By / 24 يونيو، 2019

3- الثورة الفرنسية وتبلور نظام الوفاق الأوروبي

ترسخت خلال القرن الثامن عشر زعامة أوروبا للعالم القديم، واتسمت الحالة السياسية لأوروبا بتوازن بين القوى الرئيسية المتمثلة في بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وبروسيا. حيث تعاهدت تلك الدول مع بعضها على التصدي لمساعي أي دولة لفرض سيطرتها بشكل منفرد على القارة الأوروبية.

ولكن في نهاية القرن الثامن عشر اندلعت الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ إثر النزاع بين الجمعية الوطنية وبين أنصار الملكية الفرنسية. لتمثل الثورة زلزالا ضرب استقرار القارة الأوروبية، وهدد عروش الأسر الحاكمة مع إعلان قيام دولة جمهورية لأول مرة في قلب أوروبا ١٧٩٣.

أدت الثورة الفرنسية إلى انتشار الأفكار القومية في عموم القارة الأوروبية، مما لعب دورا في تأجيج المشاعر القومية، وساهم في تأسيس دول جديدة لاحقا مثل إيطاليا التي تأسست عام ١٨٦١ عقب اتحاد الممالك والولايات والدوقيات الإيطالية، وألمانيا التي تكونت عام ١٨٧٠ عقب اتحاد الولايات الألمانية معا.

ونظرا لما شكلته الأفكار القومية ودعوات حق تقرير المصير التي واكبت الثورة الفرنسية من مخاطر على الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي تتشكل من عرقيات وقوميات مختلفة. بادرت الإمبراطورية إلى إعلان الحرب عام١٧٩٢ على الجمهورية الفرنسية الوليدة بحجة إعادة النظام إلى فرنسا. ولكن أدى انتصار الجيش الفرنسي في الحرب، ونجاحه في الاستيلاء على بلجيكا إلى إثارة مخاوف بريطانيا التي تعتبر أن السيطرة على بلجيكا تهدد أمن الجزر البريطانية بشكل مباشر. ومن ثم دشنت بريطانيا وعدة دول أوروبية أخرى تحالفا موسعا للتصدي لفرنسا.

دارت بين فرنسا وخصومها معارك طاحنة. حيث تمكنت فرنسا من هزيمة خمس تحالفات تشكلت ضدها، ونجحت فرنسا بقيادة نابليون الذي أعلن نفسه إمبراطورا، في السيطرة على معظم القارة الأوربية بما فيها إسبانيا، والبرتغال، وهولندا، والولايات الألمانية، ومدينة فيينا عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. كما وصل نابليون إلى موسكو عاصمة روسيا، لكنه انهزم أمام المقاومة الروسية، ثم خسر الحرب أمام بقية قوى التحالف السادس في أوروبا، والذي تشكل من بريطانيا، والنمسا وروسيا، وبروسيا. فاحتلت جيوش التحالف باريس في عام ١٨١٤، ونفت نابليون، وأعادت أسرة البوربون الملكية إلى مقعد الحكم في فرنسا. وعندما هرب نابليون إلى فرنسا مجددا، تمكنت قوات التحالف من هزيمته بشكل ساحق في معركة واترلو عام ١٨١٥.

مؤتمر فيينا ونظام الوفاق الأوروبي:

مع نجاح دول التحالف السادس في هزيمة جيوش نابليون، وإعادة النظام الملكي مجددا إلى فرنسا. عقدت الدول المتحالفة مؤتمرا مطولا في فيينا انعقد على مدار عامي ١٨١٣-١٨١٤ لوضع أسس للتسوية السياسية بين الدول المتحاربة. وتم خلال المؤتمر عقد مجموعة من الاتفاقات والمعاهدات تضمنت إرساء مبادئ تأسيسية اشتهرت باسم نظام فيينا أو نظام الوفاق الأوروبي. وسعى هذا النظام إلى معالجة نوعين من المخاوف، تمثلا في:

  1. الحيلولة دون تمكن أي دولة أوروبية من بسط نفوذها مجددا على القارة الأوروبية مثلما حدث من طرف فرنسا النابليونية.
  2. التصدي للحركات الثورية الراديكالية التي تعمل على تغيير الأنظمة الحاكمة مثلما حدث بفرنسا أثناء الحروب الثورية.

كما أرسى هذا النظام أسس للعمل الجماعي الدولي في القارة الأوروبية بقيت آثارها في الأحقاب اللاحقة. حيث أقر دور الدول المنتصرة في الحفاظ على الوضع السياسي في أوروبا، ونص على عدم جواز إجراء تغييرات إقليمية أحادية دون موافقة من أو على الأقل التشاور مع القوى الكبرى المتمثلة في بريطانيا العظمى، والنمسا، وروسيا، وبروسيا. كما انضمت لاحقا فرنسا الملكية إلى ذلك التحالف الرباعي، لتصبح تلك الدول الخمسة هي المهيمنة على صناعة القرار الأوروبي.

وكذلك تم الاتفاق على عقد اجتماعات دورية للدول الكبرى المذكورة للتشاور وحل النزاعات والحفاظ على السلام والهدوء في جميع أنحاء أوروبا، أي بمعنى أوضح لمعالجة المسائل الجيوسياسية الأوروبية بما يضمن مصالح القوى الكبرى. كما أقر نظام الوفاق حق الدول الأوروبية الكبرى بالتدخل في الشئون الداخلية للأنظمة السياسية الأوروبية لضمان استقرار الحكم الملكي. ورغم عدم الموافقة البريطانية بشكل كامل على هذا النهج، فقد أعلنت النمسا وروسيا وبروسيا أن الدول التي يجرى فيها تغيير الحكومات عبر الثورات، لن تكون تلقائيا عضوا في التحالف الأوروبي إلى أن تتوفر لديها ضمانات تكفل تحقيق النظام والاستقرار القانونيين. وأنه إذا ما بدرت من تلك الدول مخاطر تهدد جيرانها، فمن حق القوى الكبرى التدخل لإعادة تلك الدول إلى كنف التحالف الأوروبي سواء بالوسائل السلمية أو باستخدام القوة المسلحة. كما جرى تقسيم مناطق النفوذ بين الدول الكبرى الأوروبية، فشمل النفوذ الروسي الدولة العثمانية وفارس وشرق أوروبا، بينما شمل النفوذ الفرنسي جنوب وشرق البحر المتوسط، بينما أشرفت بريطانيا على بلجيكا وهولندا وأميركا الشمالية.

وقد ساهم نظام الوفاق في خفض معدل النزاعات المسلحة في القارة الأوروبية، وكفل انصهار النظم السياسية المعاد تشكيلها عقب الحروب النابليونية في بوتقة واحدة. ووفر حالة من الاستقرار الإقليمي. حيث أن الفترة الممتدة من عام ١٨١٥ حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ لم تشهد حروبا واسعة النطاق سوى في حرب القرم (١٨٥٣-١٨٥٦).

عوامل انهيار نظام الوفاق الأوروبي

ساهم امتداد الثورة الصناعية إلى معظم أنحاء أوروبا في تنامي جهود بحث الدول الأوروبية عن أسواق خارجية، مما أشعل تنافسا بينها في تأسيس مستعمرات خارج القارة العجوز، مثلما حدث من طرف فرنسا بغزوها للجزائر عام ١٨٣٠ سواء بهدف التخلص من الديون الفرنسية المستحقة للجزائر، أو لتحقيق أهداف أخرى ترتبط برغبة فرنسا آنذاك في نشر المسيحية الكاثوليكية في شمال أفريقيا.

كما أدت التطورات الاجتماعية المواكبة للثورة الصناعية التي عمت أرجاء أوروبا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر، وما صاحبها من المطالبة بتحسين ظروف العمل والوفاء بحقوق العمال إلى بروز الأفكار الاشتراكية، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية التي توجت بموجة جديدة من الثورة الفرنسية في عام ١٨٣٠ أعلنت عن تشكيل ملكية دستورية، ثم اندلعت موجة ثورية ثالثة عام ١٨٤٨ أعلنت عن تأسيس الجمهورية الفرنسية الثانية بقيادة نجل شقيق نابليون بونابرت. كما حدثت احتجاجات أخرى تطالب بإصلاحات سياسية في النمسا عام ١٨٤٨ توجت بعزل وفرار رئيس الوزراء مترنيخ أحد أبرز ساسة أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

كما أدى صعود النزعات القومية إلى حدوث ثورات تطالب بالاستقلال مما أدى إلى ظهور دول جديدة مثل بلجيكا التي استقلت إثر ثورتها ضد الهولنديين عام ١٨٣٠.

وفي نهاية المطاف عملت كل دولة من الدول الكبرى على تحقيق مصالحها الذاتية دون اعتبار مصالح الدول الأخرى، وفق ما عبر عنه رئيس الوزراء البريطاني جورج كانينج قائلا ( إن الأمور تعود إلى مسارها الصحيح مجددا، كل أمة تحمي نفسها، والله يحمي الجميع). وقد مثلت حرب القرم (١٨٥٣-١٨٥٦) مؤشرا واضحا على نهاية نظام الوفاق الأوروبي. كما أنها مهدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى لاحقا في مطلع القرن العشرين، وهو ما سنستعرضه في المقال القادم بعون الله.

المصادر:

  1. (تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين) للدكتور محمد السيد سليم- ط1. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 2002.
  2. (نظام الوفاق الأوروبي، وحوكمة القوى العظمى اليوم)، كايل لاسكوريتس، مركز راند، 2017.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *