By / 14 أكتوبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن (5)

الانقلاب الشيوعي وبداية الجهاد

خلال حكم داود خان، كان الشيوعيون في حزبي خلق وبرشام مؤثرين للغاية. كان داوود خان يخاف الإسلاميين ويثق بالشيوعيين. وخلال الأيام الأخيرة من حكمه ساءت علاقته مع زعيم الاتحاد السوفيتي بريجنيف. وخلال اجتماع في موسكو أعرب بريجنيف عن قلقه من تواجد فنيين تابعين للناتو في شمال أفغانستان، فرد داوود خان عليه بوقاحة، وانتهت المحادثات دون نتيجة. وقرر داوود خان طرد الشيوعيين من الحكومة في ذلك الوقت ، لكن ار الشيوعيون على خطى آثار أقدام السوفييت وحاولوا القيام بانقلاب دموي في البداية بقيادة حزب خلق، وأصبحوا حكام أفغانستان ثم بعد حوالي ستة عشر شهرًا ونصف قتل حافظ الله أمين رئيس الحكومة نور محمد تراقي واستولى على السلطة ثم قُتل حفيظ الله أمين على يد حزب برشام الشيوعي، وجاء بابراك كرمل  مع السوفييت إلى كابول على متن الدبابات والمدرعات، وكان هذا عمليا بداية غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان.

لم يكن الشيوعيون على دراية بأيديولوجية الأفغان ومعتقداتهم وثقافتهم. وفي البداية لم يرفضهم الناس، ووقفت قلة قليلة من الشعب إلى جانب الشيوعيين من أجل الموارد والمصالح الشخصية أو بسبب الخوف. وأظهرت غالبية الشعب حساسية تجاه الشيوعيين الذين استهدفوا بوحشية أصحاب الأيديولوجيات المختلفة عنهم أو الذين عارضوهم عمليًا كما استهدفوا الطبقة الدينية، واختفى قسراً كل عالم إسلامي وشخصية روحية حظيت ببعض القبول العام. فُقد ما يقرب من مائة ألف شخص من علماء الإسلام والزعماء الروحيين وأعضاء الحركات الإسلامية، وعرفت الأمة أخبار استشهادهم بعد أكثر من عقد من الزمان.

لعب العلماء المسلمين الدور الفعلي في الجهاد ضد الشيوعيين. ففي المناطق النائية بأفغانستان، هاجم الأفغان المباني الحكومية والمسؤولين باستخدام العصي والفؤوس والمجارف فقط. وقاد هذه الثورة الملالي المحليون. وفي أثناء حكم داوود خان حاول الإسلاميون الأفغان المقيمون في باكستان الجهاد ضد الحكومة لكنهم لم يحظوا بتفاعل إيجابي من الشعب. ولكن عندما أعلن الملالي الجهاد بدأ الناس في القتال باستخدام الفؤوس والعصي. وأعطت هذه الثورة الحياة للقوى العالمية المناهضة للاتحاد السوفيتي، والتي دعمت بدورها المجاهدين ووفرت المأوى للاجئين.

تشكيل مجموعات المجاهدين في باكستان

في عهد داود خان كان يختبئ عدد قليل من الإسلاميين في باكستان حيث بدأوا في تنظيم أنفسهم لتأسيس مقاومة وطنية. واتحدت هذه التنظيمات مرتين تحت قيادة زعيم واحد ثم انقسمت مرة أخرى. فبعد انقلاب عام 1358 هجريا كان برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار ومولوي محمد يونس خالص ومولوي جلال الدين حقاني ومولوي نصر الله منصور وأصدقاؤهم يتطلعون إلى تأسيس جماعة جهادية منظمة وموحدة. ونتيجة لجهود علماء المسلمين اتفقوا على التوحد في ذلك العام تحت قيادة مولوي محمد نبي محمدي ضمن تنظيم (حركة الانقلاب الإسلامي). ثم انقسم هذا التحالف عندما انسحب منه رباني وحكمتيار في نفس العام، لكن معظم العلماء المسلمين ظلوا في تنظيم مولوي محمد نبي مثلما فعل مولوي محمد يونس خالص.

في عام 1358 هجريا ذهب عبد رب الرسول سياف إلى بيشاور، وجرى تشكيل تحالف بين الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار والجمعية الإسلامية، والحزب الإسلامي جناح مولوي يونس خالص. واختير سياف كزعيم لهذا التحالف المؤقت. لكن بعد بضعة أشهر اتهمت التنظيمات التي اتحدت معا سياف بالفساد المالي، وانقسم هذا التحالف.  وكتب مولوي خالص عن هذا مقالا في إحدى المجلات.

أسس سياف تنظيما خاصا به باسم الاتحاد الإسلامي بالتنسيق مع باكستان والسلطات الأجنبية، وحصل على أموال ضخمة وأسلحة. وفي البداية لم يكن لتنظيمه دورا رئيسيا في أفغانستان. لكن القادة الذين تركوا جماعاتهم بسبب نقص الأموال والأسلحة انضموا إلى تنظيم سياف. وخلال الأيام الأخيرة للجهاد برز عدد قليل من القادة من جماعة سياف. وقد واجه سياف نقصاً في القوى العاملة، لكن توافر لديه ما يكفي من الأسلحة والأموال. وكان هناك عدد قليل من القادة يبحثون عن هذا الأمر، وقد حصل القليل منهم على أسلحة وباعوها فيما بعد مقابل المال. كانت هذه المنظمة مصدرًا جيدًا لمثل تلك الأنشطة.

ومن بين نجاحات سياف أنه نجح في جذب المجاهدين العرب عبر صنع رمزية شعبية له في العالم العربي. وقد فتحت صداقته مع العرب خاصة علاقته الوثيقة مع عبد الله عزام الباب أمام الدعم المقدم له من الحكومات والجمعيات الخيرية. وفي الاجتماعات الخاصة وفاعليات التمويل طلب سياف الأموال كممثل لجميع المجاهدين لكنه احتفظ بمعظم الأموال لصالح جماعته.

منذ أن كان للملالي وأتباعهم دورا رئيسيا في الانتفاضة العامة، تمتعت كل مجموعة لديها عدد أكبر من الملالي بالقوة في البداية، ثم انضم معظم طبقة الملالي إلى (حركة الانقلاب الإسلامي) بقيادة الملا محمد نبي لأنها كانت جماعة تحظى بدعم شعبي أكبر من الجماعات الجهادية الأخرى. ولكن بسبب أوجه القصور لديها من قبيل عدم الانضباط والاضطراب ونقص الأسلحة والخلافات الداخلية نمت هذه الجماعة بشكل أضعف، وانضم العديد من قادتها إلى الجماعات الأخرى الأكثر ثراءً.

أمام التنظيم الكبير رقم اثنين في الساحة فكان الجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني، حيث برز فيها قادة مؤثرون مثل أحمد شاه مسعود وإسماعيل خان ثم يأتي الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار في المرتبة الثالثة، وبقي كذلك حتى النهاية.

في بيئة باكستان المليئة بالدعاية قُدم الحزب الإسلامي باعتباره المنظمة الرئيسية الرائدة. وقدمت باكستان والداعمون الآخرون أموالاً ضخمة له وأسلحة تفوق طاقته. لقد كان الحزب قويا جدًا في دعايته، كما حظى بدعم عدد قليل من الجماعات والجهات الباكستانية.

منذ أن كان العالم يراقب المجاهدين في بيشاور كان لبعض الأجانب أيضًا وجهات نظر مماثلة. حتى أن الجنرال الروسي بوريس جروموف أخطأ في ذكرياته عن حكمتيار، فحين كتب عن معركة السوفييت في قندهار التي استمرت أربعين يوما ضد الملا النقيب ومجموعة أخرى من (حركة الانقلاب الإسلامي)  قال أن تلك المعركة كانت عنيفة للغاية لأن حكمتيار جاء أيضًا إلى ساحة المعركة. لكن الجميع في قندهار كانوا يعلمون أن تلك القوات التي كانت تقاتل تتكون من مقاتلي الملا النقيب ومجاهدي (حركة الانقلاب الإسلامي) الآخرين. فقد كسر الحصار الملا برجان من بانجواي. وكان الملا نقيب مرتبطا بحركة (الانقلاب الإسلامي) ثم انضم لاحقا إلى الجمعية الإسلامية. وبالمثل، فإن الدبابات والمروحيات المدمرة في بعض المناطق كانت من عمل مجموعات أخرى، لكن أعضاء الجناح الإعلامي في الحزب الإسلامي التابع لحكمتيار نشروا صوراً للمعدات المدمرة في مجلاتهم الأسبوعية وغيرها، وادعوا وقوفهم خلف استهدافها. وهذا هو السبب في أن الحزب الإسلامي عُرف بأنه جماعة متشددة بارزة في بيئة بيشاور، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

على مستوى المجتمع في أفغانستان، كان لدى (حركة الانقلاب الإسلامي) وحكمتيار ويونس خالص أكثر ستين في المائة من المجاهدين في حين أن الجمعية الإسلامية داخل أفغانستان لم يكن لديها حتى ما يصل إلى 20% منهم. لكن الجمعية كانت مميزة بسبب وجود قائدين كبيرين مثل أحمد شاه مسعود وإسماعيل خان، وكذلك من خلال التحكم في تجنيد الحكومة -عندما شكلوها- لقادة جدد بسبب مواردها المالية.

لم يُنسب أحمد شاه مسعود وإسماعيل خان إلا إلى كونهما من الجمعية حيث اعتبروا نفسيهما قوى منفصلة على المستوى الإقليمي. وأطلق مسعود على منظمته اسم “شورى نظار” – يُعرف باسم مجلس الإشراف على الشمال، وقد  تأسس في عام 1984 في مقاطعات تخار وبدخشان وبلخ وقندز الشمالية، وضم حوالي 130 من قادة الجهاد من 12 منطقة في شمال وشرق ووسط أفغانستان-. كما قاد إسماعيل خان “مجلس شورى” آخر تواجد في ثلاث محافظات. تظهر قوة وشعبية هؤلاء القادة أيضًا في أنهم أجبروا قادة صغار من الجمعية والجماعات الأخرى على اتباعهم باستخدام تكتيكات مختلفة. حيث يتردد أنهما أعدما بعض القادة الصغار بسبب معارضتهم لهما. و يُعتقد أن إسماعيل خان قتل في ظروف غامضة بعض القادة من هرات وبادغيس. كما اتهم مسعود بقتل العشرات من القادة بدءاً من الأيام الأولى للجهاد، حيث اُتهم بقتل نائبه أمير بهلوان أحمد جان بحجة ضلوعه في مؤامرة ذات علاقة الحكومة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *