فوق 35 عاما.

وبحسب الإحصائيات، يرجع ذلك للوضع الاقتصادى الذى يتضمن غلاء المسكن، سواء كانت مستأجرة أم مملوكة بل وتكاليف الزواج من مهر، وتجهيز المنزل، وغيرها من الالتزامات التى أدت إلى تقليل فرص الزواج –خاصة فى الحضر- لعدم قدرة الرجل على القيام بكلِّ هذه الأعباء.

ارتفاع نسبة الطلاق

 حيث أسهم الوضع الاقتصادي، في تأزم أوضاع الشباب المتزوجين لترتفع نسبة الطلاق بينهم بشكل غير مسبوق، فبحسب إحصاءات الزواج والطلاق لعام 2018، التي نشرها الجهاز المركزي للإحصاء “بلغ عدد شهادات الطلاق 211 ألفا و554 عام 2018 مقابل 198 ألفا و269 شهادة عام 2017 بزيادة 6.7 بالمائة”.

زيادة معدل الجريمة

أرجع علماء الاجتماع وعلم النفس أسباب تزايد معدل الجرائم في السنوات الأخيرة إلى انتشار الفقر والبطالة، حيث أشاروا إلى أن ملايين الشباب الذين يطوفون الشوارع والأرصفة ليلا ونهارا يمثلون قنابل موقوتة تسير على الأرض وبين الناس.

وأضافوا أن البطالة تسببت في نسب تعاطي المخدرات، والتي تعتبر أحد العناصر المسببة للعنف بأشكاله المختلفة في المجتمع، وبالتالي عدم وجود دخل ثابت لدى المدمن، في ظل وجود طموحات خاصة يقابلها فقر وعجز اقتصادي، تقوده غالبا لارتكاب الجرائم.

كما أن اتساع دائرة الفقر ارتبط بدرجة كبيرة باتساع دائرة الجريمة، ومن يتابع الجرائم التى تشهدها العشوائيات والأحياء الفقيرة سوف يكتشف أنها نوعية واحدة، كذلك جرائم التحرش الجنسى والاغتصاب تنتشر أكثر فى الأحياء الفقيرة أمام تراجع نسبة الزواج والعنوسة.

كما تسببت البطالة أيضا في كوارث أخرى أثّرت على المجتمع المصريّ، كزيادة الهجرة غير الشّرعية إلى الدّول الأوروبيّة، والشّعور باليأس، واللّجوء إلى الانتحار، والانحراف الأخلاقي، وغيرها من الجرائم.

انتفاضة الفقراء

وحذر خبراء من أن ارتفاع نسب الفقر والبطالة في مصر، قد يكون القنبلة الموقوتة التي قد تؤدي لثورة، كما حدث قبل ثورة يناير، من ارتفاع نسبة عدم الرضا عن الأوضاع المعيشية، وقد سبب وأن اندلعت احتجاجات شعبية العام الماضي، سميت باحتجاجات سبتمبر 2020.

اندلعت احتجاجات سبتمبر 2020 في عدد من المحافظات والقرى المصرية. وقد بدأت في بعض قرى محافظة الجيزة، ثم انتقلت بعدها إلى محافظات صعيد مصر، وعلى الرغم من القمع الشديد، فإن المحتجّين نجحوا في الخروج للتظاهر في هذه المناطق، مطالبين برحيل السيسي من السلطة.

ولم تكن الاحتجاجات سوى انعكاسٍ للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ما فتئت تتردى منذ وصول السيسي إلى الحكم عام 2014، واعتماده القمع مع سياسات اقتصادية حادة أدت إلى تعويم سعر العملة الوطنية ورفع الأسعار وزيادة الرسوم زيادة كبيرة، ما أدى إلى انتشار الفقر على نطاق واسع.

ولقد تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال أزمة كورونا، تبعها  تعطل العديد من المهن والمشروعات عن العمل، حيث أدت السياسات والقرارات حكومة الانقلاب، خاصة المتعلقة برفع الأسعار، دورًا مهمًا في إشعال موجة الاحتجاجات، وكانت قرارات هدم المنازل المخالفة القادحَ الذي فجَّر الغضب. فقد أصدرت الحكومة قرارًا بإزالة الأبنية المخالفة أو دفع غرامات، ما أثر سلبيًا في الفقراء ومحدودي الدخل.

ويمكن وصف احتجاجات مصر الأخيرة بأنها انتفاضة الفقراء الذي يعانون وطأة الأوضاع المعيشية والاقتصادية، في حين لوحظ غياب مشاركة الطبقة الوسطى. ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، بعضها يتعلق بالقمع والخوف من ردة فعل النظام، وذلك على غرار ما فعل عام 2019، حين اعتقلت قوات الانقلاب أعدادًا كبيرة من المشاركين في الاحتجاجات التي طالبت برحيل السيسي، ومنها أيضًا ما يتعلق بالشعور باليأس والإحباط من فشل ثورة يناير 2011 التي لم تحقق أهدافها.

وبالفعل لجأ نظام الانقلاب مع استمرار التظاهرات إلى القمع، حيث قتل اثنين من المحتجين، كما تم اعتقال مئات المحتجين خلال الأسبوع الأخير من الشهر نفسه، بينهم عدد كبير من الأطفال الذين تم إطلاق سراح بعضهم.

وتمثل انتفاضة الفقراء نقطة تحولٍ في المشهد السياسي بمصر من عدة جوانب، منها؛ المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات واحتجاجات في أكثر من محافظة مصرية، خاصةً في محافظات الصعيد، كما أنها من المرات القليلة التي تنتفض فيها الفئات الفقيرة والمهمشة من مناطق مختلفة في الوقت ذاته احتجاجًا على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن مشاركة الشباب حديثي السن في هذه الاحتجاجات على نحو واضح.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *