By / 18 أكتوبر، 2021

القاعدة الجماهيرية الإسلامية.. والقيادة الجديدة الراشدة

يناقش هذا المقال: مبدأ “دعاة لا قضاة”، و”سلميتنا أقوى من الرصاص”، و”فصل الدعوي عن السياسي”.. وأثر هذه المبادئ على الحركة الإسلامية، وطبيعة القيادات التي أفسدت الحركة الإسلامية، وضرورة ميلاد قيادات جديدة راشدة للحركة الإسلامية؛ تَعي درس التاريخ، وتلتزم خطة القرآن العظيم.

لما قامت الحركة الإسلامية ـ بعد سقوط الدولة العثمانية ـ بغرض إعادة “حكم الإسلام” و”دولة الإسلام”، وإصلاح العيوب التي أصابت حكم الملك العضوض، ومواجهة الفكر العلماني الذي حمله “الاحتلال الصليبي”، والذي أراد به مهاجمة الإسلام كشريعة، ونظام حياة، وحضارة، وفكر، وثقافة، وهوية، وصبغة.. وإحلال العلمانية مكان الإسلام بهذا المكونات والمقتضيات..

لما قامت من أجل ذلك الهدف الأصيل، أدركت أن القضية ليست في التخلص من حاكم ما في بلد ما؛ إنما في إعادة تصحيح المفاهيم الإسلامية، وتكوين القاعدة الاجتماعية الجماهيرية الإسلامية التي تحمل رسالة الإسلام، وتكون رداءً له.

وكان هذا “المسلك التربوي” مسلكاً صحيحاً، إذ إن التخلص من حاكم (رئيس أو ملك) ما، دون التخلص من النظام ذاته، يعني إخراج حاكم آخر أشد وحشية، ومحاربة، ومعاداة للإسلام (كشريعة ودولة ونظام)، فالنظام ذاته هو الشجرة الخبيثة التي لا تُخرج إلا نكِدا، وهذا النظام ابتداء مجبور بقوى الجبر الصليبية والصهيونية، ومن ثم كان لا بد أولاً: من تصحيح المفاهيم الإسلامية، والرفع من الوعي السياسي الواقعي بحال البلدان الإسلامية، وقوى الهيمنة الدولية التي تحاول التحكم في كل صغيرة وكبيرة في بلادنا. وثانياً: الدعوة الجماهيرية ـ أياً كان أسلوبها ـ من أجل إيجاد الحاضنة الشعبية للإسلام (كشريعة ودولة ونظام).

حدث أثناء المضي في هذا الطريق محاولة قتل الحاكم، وبالفعل نجح بعضها، ولكنها لم تنجح في “تغيير النظام” ذاته؛ لأنها لم تخطط من أجل تغيير النظام إنما قتل رأسه فقط.

وهناك في بعض حالات التحول التاريخي التي يظهر فيها المؤسس الذي سيؤسس للنظام العلماني الخائن، وقتله قبل التأسيس خير عظيم، لكن بعد أن ينشأ النظام، ويُخرج رؤوس الشياطين، فلا بد إذن من قطع الشجرة الخبيثة من جذورها، وليس فقط أحد ثمارها النكدة.

وحدث أثناء المضي في هذا الطريق محاولة دخول “اللعبة السياسية”؛ من أجل تغيير النظام بالقواعد التي يحددها النظام، ولا شك أن هذا المسلك انتهى إلى لا شيء، فالنظام إذ يسمح للبعض باللعب، فإنه لا يسمح أبداً بأن يعطي بنفسه لأعدائه أدوات للقضاء عليه!

فتتحول “اللعبة السياسية” إلى مساومات، ومصالح، وتناقضات، ومشاركة في الإثم، باستثناء “الحالة التركية” التي كان لها ظروفها الخاصة، والتي انتهت بمحاولة قتل رئيسها المنتخب بطائرات (F16)! عام (2016) رغم حجم الإنجازات التي تمت في عهده، ونراها إنجازات ليست راسخة، بل هي هشة وعرضة للضياع ـ رغم إعجاب الجميع بها ـ كما حصل في انتخابات إسطنبول الأخيرة! كما أتوقع إن فشل حزب العدالة التركي في الانتخابات، ربما لا يستطيع العودة مرة ثانية إلى ما كان عليه، ونسأل الله لهم الثبات والتوفيق والتوجه نحو المشروع الإسلامي الخالص، بقوة إسلامية خالصة، وعلى قدر توجههم الإسلامي نحبهم ونؤيدهم، وما خالف ذلك ـ وهو واقع بهم ـ لا نرضى به، ولا نتابع عليه.

ويجب أن تُدرس هذه التجربة في سياقها المحلي، والعالم بعد (11) سبتمبر، وتوجه السياسة الأمريكية حينها، وقدرة حزب العدالة التركي على ترسيخ قدمه، وانتشاره في مفاصل الدولة، وتكوين مراكز القوى الخاصة به، خاصة في المخابرات والشرطة، وبعض قيادات الجيش.. نقول ذلك، حتى لا يُفسد المثال التركي تصور المسلمين في البلاد العربية نحو قضية “اللعبة السياسية” التي يسمح بها النظام الدولي، وتراقبها أجهزة المخابرات العالمية.

وعلى كل حال.. كل هذه المحاولات كانت ترفع من الرصيد الشعبي الإسلامي، وتُدخل المجتمع المسلم في معترك الحياة الاجتماعية والسياسية، وتزيد من القاعدة التي تنشد التغيير باسم الإسلام، ومن أجل الإسلام، وبراية الإسلام.

***

وبالفعل تكونت قاعدة إسلامية عريضة في طول العالم الإسلامي وعرضه، ترغب في حكم الإسلام، وفي التغيير الإسلامي، رغم التضيق، والتشريد، والمحاربة التي يتعرض لها أتباع وقادة الدعوة الإسلامية، بل وجدنا هناك “جوعة” للإسلام، وتعطش للحكم بهذا الكتاب العظيم.. فقد أدركت الأمة ـ بالتجربة الواقعية ـ أنه لا حل لكل مشكلاتها إلا بهذا الدين، ولا يُؤتمن عليها إلا من تربى باسم الله، ولقد جربت كل الحلول العلمانية فما زادتها إلا الفقر والفحشاء ـ كما هو وعد الشيطان! ـ بل أصبحت هذه القاعدة الجماهيرية الإسلامية مصدر تهديد خطير يتهدد الأنظمة العلمانية (الملكية والعسكرية) ويجعلها بلا شرعية جماهيرية ابتداء.

وفي مصر على سبيل المثال: لما حصلت انتخابات نزيهة لأول مرة ـ بعد ثورة يناير (2011) ـ نجح فيها التيار الإسلامي ـ والأحزاب التي تمثله ـ باكتساح تام، وفي جميع الاستحقاقات الانتخابية، وهذا غير المتعاطفين، والمحبين، ورغم ما تملكه العلمانية من أدوات، ووسائل، وإمكانيات، وأموال، وإعلام، وما تسيطر عليه من مفاصل الدولة، ولكنها لم تستطع أن تحصل على أي نجاحات أمام التيار الإسلامي.

وكذلك لما ضغطت أمريكا على مصر في (2005)، لإجراء انتخابات شبه نزيهة ـ نتيجة للنظر بإيجابية لديمقراطية العالم العربي، وما يمكن أن تفعله أمام صعود التيار الجهادي ـ حصلت جماعة الإخوان على (88) مقعد في مجلس الشعب حينها بنسبة (20%) من مقاعد البرلمان! وهي نسبة خيالية وكبيرة بمقياس وسياق ظروف هذه المرحلة.

وما تحصل انتخابات حرة نزيهة ـ غير مزورة ـ في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، إلا ويكتسح التيار الإسلامي اكتساح كبير.. وهذا ما أدركته النظم العلمانية المنافقة، وأدركه النظام الدولي الذي يدعمها، ولهذا غير مسموح بأي انتخابات ديمقراطية نزيهة في بلدان العالم الإسلامي، إلا في حالة صعود التيار الجهادي، فيضطر النظام الدولي ـ وليس بالضرورة ـ أن يمرر بعض التنفيس الديمقراطي الإسلامي على الشعوب الإسلامية حتى لا تتجه إلى “العنف والإرهاب” بحسب توصيفه! وبحسب توصية مراكز الفكر والمخابرات الخاصة به.

يَدل ذلك على تَكّون القاعدة الجماهيرية الاجتماعية للإسلام (كشريعة ونظام ودولة)، ومن ثم يجب أخذ الخطوة التالية..

ولكن الذي حصل هو أننا لم نأخذ الخطوة التالية، وهي: “حماية هذه القاعدة”، و”امتلاك القوى المادية” التي تستطيع أن تواجه “الشجرة الخبيثة” التي تُخرج الفساد، والبغي، والظلم، والعدوان، والتي تفرط في الثروة، والقوة، والمقدسات، ومن ثم يجب اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة من جذورها مهما كانت عميقة.

وجدير بالذكر أن هناك أحزاب تزعم أنها إسلامية وقد أكلتها العلمانية، فأصبحت علمانية بمرجعية إسلامية! قد تجاوزت كل الحدود وكل الخطوط الحمراء.. بزعم المصلحة والضرورة، ومثل هذه الأحزاب قد مرقت من العمل الإسلامي، وسقطت سقوطاً مدوياً فاضحاً كما حصل في انتخابات المغرب الأخيرة، وإن الاكتساح الذي تحصل عليه الأحزاب الإسلامية إنما هو من أجل إقامة الشريعة، والدفاع عن الدين، وتحقيق الأمانة، ومحاربة الفساد.. فإن هي أصبحت حزءاً من الفساد، ووسادة أمان للنظم الباغية المنافقة، وماسحة لوسخه.. فسيلفظها ويلعنها الجميع.

***

ولقد استطاع الخميني (قائد الثورة الإيرانية) ـ على سبيل المثال ـ نقل الشيعة من (اللا فعَّالية السياسية) إلى (الفعَّالية السياسية) من خلال كتابه “الحكومة الإسلامية” بذكاء وهدوء، دون ضرب اعتقادهم في “الإمام المهدي المنتظر”! وذلك من خلال “ولاية الفقيه الاعتبارية”، وبانتقال الشيعة للفعالية السياسية تحققت الثورة الإيرانية وفق المنظور الشيعي ـ وهي من أنجح ثورات التاريخ المعاصر! ـ وارتبط بها كافة الشيعة حول العالم، وصارت محضناً لهم.. جعلت الأقليات الشيعية في العالم السُني ذات حضور سياسي قوي جداً، وحضور أمني عسكري فعّال.. استطاع حماية “فاعليتهم السياسية” وعدم وأدها.. وكان من حسن حظهم “مرجعيتهم الموحدة” والتفافهم حولها، والسمع والطاعة لها.

بينما نحن استطاعنا ـ بفضل الله ـ من خلال الحركة الإسلامية الانتقال من (اللا فعَّالية السياسية) إلى ( الفعَّالية السياسية)، ولم يكن يُعيقنا فكرة “الإمام المنتظر”، ولكننا فشلنا في حماية فعاليتنا السياسية، والقيام بثورتنا الإسلامية وفق منظورنا.. فصارت كثيراً من “فعاليتنا السياسية” جزءاً من الوضع الفاسد القائم، تحاول التماهي معه، والتموضع فيه، والمداهنة له! أو الاصطدام الأهوج معه.

وهذا نتيجة طبيعية للضعف، وفقدان الحماية الأمنية العسكرية.. مثلما يفقد الجسم مناعته، فيُصاب بالأمراض! فالحماية الأمنية العسكرية هي “الجهاز المناعي” لجسمنا السياسي، وبدونه فالجسم معرض لجميع أنواع الأمراض التي تملأ واقعنا في كل مكان! لتُصيبنا بالهوان، والذلة، والاستكانة، والتسول السياسي والدولي؛ ومن ثم ضَعُف “القلب السُني، وأطرافه”!

كما اختلفت “مرجعيتنا” وفقدنا قدرتنا عن “إدارة الاختلافات”؛ فصار البأس بيننا، وهذا لا يليق بنا إطلاقاً، ويجب إعادة النظر في تجربتنا كلها، والتوبة إلى الله من كل خطأ وعمد وتقصير، عسى الله أن يرزقنا القيادة الراشدة التي تقود ثورتنا ومشروعنا نحو النصر والتمكين.

***

ولقد حصل هذا الجمود، وظل الحديث المستمر عن ضرورة تربية القاعدة الجماهيرية الإسلامية، كأنها لم تتكون بعد! وكأن هذه التربية ستظل مستمرة إلى ما لا نهاية! رغم إن هذه الجماهير قدّمت نماذج إسلامية رائعة تضاهي نماذج الصحابة الأوائل في فترة الاضطهاد المكي، وكانت على وعي أفضل من قياداتها، وعلى تجرد وإخلاص وتفان هو مضرب للمثل! ووصلت فعاليتها السياسية إلى المستوى المطلوب، والكتلة الاجتماعية الحرجة..

بل وقفت النساء، والأطفال، والشيوخ، والرجال يواجهون الموت بصدور عارية طمعاً في أي إصلاح إسلامي يمنع الفساد السياسي، وهيمنة العدو، ومع ذلك جمد فكر البعض عند مرحلة “يجب تكوين القاعدة الجماهيرية أولاً” والجمود آفة فكرية خطيرة؛ تكسر في النهاية كل المكتسبات الماضية..

وعند الوصول إلى الكتلة الاجتماعية الحرجة، والفعالية السياسية التي تُحدث التغيير، يجب الانتقال سريعاً إلى المرحلة التالية ـ وهي “الحماية” ـ وفي حال عدم الانتقال، فإن خط الصعود للفعالية والكتلة الاجتماعية الحرجة ينهار تدريجياً أو سريعاً حسب ضربات العدو، ومدى وحشيته!

وفي حالات الاحتلال العسكري المباشر لا نحتاج إلى الكتلة الحرجة، بل تجميع الناس سريعاً ضد المحتل، والبدء فوراً بالمقاومة المسلحة، والتركيز على منع الفرقة، والحماية من أن يتحول البأس بيننا، ورسم خريطة الأعداء بكل وضوح، وإعداد الناس الإعداد الروحي والقتالي.

***

وربما لا يدرك البعض الظروف والملابسات التي جعلت المربين والمفكرين الأوائل للحركة الإسلامية يتحدثون عن ضرورة (تصحيح المفاهيم، وتكوين القاعدة الشعبية الجماهيرية الإسلامية)، وهم تحدثوا عنها لأنها لم تكن موجودة ابتداء، ولكن بعد أن تكونت، وتفاعلت، وشاركت، وضحت بالغالي والنفيس، وبالمال والنفس.. هل من المعقول أن نظل نتحدث عن قضية تكوين القاعدة الإسلامية، وهي بالفعل موجودة! إنه إما الجمود، وإما التكاسل، وإما الهرب من استحقاقات الخطوة التالية بعد تكوين القاعدة الجماهيرية..

وكان الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ يدرك هذا المعنى جيداً، ولهذا قال بكل وضوح: ” وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسياً روحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً  بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء .وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله، وصدق رسول الله القائل: “ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة” إني أقدر لذلك وقتاً ليس طويلاً بعد توفيق الله واستمداد معونته وتقديم إذنه ومشيئته، وقد تستطيعون أنتم معشر نواب الإخوان ومندوبهم أن تقصروا هذا الآجل إذا  بذلتم همتكم وضاعفتم جهودكم، وقد تهملون فيخطئ هذا الحساب، وتختلف النتائج المترتبة عليه، فأشعروا أنفسكم العبء وألقوا الكتائب وكونوا الفرق، وأقبلوا على الدروس، وسارعوا إلي التدريب وانشروا دعوتكم في الجهاد التي لم تصل إليها بعد، ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل .

وقد يظن من يسمع هذا أن الإخوان المسلمين قليل عددهم أو ضعيف مجهودهم، ولست إلى هذا أقصد وليس هذا هو مفهوم كلامي، فالإخوان المسلمون والحمد  لله كثيرون، وإن جماعة يمثلها في هذا الاجتماع آلاف من أعضائها كل منهم ينوب عن شعبة كاملة لأكثر من أن يستقل عددها أو ينسي مجهودها أو يغمط حقها، ولكن أقصد إلى ما ذكرت أولاً من أن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات”.

وقال أيضاً: : “إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد  استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضى وارتياح.” [رسائل البنا رحمه الله]

ولم يكتفِ الشيخ البنا بهذه الكلمات فحسب، بل شرع بالفعل في تكوين “النظام الخاص” ـ وهو جيش صغير مكون من أعلى الكفاءات ـ وكان بنك أهدافه (اليهود، والإنجليز، والحكومة الفاسدة) وقام بالفعل بعمليات ضد هؤلاء جميعاً، بل وقد بدأ بتصنيع الأسلحة، وجمع المعلومات، وتكوين جهاز مخابرات، وضم أفضل الكفاءات الفنية والإدارية والجسمانية لهذا النظام، وكان له تواجده في كافة مؤسسات الدولة.

 وهو ثمرة وخلاصة الدعوة العامة التي قام بها، فكان له ـ رحمه الله ـ التنظيم الدقيق المسلح الواعي القادر على الدفاع والهجوم.

***

ونخشى أن تكون الدعوة إلى تكوين القاعدة الجماهيرية ـ على هذا النحو ـ هي محاولة للهرب من استحقاقات المرحلة التالية، والشعور بالراحة والأمان في هذه الدعوة التي ربما يتغاضى بعض الطغاة عنها؛ لأنهم ضامنون السيطرة على الجماهير من خلال الإعلام، ونظم التعليم، ومراكز التوجيه، والفن، والقبضة الحديدية لأنظمتهم الأمنية… إلخ!

وهناك فرق بين “الوعي المجرد” و”الوعي الفعّال” فالوعي المجرد ينتهي عند مرحلة الوعي دون توجيه بعمل معين ضمن خطة محددة، وهذا ربما لا يخشاه الطغاة كثيراً؛ لأنه لا يُشكل تهديداً آنياً على نظمهم..

أما “الوعي الفعّال” فهو الذي لا ينتهي عند مرحلة الوعي المجرد، إنما يتحرك ليُحوّل بذور الوعي المجرد إلى أشجار وثمار طيبة مباركة، فهو متفاعل بخطة عملية مع الواقع، ومن ثم فهذا ما يخشاه الطغاة كثيراً، وينفقون غاية جهدهم في محاربته؛ لأنه وصل لخط الفعالية والتأثير، وبالتأكيد التهديد الآني للنظام وفسدته ومجرميه.

***

وكما أسلفنا.. الخطوة التالية هي حماية هذه القاعدة، والاستعداد لمواجهة النظام عندما يحاول أن يسحق هذه القاعدة سحقاً، فالنظم العلمانية لن تتورع أبداً عن إبادة الشعب المسلم إبادة تامة ـ وبمباركة وبمساعدة الغرب الإنساني الديمقراطي الليبرالي! ـ وهذا هو هدفها الأصيل: محاربة أي محاولة للبعث الإسلامي من جديد، ومحاربة أي مناداة بعودة الإسلام كشريعة ودولة، وحماية الكيان الصهيوني، والحفاظ على مصالح النظام الدولي، الذي يعتبر عودة الإسلام كشريعة ودولة أكبر تهديد لوجوده ومصالحه، بل ولحضارته الغربية كلها.

ولما جمدت قيادات العمل الإسلامي عند “المرحلة التربوية”، وعند مرحلة “اللعبة السياسية الديمقراطية” وجدت القاعدة الجماهيرية الإسلامية نفسها صفر اليدين من كل قوة، ووجدت نفسها أمام وحوش مفترسة، وقياداتها ـ التي قامت بالتربية ورفع الوعي! ـ لا تجد حيلة، ولا تستطيع سبيلا؛ فوقع الافتراس الوحشي المدمر ـ كما حصل في مجزرة رابعة وغيرها على سبيل المثال ـ وسبب ذلك: هو الجمود عند مرحلة معينة، وتوقف النمو الطبيعي، ومحاولة الاستشهاد بالعلماء والمفكرين الذي دعوا إلى الإعداد التربوي والجماهيري، دون النظر في سياق وظروف وملابسات هذه الدعوة.

وبينما القاعدة الجماهيرية تملك الكثير.. الكثير جداً لتفعله، ولتضحي من أجله، ولكنها لم تجد من يُفجر طاقاتها، ويوظف أعدادها، ويضعها على الطريق الصحيح، ويجعل منها قوة لا يمكن تجاوزها، أو الاعتداء عليها..

ولكن للأسف ارتبط “مفهوم القوة” بالتكفير والغلو فيه وتكفير المجتمعات المسلمة، فهربت منه كثير من قيادات الحركة الإسلامية إلى التدجين والاستئناس والتأكيد على ضعفها، وسلميتها، وتحللها من كل مظاهر القوة!!

كما ارتبط “مفهوم القوة” كذلك بالمزاج الفكري لدى القيادات، فهناك قيادات ترى ضرورة القوة، وهناك قيادات ترى ضرورة الدعوة فحسب ـ إلى ما لا نهاية ـ أو حتى ينصلح المجتمع من تلقاء نفسه! ومن ثم يحصل انقسام داخلي، وتنحي كل قيادة بمجموعة من المؤيدين، مما يفتت الوحدة الضرورية لمثل هذه الظروف التي لا بد فيها من: “التجانس الفكري” و”الائتلاف القلبي” و”الوحدة الشعورية” و”الهدف الواحد” و”التضحية الواعية” و”اجتماع الكلمة” و”الخطة الواحدة” و”الحركة والجهاد على قلب رجل واحد”.

***

إنَّ جماهير وشعوب العالم الإسلامي أمام معضلة تاريخية، وهي: إما القبول بالاستعباد والانهزام تحت حكم الخونة والمنافقين، وإما السجن والقتل والتشريد في سجونهم المتعطشة لكل معترض، وتنادي هل من مزيد؟!

والقبول بالاستعباد: معناه ضياع الأوطان نفسها، وثرواتها، ومقدراتها، وتوغل هيمنة الكيان الصهيوني ـ خاصة ـ فيها، وقبلها ضياع الدين ذاته، وانتشار الإباحية والإلحاد والعلمانية..

والاستسلام للسجن والقتل والتشريد والتعذيب: لن يحرك ضمير العالم، بل سيصفق للجلادين، وسيدعمهم، وسيستر عوراتهم، وجرائمهم! باسم محاربة “الإرهاب الإسلامي”!

إذن ـ وبحسب المعطيات التي أمامنا ـ لا خيار إلا خيار المواجهة، والاستعداد لهذه المواجهة، وهذه هي الخطوة التالية؛ حتى لا نفقد الرصيد الشعبي الجماهيري الإسلامي الذي يحاول شياطين الإنس أن يتخطفوه، ويلقوه به في مكان سحيق!

والمواجهة لا بد أن تكون على مستوى مكافئ قريب من مستوى العدو، ونحاول فيها التسديد والتقريب، والتصحيح والتقويم المستمر، وقبل كل ذلك: الإخلاص الدائم المستمر لله جل جلاله، وتجديد هذا الإخلاص بشكل لحظي مستمر؛ لأنها معركة غير متكافئة نحتاج فيها إلى عون الله، وركن الله، وولاء الله، ونصر الله، ولا يتأتى هذا النصر أبداً بدون الإخلاص له سبحانه، والتجرد من كل حظ مادي أو معنوي..

وقبل البدء في المواجهة:

سنجد قيادات ماتت إكلينيكياً وسياسياً ودعوياً، ولا تصلح أن تقود هذه المواجهة، بل ستُفرق الصفوف، وستزيد الخبال، وستخلق المعوقات.

وهناك قيادات: تعيش هواجس الهزيمة، والضعف، والتلذذ بدور الضحية، والعيش في بكاء الأطلال واللطميات السياسية.

وهناك قيادات: تعيش على انتظار نصرة الغرب الصليبي، ودعمه للديمقراطية!!

وهناك قيادات: تعيش على حب الظهور، والانتفاع بالمنصب وبكثرة الجماهير.

وهناك قيادات: انهزمت وانسحقت وذلت وعرضت نفسها رخيصة على الطغاة والفسدة، وأدى بها الجمود والترهل والتبعية إلى عدم أهليتها للقيادة.

وهناك قيادات: تعيش على منصب “شاهد ملك” ضد الحركة الإسلامية!!

وهناك قيادات: تعمل لصالح أمنها الخاص، وتُشكل لوبي خاص بها، تدافع عنه باعتباره هو “مصلحة الدعوة”.

وهناك قيادات: تعقد الصفقات المشبوهة مع الطغاة، والتحالفات المحرمة مع الأعداء، من أجل الحصول على مكاسب خاصة، يزعمون أنها للإسلام، وباسمه.. ثم يخسرون كل شيء في النهاية.

وهناك قيادات: لا تعرف أين تقف حركتها! هل هي دعوية ليس لها علاقة بالسياسة والحياة، أم هي دعوية سياسية، وتدمن الوقوف في المنطقة الرمادية، وتُقدم قَدم وتُؤخر أخرى، وتظل مترددة، ومتحللة من ضرورات مواجهة الواقع السياسي، وتظن أنها تُجيد المناورة، والخداع، فتجند نفسها مُعلقة على المشانق!

وهناك قيادات: تكون تصريحاتها ومواقفها من شدة خطورتها وشرها تجعلنا ننتقل من تقييم الكلام والتصرفات إلى تقييم المتحدث نفسه والتأكد من صحة ولاءه وانتمائه للحركة الإسلامية وإخلاصه للمشروع الإسلامي، وأنه لم يتعرض لاختراق فكري أو أمنى، وأخطرها الاختراق الفكري.

وهناك قيادات: تتنافس فيما بينها عند عدوها، من أجل الحصول على الشرعية والدعم والقبول! فيضربها ببعضها، ويُفقدها شرفها وأمانتها، ويُضيع على المسلمين فرصتهم، من أجل مصالح ذاتية وحزبية.

وهناك قيادات: خانت دينها وأمانتها عن قصد أو غير قصد، وهناك قيادات فسدت بفكرها وأفعالها التي شابهت أفعال الخائنين، وكانت بنفس الدرجة من الضرر!

وهناك قيادات: لا تثق في نصر الله، ولا في إمكانيات وقدرات الجماهير المسلمة، ولا تؤمن إلا بقوة الغرب، فترغب في التساوم والمناورة معه، ثم تنهزم في النهاية.

وهناك قيادات: دجنت نفسها بنفسها فكرياً وحركياً، وقدمت نفسها رافعة راية الاستسلام! ومؤكدة أنها لا تمثل خطراً على الداخل والخارج، وإنها بريئة براءة تامة من أي محاولة لامتلاك القوة، أو المواجهة بقوة! لسان حالها يقول: خذونا فقط معكم، ونحن تلاميذ غير مشاغبة!!

وهناك قيادات: تُدمن التنازلات، وعلمنة الإسلام، وتَعبد الديمقراطية المتوهمة المزيفة، وتُصدق أكذوبة الدستور ومؤسسات الدولة التي لا يحترمها أحد إلا الضعفاء، حيث لا دولة ولا قانون أمام مواجهة الظلم والفساد والطغيان.

وهناك قيادات: ترفع راية الإسلام، وتجمع الناس باسم الإسلام، وتكون أول من يتخلى عن خطة الإسلام، وتدبر دعوة القرآن.

وهناك قيادات: تدمن تكرار الأخطاء، وتصم أذانها، وتغلق عقولها عن الاستماع لأي نصح، وتُصر ـ بعناد منقطع النظير ـ على السقوط في الهاوية بكل شجاعة!

وهناك قيادات: تكون لديها جميع المعطيات والمعلومات أمامها.. ولا تستفد منها شيئا، وتتعامل معها برعونة لأسباب نفسية أو فكرية أو غير ذلك.

وهناك قيادات: تنتظر معجزة من السماء تنزل عليهم وأن الله سيحابيهم لأن الله وعدهم بالنصر، بينما هم لم يُقدموا شروطه وأسبابه.

وهناك قيادات: تُأذن في الناس بالصلاة.. فتولي بهم شطر الغرب والعلمانية والتوافق مع العملاء والخونة.

وهناك قيادات: تدفع الشعوب المغلوبة على أمرها لتقوم بمسيرات في الشوارع ـ بصورة توحي أن الإنسان يمشي في جنازته! ـ اعتقاداً منها أن ذلك سوف يحقق الإصلاح، والتغيير، والتمكين!

وهناك قيادات: تتصور أن الحوار الوطني العلماني، والتنازل عن القوة والسلطة سوف يُجنبهم استحقاقات المواجهة، وحتمية التدافع.

وهناك قيادات: تعيش أكبر أكذوبة مضحكة في التاريخ السياسي مذ بدأ، وهي الاعتماد على غيرهم ـ مثل قوى في الجيش ـ لتخليصهم من النظم الفاسدة المستبدة، ثم تُسلّم مقاليد الحكم لهم، أو إقامة انتخابات حرة نزيهة الجميع على يقين من فوزهم فيها!!

وهناك قيادات: تعيش على انتظار المجهول، والبحث عن لا شيء، والجري وراء أخيلة، وأوهام.

كل هذه النوعيات من القيادات لا تصلح أبداً للمواجهة، بل هي ـ بسلوكها وأفعالها ـ تُعتبر خط الدفاع الأول عن الأنظمة الحاكمة المنافقة والخائنة لدينها وأوطانها!! وهذه القيادات ـ بهذه الصفات ـ محرقة للشباب، والطاقات، والأعمار، والأموال، والفرص.

ومن وراء هذه القيادات أتباع سلّمت نفسها، وعقولها، وعاشت تُبرر لكل خطأ، وتدافع عن كل باطل، وتتعصب لكل موقف، وهذه الأتباع بحاجة أولاً إلى “ثورة تحريرية” من داخلها، تُحررها من هذا الأسر المقيت؛ حتى تستطيع تحرير أوطانها، والانتصار لدينها.

وإنَّ الانخداع السياسي ذنب عظيم، وجريمة كبرى في الأمة، ولا تقع إلا بخلل في ذواتنا، وفي عقولنا، وقلوبنا، وفي موقفنا من كتاب ربنا وتدبره التدبر السياسي الاجتماعي.. وإننا اليوم في أمس الحاجة إلى قيادات راشدة تعي درس التاريخ، وتعرف خريطة الأعداء، وتعد العدة للمواجهة الحتمية مع الباطل، وقبل كل ذلك تُخلص دينها وحياتها لله جل جلاله.. وما لم نَفهمه بـ “نور الوحي”، سنُدركه ـ وللأسف ـ بـ “مداد الدم” هذه سنة اجتماعية سياسية، لأن السنن الإلهية ستمضي في طريقها ولن يعقيها الأماني الكاذبة، ولا الأوهام الباطلة.

ومن ثم يجب ميلاد قيادات جديدة راشدة صحيحة المفاهيم، تتبع خطة القرآن العظيم، وتستفيد من دروس الماضي، وتتعلم من جماهير القاعدة الشعبية الإسلامية الأكثر وعياً، وحباً، وإخلاصاً، وتضحية لهذا الدين!

***

والاستعداد للمواجهة يبدأ بتكوين الجهاز الفكري الأمني.. فإن قيام نظام جديد، وقيام ثورة حقيقية.. يبدأ أول ما يبدأ ببناء “جهاز مخابرات قوي” يكون بمثابة العقل المركزي، وخزان المعلومات التي تُساعد في اتخاذ قرارات صائبة، وتكشف تحركات الخصوم في اللحظة المناسبة؛ وتعمل على تحييدها، ويبدو أن ذلك هو أول “عمل سياسي” (جاد) مفترض للحركة الإسلامية أن تقوم به، وتنفق فيه خيرة أموالها وأفضل رجالها، وأذكاهم، وأتقاهم، وأشرفهم، وأقواهم.. والبداية بتعلم علوم المخابرات التي يظل أغلبها محجوباً عنا! وتوفر لهذا الجهاز جميع المتطلبات، ويا ليت هناك قيادة مُخلصة راشدة تستطيع ذلك. حتى تدخل الحركة الإسلامية معركتها مع الطغيان والنفاق وهي مُتسلحة بالعتاد والعدة والخطة المُحكمة، وقبل هذا وذاك عُدة الإيمان والتقوى.

وأرى أنه ليس صعباً على الحركة الإسلامية ـ كبداية ـ تكوين “قيادة أركان حرب إلكترونية” تستطيع خوض “الحرب الإلكترونية” ـ في أول الأمر ـ وهي لا تتطلب الكثير مثل الحرب الميدانية، وتساعد جهاز المخابرات في مهمته، وتمثل أحد أهم روافده..

وإنَّ دراسة التجارب البشرية المختلفة العالمية في هذا المجال ستفتح آفاقاً كثيرة، وتضعنا أمام بدائل، وحلول، تُمكن الحركة الإسلامية من امتلاك أسباب القوة، وبصورة لا يمكن نزعها، أو انهيارها.

***

وإنَّ النظام العلماني المحلي والدولي يعتبر أن أكبر خطيئة يمكن أن ترتكبها الحركة الإسلامية هي: محاولة امتلاكها أي مظهر من مظاهر القوة، فهم يريدون بقاء الحركة الإسلامية كجماهير وقيادات بلا حول ولا قوة.. حتى يسهل سحقها والسيطرة عليها كلما تعاظمت قاعدتها الاجتماعية والسياسية، وهذا تصرف طبيعي من عدو ينظر إلى الحركة الإسلامية على إنها أعدى أعدائه وأكبر مهدد لوجوده، وبقاءه، واستمراره، ورفاهيته.

فالأنظمة العلمانية المنافقة الباغية لا تدافع عن النظام من منطلق أيديولوجي فحسب، بل إنها تدافع عن حياتها ورقبتها ووجودها ومصالحها المادية، تدافع عن شهوة السلطة، والمال، والحكم، والسيطرة، وترى أن أي معارضة ـ خاصة الإسلامية ـ إنما تستهدف حياتها، لذا فهي تخوض “معركة البقاء”، ولا تتورع عن استخدام أي قوة، وأي وسيلة، والإيغال في دماء المسلمين ـ ولو جرت أنهاراً ـ في سبيل معركة البقاء هذه!

وهي تعرف مدى إجرامها، وفسادها، وخيانتها، وظلمها، وباطلها أكثر من أي أحد، فلا تتصور نفسها ستعيش لحظة واحدة إذا تمكن الحق من السيادة والحكم.

فكل أضلاع هذه الأنظمة لكل فرد منهم سجل طويل من الجرائم، يتم اختيارهم على حسب مدى جرمهم وفجورهم وعدوانهم، وتظل هذه السجلات صمام الأمان لحماية النظام، فكل فرد من أضلاع النظام يدافع عن النظام بكل استماتة وتفان لأنه يدافع بالأساس عن حياته الشخصية؛ وإن أي نظام عادل سيحكم على أضلاع هذا النظام بالإعدام، ولو في استطاعته لأعدمهم آلاف المرات نظراً لحجم الجرائم التي ارتكبوها.. وهذه هي المؤهلات الوحيدة للبقاء كضلع في هذه الأنظمة الفاسدة،  وطريقة الاختيار تتم على قدر الجرائم والمفاسد والظلمات.

***

وليس أمام الحركة الإسلامية إلا إحدى أربع: إما الاستسلام والتماهي مع الباطل والفساد، وإما القتل والسجن والتشريد والهرب، وإما التخلي عن العمل للإسلام والتحلل من المسؤولية السياسية والاجتماعية تجاه هذا الدين وهذه الأمة، وإما القوة والمواجهة..

ونحن لا نستعجل المواجهة مع النظم العلمانية المنافقة، ولا نريد أن ندخل معركة لم نُعد لها الإعداد اللازم، ونريد أن ندخل المعركة بإرادتنا وباختيارنا وبتخطيطنا.. ولكننا نستعجل بشدة “الاستعداد” للمواجهة، ونستعجل بشدة “تكوين” القوة؛ لأن الاستعداد والتكوين يأخذ مرحلة طويلة، وهي لا شك تعتبر “مرحلة تربوية”، ولكنها من نوع آخر هي واجب المرحلة، وفريضة الوقت.

وهناك تصور آخر خاطئ وهو: أن تحقيق المشروع الإسلامي يحتاج إلى مئات السنين لتنفيذه! ومنشأ هذا التصور هو الضعف والتحلل من القوة، والفهم الخاطئ للسنن الاجتماعية .. وأخذ إجازة مفتوحة من العمل الجاد، وبمراجعة نشأة الدول يتبين أنه لا يأخذ أكثر من جيل واحد، واستمرار الدول في الحياة حسب ما تقوم به من عدل، وما تُعده من قوة..

وسنظل في حالة من الضعف السياسي والعمى والضبابية الحركية بدون “الجهاز الأمني” الذي يجمع المعلومات الدقيقة ويحللها ويرشد القيادة إلى اتخاذ الإجراءات والقرارات الصحيحة، ويملك القوة الكافية واللازمة لتنفيذها مع قليل من المجازفة وكثير من المبادرة.

وعندما تفقد القدرة على المبادرة والتأثير وقراءة المشهد قراءة صحيحة ـ في حينه ـ وتحاول أن تخطط لمنع الفتنة وأنت بهذه الأمراض من غفلة وانخداع وجهالة وضعف؛ فإنه تقع فتنة عظيمة كبرى لا قِبل لأحد بها!!

***

وإنَّ “مبدأ دعاة لا قضاة” قديما و”سلميتنا أقوى من الرصاص” حديثا نسف مسألة و”أعدوا” نسفا، واختزل الحركة الإسلامية في “الخطاب الدعوي” فحسب، والديمقراطية الشكلية المزيفة والمُنَقلب عليها بعد حين وفقط؛ فأصبحت الحركة الإسلامية عارية من كل قوة، وبلا بأس، فأصبحت هشة ولقمة سائغة مبذولة لكل طاغية متوحش لا يرقب فينا إلاً ولا ذمة.

و”مبدأ دعاة لا قضاة” صحيح من وجه و”السلمية” صحيحة من وجه.. ولكن الغلو الشديد في كِلا المبدأين جعل الحركة الإسلامية كالريشة في مهب الريح، ومحرقة للشباب، وخزان للتضحيات بلا نهاية أو نتيجة؛ وأدى إلى: عملية “تدجين” العمل الإسلامي، ونزع روح القوة والجهاد عنه، وخلق روح الانهزامية، والاستضعاف، والاستسلام، والرضى بالأمر الواقع، وترك الساحة للغلو، والحركات العبثية.

فخطة الدعوة مجردة والسلمية مجردة تُعتبر “خطة انتحارية”.. فنحن أمام “حالة حرب” و”احتلال بغيض” من أدوات محلية للكيان الصهيوني والصليبي.. ويجب على أقل تقدير أن يكون لدينا “خطة تحرير” و”خطة حرب” بجانب الدعوة والسلمية والعمل السياسي..

ولذلك نهى القران الكريم أصحاب الدعوات والجهاد.. نهاهم عن “الوهن، والضعف، والاستكانة” لأنه هو الهزيمة الحقيقية، وهو امتهان للحق.

فمبدأ “دعاة لا قضاة” يصلح عندما ندعو عموم الناس الغارقة في الفواحش والمنكرات والأباطيل… إلخ بجهلهم وبمكر الليل والنهار عليهم، فلا شك أن همنا سيكون دعوتهم، وصلاحهم،  ونجاتهم.. وليس الحكم عليهم أو مقاضاتهم، أما عندما يُعلن شخص إلحاده، ومعاداته للإسلام، والتفاني في محاداة الله ورسوله، وقتال أولياء الله وعباد الله، ونصرة أعداء الله بالغالي والنفيس، والإحسان لهم..  وبيع الدين والوطن والإنسان لهم! ثم نقول نحن “دعاة لا قضاة” فذاك عبث وجنون!!

وكيف يستقيم إذن شعار و”الجهاد سبيلنا” مع “دعاة لا قضاة” الذي أُسيء فهمه وتطبيقه.. فلا بد بعد الدعوة من قضاء وجهاد وحكم وبناء ودولة. ولا تُقام دولة الإسلام إلا بهذا الطريق.. بل لا تُقام أي دولة إلا بالقوة وهذا من سنن الاجتماع.. ولكن الفرق أن الدولة الإسلامية تُقام للإسلام أولاً، وللإنسان ثانياً.. بالحق والعدل الرباني.

فالدعوة إلى دولة الإسلام، وإقامة شريعة الله، وعدل الله دون جهاد.. هي مجرد عملية شحن وتعبئة ثم تفريغ في الهواء! يعقبه توحش الطغاة، والفتك بالمؤمنين العزل أصحاب هذه الدعوة!

والانتقال من “الجهاد سبيلنا” إلى “دعاة لا قضاة” إلى “سلميتنا أقوى من الرصاص” إلى “فصل الدعوي عن السياسي” هو ـ فيما يبدو ـ الفصل الأخير المأساوي للحركة الإسلامية، وإعلان موتها.. والذي معه يجب ميلاد جديد للحركة الإسلامية.

وفصل الدعوي عن السياسي: قد يبرره البعض بأنه عملية تخصص لا أكثر، وحتى يكون الدين بمنأى عن المناورات السياسية! وأياً ما كان مدى صحة وإمكانية تطبيق ذلك، فإن هناك عدو متربص لا تدخل عليه هذه المناورات المكشوفة، ولهم محدداتهم الواضحة القاطعة، فالباطل لا يتجمل، ولا يناور، ولا يراوغ، ولا يتنازل! ويطالبهم بالعلمانية الكاملة، ولا يقبلهم إلا أدوات وظيفية لهم، وليس العكس!

ويقبل منهم التنازلات على مضض، وقرف! أملاً في الوصول إلى التنازل الكامل عن الثوابت والهوية، وسلخهم سلخاً، ثم في النهاية أيضاً، لا يرضون عنهم، وينقلبون عليهم!

ويجب على من يريد المناورة مع العلمانية أن يعرف أولاً كيف يفكر الخصم، وماذا يريد، وما هي خريطة الخصوم وأدواتهم، ومنهجهم.

وإنَّ فصل” الدعوي عن السياسي” المقصود ـ والذي يُرضي العلمانية ـ هو: عدم إقامة دولة إسلامية، وعدم محاولة أسلمة المجتمع وعدم مواجهة العلمانية؛ بمعنى آخر: الرضى والاستسلام والتموضع داخل نظام الدولة العلماني كما هو.. فتعريف الاعتدال للحركات الإسلامية هو: التكيف والخضوع للنظام العلمانية، واعتبار الشريعة مجرد نص تاريخي لا نص ثبات مقدس! وعدم الخضوع هو الإرهاب بعينه..

 فهي عملية احتواء وهيمنة وإلغاء لأهداف ورسالة الحركة الإسلامية من أساسها.. باعتبار المشاركين في اللعبة السياسية جدار الحماية ضد العنف، ثم بعد انتهاء الخطر وتغيير الرؤى يتم اعتبارهم الحازم الناقل للإرهاب والعنف المحتمل. وبهذا فالجميع أعداء يجب التخلص منهم بأي صورة سواء بالإخضاع أو الانقلاب أو الاعتقال والإعدامات.

بمعنى أكثر وضوحاً: علمنة الحركة الإسلامية وتفكيكها وتحول الدعوي فيها إلى وعظ روحي صوفي لا علاقة له بشؤون الحياة، ومجرد عمل خيري محدود ومُحدد النشاط.. وشؤون الحياة السياسية إنما تخضع لنظام الدولة العلماني من خلال الأحزاب السياسية التي تخضع لقواعد اللعبة ولا تحاول تغييرها ولا الانقلاب عليها؛ أي: علمنة الدعوة والسياسة معاً.. وفي النهاية: لن يقبلوا بهم وسيتم الانقلاب عليهم مهما قدموا من تنازلات.. لأنهم يخافون أن تكون تنازلاتهم هدفاً تكتيكياً مرحلياً.. فيُؤمِّنون أنفسهم من ذلك البعبع المسمى “الإسلام”، ولابد من مكافحة النشاط الإسلامي في كل مجال.. فلا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، وتعريفها هنا هو تعريفها الفلسفي العلماني الليبرالي الغربي.. فكل خروج عن السياق الحضاري الغربي فهو عداء للديمقراطية ولقيم الحداثة والليبرالية..

فهم يريدون إسلاماً لا يتناقض مع الغرب كنموذج عالمي مُهيمن، ولا ينازعه الهيمنة السياسية والثقافية، ولا يتناقض مع المسيحية ويطبع مع الصهيونية، ولا يتناقض مع العلمانية والفردية والليبرالية والتسامح وحقوق الإنسان والحقوق الجنسية والمثلية كما قررها الغرب.. بمعنى الانسلاخ الكلي التام من أي مبدأ أو تشريع إسلامي، واعتبار الإسلام مجرد تراث تاريخي ثقافي..

وأي محاولة لرفض هذه القيم الغربية فهي: الظلامية والكراهية والقسوة والاستبداد والفاشية والشمولية وكراهية المرأة ورهاب المثلية والطهرانية كوصف سلبي مرفوض!! وهي: الثيوقراطية والأصولية والتشدد واحتكار الخطاب الديني..

هذه هي الصيغة النهائية “السياسية والأمنية” التي تنتهي إليها العلمانية؛ ولا تعترف للإسلاميين لا بديمقراطية ولا بتعددية ولا بتداول للسلطة ولا بدولة الدستور والقانون والمؤسسات.

***

وإذا كانت “المرحلة التربوية الأولى” تتحدث عن مفهوم الإسلام، وحقائقه، ومقتضياته الواقعية، وشريعته، والسلوك والأخلاق والتربية الإسلامية، ومواجهة الفكر العلماني والمادي… إلخ، فإن “المرحلة التربوية الثانية” يجب أن تتحدث عن طبيعة المواجهة مع العدو، وعن السنن الإلهية التي تحكم الحياة والسياسة، والفكر السياسي الإسلامي الراشد، وعن طبيعة النظام الدولي والمحلي، ومكانة الإسلام وخطته في الاشتباك مع هذا الواقع العالمي المعقد، وعن الخطط والبدائل التي يمكن بها تحقيق النصر، وعن الممكن المتاح من القوة، وكيفية امتلاكها والحفاظ عليها، وحمايتها ذاتها من عبث السفهاء والعابثين، وعن كيفية الإعداد للثورات الناجحة… إلخ، هذا الفكر التربوي يجب الانتقال إليه سريعاً، حتى لا نفقد وجودنا ذاته تحت ضغط الواقع العلماني، والاستسلام للقوة الظافرة..

إنَّ التضحية في سبيل الله، والحق لا شك أنها توقظ الجماهير، ولهذا كان من أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر الذي لا يطيق كلمة الحق، فيقتل دعاته.. ولكن الاستمرار في التضحية حتى “الهزيمة” شيء تزهد فيه الشعوب، فالشعوب تحب القوي المنتصر، وتحب الحق المنتصر، وعلى الحركة الإسلامية أن تخطط للقوة وللنصر، وليس للهزيمة والذلة والاستكانة والاستسلام والتماهي..

فويلٌ لكل أمة يتسلح فيها الباطل بكل قوة، بينما الحق فيها عارياً ضعيفاً منهزماً.. فالقوة هي درع الحق، والحق الضعيف لا تتبناه الشعوب، ومن ثم نجد أنفسنا نعود لنقطة البداية ـ مرة ثانية ـ بتكوين القاعدة الشعبية الإسلامية التي انفرط عقدها تحت الضعف، والانهزام! وإذا نجحنا في تكوينها من جديد، سنجد أنفسنا ـ مرة ثانية ـ أمام ضرورة المواجهة والاستعداد لها؛ فهذا هو قدر كل حركة إسلامية، وكل دعوة إلى الحق والعدل الرباني.

***


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *