By / 8 يوليو، 2019

(1) عهد محمد علي وسعيد

اهتم الغرب بدراسة أحوال العالم الإسلامي، ولعب المستشرقون والجامعات الغربية ومراكز الدراسات دور الواجهة للأجهزة الأمنية والاستخبارية في القيام بذلك، فاستعانوا بالعديد من الباحثين الغربيين والعرب لدراسة المجتمعات الإسلامية والجماعات الوطنية والتنظيمات الدينية ورموزها من أجل فهمها وتحديد الأساليب المناسبة للتعامل معها. وفي المقابل نجد نقصا في الدراسات التي تتناول أدوات الغرب وأساليبه التي يستعملها في السيطرة على الشعوب المسلمة.

تُعد الأجهزة الأمنية التي أنشأتها منظومة الدولة الحديثة في البلاد العربية من بين أبرز الأدوات التي تضيق الخناق على أي أنشطة تغييرية. ومن ثم تُعد دراستها منذ نشأتها حتى اليوم أمرا ضروريا من أجل فهم جذورها التاريخية، وكيفية تطورها بالتواكب مع فهم أساليب عملها، والشخصيات البارزة التي تركت بصمتها عليها. ونظرا لأن أجهزة الأمن السياسي المصرية تعد من أقدم الأجهزة الأمنية العربية التي ساهمت عبر تاريخها الطويل في قمع الحركات الوطنية والإسلامية بمختلف توجهاتها داخل مصر وأحيانا خارجها. فستعمل هذه السلسلة على استعراض تاريخ نشأة أجهزة الأمن السياسي في مصر منذ عهد محمد علي حتى ثورة يناير 2011، وذلك بالاعتماد على عشرات الكتب والمراجع، والتي تشمل مذكرات لعدد من السياسيين، ورؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن، وقادة العمل السري. ورسائل أكاديمية غير منشورة. فضلا عن كتاب ضابط الاستخبارات الأميركي السابق أوين سيرس (تاريخ جهاز الاستخبارات المصري من عام 1910 إلى 2009):

وستقدم هذه السلسة مزيدا من التفاصيل التي لم ترد في كتابي السابق نشره في مطلع عام 2013 (جذور العداء) والذي تناول تأسيس وتطور جهاز الأمن السياسي المصري منذ عهد الاحتلال البريطاني حتى عام 1954.

منظومة الشرطة في عهد محمد علي (1805-1848)

 عقب رحيل الحملة الفرنسية عن مصر عام 1801، ثار المصريون على الوالي العثماني خورشيد باشا، واختار نقيب الأشراف عمر مكرم، الجندي الألباني محمد علي ليتولى منصب الوالي عام (1805). وأسس محمد علي بمجرد توليه منصبه نواة لجهاز الشرطة، فأنشأ ديوان الوالي ليختص بمهمة الإشراف على أعمال (الضبط والربط) بالمدينة. ويقصد بالضبط: الأعمال الشرطية المتعلقة بضبط الجناة، والتحقيق معهم، وإرسالهم للمحاكمة، وفض الخصومات والمنازعات اليومية بين المواطنين، وهي نفس الأعمال التي تقوم بها أقسام الشرطة حاليا. أما أعمال الربط فيقصد بها : حفظ الأمن عبر الدوريات، وحراسة أماكن الاحتجاز (الحبسخانات)، والتصدي لغارات المناسر والبدو، وحراسة بوابات المدن. وكان قسم الربط يتبع ديوان الوالي – ثم الخديوي فيما بعد- بينما يتبع قسم الضبط ديوان الجهادية (الجيش).

وجرى تقسيم مدينة القاهرة آنذاك إلى 8 أقسام (الموسكي، الأزبكية، باب الشعرية، الجمالية، الدرب الأحمر، الخليفة، عابدين، السيدة). وأطلق على كل قسم منها الثمن، ثم ينقسم الثمن إلى شياخات، وتنقسم الشياخات إلى حواري. وتشكل هيكل الأمن آنذاك من (ضابط أفندي) مسئول عن الأمن بالقاهرة، ويشرف على 8 ضباط مختصين بكل ثمن. فضلا عن مسئوليته عن ضابطين آخرين يشرفان على بولاق ومصر العتيقة حيث كانا يُعدان خارج أحياء القاهرة آنذاك.

 وتبع الأثمان 48 قلقا (جمع قلق، ويدعي أيضا بالقَرة قُول، وهو المعروف في العامية بالكراكون)، والقلق هو مكان يتجمع به قرابة خمسة جنود من العسكر للانطلاق منه للقيام بأعمال الأمن. ويختص دور جنود القلقات بضبط المطلوبين ونقلهم إلى الثُمن التابعين له. كما كان يوجد مشايخ للأرباع (يضم الربع ثمنين) ثم شيوخ لكل ثمن، ثم شيخ لكل حارة حيث يتولى شيخ الحارة الإرشاد عن المطلوبين، واستخراج تراخيص البناء وأعمال الحفر، والتصديق على الشهادات الإدارية التي تطلبها الجهات الحكومية من الأهالي.

وكان يقبع على رأس الهرم الإداري السابق بجوار (ضابط أفندي المحروسة) المسؤول عن الشئون الأمنية موظف يدعى (ناظر أشغال محروسة) مسؤول عن الأعمال الإدارية مثل توصيل مياه الشرب للأهالي، وإضاءة الحواري بجوار الإشراف العام على أعمال الضابط أفندي ومعاونيه1.

الأمن السياسي في عهد محمد علي:

من الشائع القول بأن أجهزة الأمن السياسي نشأت في مصر على يد الاحتلال البريطاني عام 1910 عقب اغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي. وهذا صحيح باعتبار هيكلة أجهزة أمنية تختص بالأمن السياسي فقط. لكن منذ عهد محمد علي كانت الشرطة تقوم بأعمال الأمن بشقيها الجنائي والسياسي.

فمنذ تولى محمد علي منصب الوالي عام 1805 أوكل إلى نائبه (محمد بك لاظوغلي)

2 مهام التجسس على منافسيه، وموافاته بأخبارهم أولا بأول. وفي هذا السياق نظم لاظوغلي مجموعة من الجواسيس على هيئة باعة للمأكولات الخفيفة مثل الكعك والبيض والمسليات يتجولون ليلا في أماكن تجمع كبار المماليك والموظفين وقادة الجيش حيث يكون التعب قد نال من الخدم آنذاك مما يدفعهم للنوم، ومن ثم يمد هؤلاء الباعة الشخصيات المستهدفة باحتياجاتهم، ويستمعون خلال ذلك إلى الأقوال التي يرددونها. ثم قبيل الفجر يدون الجواسيس ما سمعوه في تقارير يلقونها في فتحة باب منزل معين تجلس خلفه سيدة تجمع تلك التقارير بحيث لا تعرف هوية من يجمعونها ثم تلخصها وترتبها بعد صلاة الفجر. وبحلول الظهر يرسل لها لاظوغلي دابة تحملها إلى القلعة كي تطلع أحد مساعديه على التقارير المدونة فيقارنها بالتقارير السابقة للتأكد من دقة مضامينها، ومن ثم يرفع هذا المساعد التقارير النهائية إلى لاظوغلي الذي يوافي بها محمد علي

3. وقد قدر (بوكتي) أحد رجال القنصلية الروسية في تقرير لبلاده عدد هؤلاء الجواسيس بخمسين شخصا

4. ومع توسع محمد علي في استقدام الأجانب لتطوير مؤسسات الدولة، حاول القناصل الأجانب الحصول على امتيازات تتضمن عدم خضوعهم للقوانين المصرية وخضوعهم لقوانين بلادهم، ونتيجة لتزايد الامتيازات الأجنبية ضغطوا على محمد علي في عام 1831 لتأسيس شرطة خاصة بالأوربيين في مدينة الإسكندرية قوامها 60 رجلاً يجيدون إحدى اللغتين الفرنسية أو الإيطالية ليقوموا بدوريات في الحي الأوروبي والأسواق والجمارك، وهو ما رفضه محمد علي.

ونظرا لأن عهد عباس ( – 1854) لم يحظ بتغطية موسعة من المؤرخين في ظل سياسته المناهضة للوجود الأجنبي، فلا توجد تفاصيل وافية عن أنشطة الأمن السياسية في عهده. ولكن حدث تغير كبير في عهد سعيد (1854- 1863) حيث أصدر في عام 1857 مرسوما بإنشاء نظارة (وزارة) الداخلية و (أصدر لائحة تختص بضبط وربط الأجانب نصت على تأسيس (قلم مخصوص)  في كل من ضبطيتي المحروسة والاسكندرية يختص بترتيب الحراسات، ومباشرة إجراءات تفتيش الفنادق والمنازل المعدة لإقامة الأجانب، والاتصال بالقناصل الأجانب فيما يخص القضايا المتعلقة برعاياهم. وكان جل العاملين بهذا القسم من الأجانب أو الشوام النازحين إلى مصر ممن يجيدون اللغات الأجنبية. وبذلك تشكل جهاز شرطي أجنبي داخل الشرطة المصرية. ثم مرت منظومة الأمن بتطورات كبيرة في عهد الخديوي إسماعيل الذي تولى الحكم خلال الفترة الممتدة من عام 1863 إلى 1879. وهو ما سنستعرضه في المقال القادم بمشيئة الله.

الإحالات:

1- لمزيد من التفاصيل انظر: كتاب (البوليس المصري- مدخل إلى تاريخ الإدارة المصرية :1805-1922)– عبدالوهاب بكر- دار الكتب والوثائق القومية – ط 2016. وهو في الأصل رسالة ماجستير.

2- تولى محمد بك لاظ أوغلو الشهير بلاظوغلي منصب كتخدا الوالي أي نائب الوالي، وأشرف على أعمال الأمن في عهد محمد علي، وتكريما لجهوده سمي الشارع الكائن به مقر وزارة الداخلية باسمه.

3- لمزيد من التفاصيل انظر: أمين باشا سامي، تقويم النيل، الجزء الثاني، ص327. 

4- (البوليس في مصر، 1805-1922) – عبد الوهاب بكر – رسالة ماجستير غير منشورة – عام 1977- آداب عين شمس-  ص:478.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *