By / 13 أكتوبر، 2021

كشمير.. القصة من البداية

محمد سرحان
قضية كشمير تمثل واحدة من النقاط المهمة في فهم طبيعة الصراع في شبه القارة الهندية، ومع استمرار تصاعد الانتهاكات ضد مسلميها ونقصد هنا المسلمون في ولاية “جامو وكشمير” وهي الجزء الخاضع لسيطرة الهند من كشمير ككل، لكن مسببات هذه المأساة تعود إلى عقود طويلة، اسمح لي أشرح لك القصة من بدايتها
كلنا نعرف “وعد بلفور 1917” وعد من لا يملك لمن لا يستحق عندما بموجبه منحت بريطانيا لليهود حق إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، أما بخصوص كشمير فكثير منا لا يعرف أنها بيعت فعليا في صفقة مقابل 75 لكهـ (يعرفها الباكستانيون)، فدعني أرجع معك بالزمان إلى عام 1339م.
يقول كاظم هيلان محسن في كتابه “كشمير..التاريخ السياسي للصراع الهندي الباكستاني” إن الإسلام دخل كشمير في عام 1339م عندما أعلن حاكم وادي كشمير آنذاك البوذي “انجاندرا” إسلامه، وبمرور الوقت تم ضم وادي كشمير وجزء كبير من “جامو” إلى الدولة المغولية عام 1586م، ومع ضعفها تمكن الأفغان من ضم “كشمير” 1752م، لاحقاً توسع السيخ في دولتهم التي بنوها في البنجاب 1799م بقيادة “رانجيت سنغ” وتمكنوا من ضم كشمير عام 1819م.
كانت كشمير مقسمة إلى 3 وحدات إدارية هي إقليم وادي كشمير، وإقليم جامو، وإقليم الحدود، وكان المسلمون يمثلون الأغلبية في وحداتها الثلاثة، في الوقت ذاته كان “رانجيت سنغ” مؤسس دولة السيخ يضم في خدمته أحد العاملين من قبيلة “الدوغرا” الهندوسية ويقربه منه ويسمى “جولاب سنغ”، وعينه حاكماً على إقليم “جامو”، وبعد وفاة “رانجيت سنغ” 1839 بدأت دولة السيخ تضعف وفي نفس الفترة يزداد نفوذ البريطانيين من خلال “شركة الهند الشرقية”، ووقعت بينهما معركة “سبراون” وبدلاً من أن يكون “جولاب سنغ” في جانب السيخ، كان يتواصل سراً مع الإنجليز بحثاً عن مصلحته الخاصة فدعم الإنجليز في حربهم مع الأفغان 1841م.
صفقة البيع
ثم وقعت حرب عام 1845م بين البريطانيين والسيخ الذين طالبوا “جولاب سنغ” بقيادتهم ضد الإنجليز، وهو أوهمهم بالموافقة لكنه ناور بجيشه وطلب من جنوده عدم مهاجمة الإنجليز حتى ينضم إليهم وخسر السيخ الحرب بسبب خيانته، ثم طالبه السيخ بالتفاوض عنهم مع البريطانيين وبوساطته وقعت معاهدة لاهور في 8 مارس/آذار 1846م، وتنازل السيخ عن جزء كبير من ممتلكاتهم من الأراضي ومنها “وادي كشمير”.
ماذا تعرف عن معاهدة أمريتسار؟
في 16 مارس/آذار 1846 وقعت معاهدة “أمريتسار” بين البريطانيين و”سنغ”، وشملت 10 بنود نصت على نقل كشمير إلى المهراجا “جولاب سنغ” مقابل دفع 7.5 ملايين روبية أي 75 لكه (ما يعادل خمس مئة ألف جنيه إسترليني وقتها) للحكومة البريطانية، التي تشترط موافقتها لحدوث أي تغيير في الحدود وتحكيمها من قبل “سنغ” في أي نزاع قد ينشأ بينه وبين الدول المجاورة، مقابل انضمامه وقواته إلى جانب بريطانيا في أي معارك، على أن تساعده بريطانيا في حماية أراضيه، ونص بندها العاشر على أن يقدم المهراجا هدية سنوية للبريطانيين، وكأن كشمير قطعة أرض للإيجار.
معاهدة “أمريتسار” كانت رسالة من شركة الهند الشرقية إلى الحكام الآخرين في المنطقة بأن من يخدم مصالح الإنجليز يحصل على مكافأة كبيرة، والأمر اللافت أيضاً في إبرام مثل هذه الاتفاقية أن منح “كشمير” ذات الأغلبية المسلمة لحاكم هندوسي يجعل منه خادماً لمصالح بريطانيا على حساب سكان المنطقة التي يحكمها، ومن هنا فهو في حاجة مستمرة إلى مساندة الإنجليز للحصول على دعمهم، فالحاكم هنا باختلافه في المعتقد عن سكان منطقته وخدمته للمحتل كل هذا يحول بينه وبين أن يلتقي مع طموحات شعبه.
‏ويبدو أن الإنجليز كانت لهم أهداف أخرى من المعاهدة، حتى إن الحاكم البريطاني العام للهند وقتها “اللورد هاردنغ” أرسل رسالة إلى الملكة “فيكتوريا” عن المعاهدة، أوردها “د.كاظم هيلان محسن” في كتابه جاء نصها: “إن من المرغوب إضعاف دولة السيخ التي بدت قوية، وأن نثبت لآسيا قوة بريطانيا بطريقة لا يمكن إساءة فهمها، وضرورة تقليص وسائل المحاربين السيخ ومنعهم من تكرار الاعتداء، وبعد ثلاث سنوات سنقوم بضم كشمير لنا إذا تكررت أعمال العنف وقتل الضباط البريطانيين، وإن شركة الهند الشرقية في الوقت الحالي لا تفكر في توسيع ممتلكاتها بل رغبت فقط في قمع قوة جيرانها المعتدين ومكافأة الرجل الذي قدم لها الخدمات، عبر حرمان السيخ ومنحها لحاكم من دين مختلف عنهم”.
اضطهاد المسلمين
ومن هنا تحولت كشمير بسكانها إلى ملكية خاصة للمهراجا الهندوسي الذي اتبع سياسة تمييزية ضد مسلميها فأرهقهم بالضرائب وكبل أياديهم بالقوانين والأحكام، حتى إن كل الحكام الذين تناوبوا على كشمير من بعده، كانوا من قبيلة الدوغرا الهندوس ولم يكن أي منهم مسلماً، بل إن أي هندوسي كان يعتنق الإسلام كانت تتم مصادرة ممتلكاته.
اتسع النفوذ البريطاني ممثلاً في شركة الهند الشرقية حتى عام 1947م عندما استقلت شبه القارة الهندية عن بريطانيا، لكن الاحتلال أبى إلا أن يزرع الانقسام من ورائه فوضع خطة تقسيم شبه القارة الهندية إلى بلدين أحدهما للمسلمين والآخر للهندوس فكانت باكستان والهند، على أن تنضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة إلى باكستان، والمناطق ذات الأغلبية الهندوسية تؤول للهند مع مراعاة عقلانية التقسيم الجغرافي.
بدأت معك من البداية حتى نمضي معا في التأريخ لمأساة كشمير بدءاً من معاهدة “أمريتسار” التي حولت كشمير إلى ملكية خاصة للحكام الهندوس من قبيلة الدوغرا، الذين توارثوا سياسة القمع والتمييز ضد سكانها ذوي الأغلبية المسلمة، الذين تضاعفت عليهم المعاناة والتهميش، طمعاً في استراتيجية الموقع وثروات الأرض.
النزاع الهندي الباكستاني
يمثل المسلمون أغلبية سكان كشمير بنسبة تتراوح من 65 إلى 69%، وبالتالي فوفق قواعد التقسيم فإنها من المفترض أن تؤول إلى باكستان، إلا أن حاكمها الهندوسي المهراجا “هاري سنغ” تجاهل رغبة الأغلبية المسلمة واتجه إلى الهند التي تدخلت عسكرياً واحتلت ثلثي الولاية عام 1947م، كما تدخلت باكستان أيضاً دفاعاً عن كشمير، تبع ذلك تدخل أممي، وأصدر مجلس الأمن قراراً في 18 أغسطس/آب 1948م ينص على وقف إطلاق النار وإجراء استفتاء لتقرير مصير الإقليم، وهو ما لم يتم تطبيقه حتى الآن، كما تجددت المواجهة بين البلدين خلال عام 1965م، لكن الجهود الدولية نجحت في وقف القتال بينهما.
ومع بداية عام 1971م تجدد النزاع بينهما، عندما اتهمت وقتها باكستان الهند بدعم باكستان الشرقية (بنجلاديش) التي انفصلت لاحقاً في العام نفسه، ثم وقعت معاهدة “شِملا” 1972م بينهما ونصت على اعتبار خط وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين في 17 ديسمبر/كانون الأول 1971 هو خط هدنة، وأصبح الشطر الهندي من كشمير نحو 106.5 ألف كيلومتر، ويسمى “جامو وكشمير” ذات أغلبية مسلمة، أما الشطر الباكستاني فنحو 78 ألف كيلومتر، ويعرف باسم “ولاية كشمير الحرة آزاد كشمير”، إلى جانب أكثر من 38 ألف كيلومتر تسيطر عليها الصين وتسمى “أكساي تشين”.
إلغاء الحكم الذاتي
طبعا الإجراءات الهندية التي تستهدف المسلمين لم تتوقف، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة اشتدت القبضة الهندية على “جامو وكشمير” والانقضاض على الميزات التاريخية للولاية، إذ أعلنت السلطات الهندية في 5 أغسطس/آب 2019م إلغاء الحكم الذاتي للولاية، وقسمتها إلى منطقتين تديرهما مباشرة حكومة نيودلهي، أعقبتها بتغييرات قانونية تسمح لغير سكان “جامو وكشمير” بشراء أراضٍ في الولاية، وأيضاً منح صفة “مواطن محلي” لآخرين من غير سكانها، وهي خطوة تعد مقدمة لتغيير ديمغرافي على حساب الأغلبية المسلمة التي تمثل أكثر من 65% من سكان الولاية، الذين تتراوح أعدادهم بين 13 و15 مليون نسمة، وهم من أجناس متعددة منهم آريون ومغول وأفغان وأتراك.
مسجد بابري
في الذكرى الأولى لإلغاء الحكم الذاتي لولاية جامو وكشمير، اقامت الحكومة الهندية حفلا ضخما لوضع حجر أساس معبد “رام” الهندوسي محل مسجد بابري الذي هدمه الهندوس في 6 ديسمبر 1992.
وفي مطلع 2021م عممت نيودلهي مرسوماً حكومياً ينص على إرسال موظفين إلى الولاية من خارجها، وإمكانية نقل موظفيها إلى مناطق أخرى ضمن تغييرات في الإطار البيروقراطي الذي يدير الجهاز الإداري، وهي خطوة تفتح الباب أمام مزيد من تهميش سكان الولاية.
اليوم الأسود
في مقابلة مع “الأناضول” قال “سردار مسعود خان” رئيس “آزاد كشمير” الجزء الخاضع لسيطرة باكستان: “إن نحو نصف مليون كشميري كانوا ضحية مذابح الهند خلال 7 عقود، منهم 250 ألفاً عندما اقتحمت القوات الهندية “سريناجار” عاصمة الولاية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1947م لاحتلالها”.
قد نكون أبحرنا في العرض التاريخي، مع الإشارة إلى بعض تداعيات السياسات الهندية على سكان كشمير لا سيما المسلمين منهم، لكن واقع الأمر والمعاناة التي يعيشونها طوال كل تلك العقود من تهميش وتضييق يصب بالنهاية في اتجاه تضييق الخناق على مسلمي كشمير بهدف تحويلهم من أغلبية إلى أقلية،، وللحديث بقية.
#كشمير_تباد #كشمير
#نصره_مسلمي_الهند


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *