By / 3 أغسطس، 2019

6- في الطريق إلى الحرب العالمية الأولى

مهد رحيل المستشار الألماني بسمارك عن منصبه لحدوث تغير جذري في السياسة الألمانية، حيث تخلت ألمانيا عن التركيز على الشؤون الأوروبية، وبدأت تنخرط في القضايا العالمية، وسعت لبناء قوة بحرية كبيرة تنافس البحرية البريطانية، وتمد النفوذ الألماني إلى القارات الأخرى، وعبر عن ذلك الإمبراطور الألماني ويلهلم قائلا (إن أمام ألمانيا مهام عظيمة يجب إنجازها خارج الحدود الضيقة لأوروبا القديمة). وبالتوازي مع ذلك تخطت نسبة الإنتاج الصناعي الألماني من الإنتاج العالمي نسبة بريطانيا، كما تميزت ألمانيا بمستوى تعليمي متقدم إذ كانت نسبة الأمية في جيشها 1/1000، بينما كانت النسبة في فرنسا 68/1000، وفي إيطاليا 220/1000.

العامبريطانياألمانيا
187031.8%13.2%
191314%15.7%

 نسبة بريطانيا وألمانيا من الناتج الصناعي الألماني

تلك المستجدات دفعت بريطانيا إلى الانخراط بشكل متزايد في الشأن الأوروبي كرد فعل على التمدد الألماني. ومن ثم تشكلت قطبية ثنائية أوروبية تقود ألمانيا إحدى دفتيها بينما تقود بريطانيا الدفة الأخرى.

 وفي تلك الآونة كانت أميركا تخطو أولى خطواتها نحو الولوج إلى مصاف القوى العظمى، وهو ما تجلى في رفع الدول الأوروبية الكبرى تمثيلها الدبلوماسي في واشنطن من درجة القائم بالأعمال إلى سفير عام 1892. أما فرنسا فقد تراجع نفوذها، وبرز ذلك بجلاء في تنفيذ مطالب بريطانيا بالانسحاب من فاشودة في أعالي نهر النيل بأفريقيا عام 1898. وكذلك دخلت اليابان على خط التأثير في الأحداث إثر شنها لحرب ضد الصين عام 1894 على خلفية النزاع بين الدولتين حول السيطرة على كوريا، وكذلك تمكنت اليابان من هزيمة روسيا هزيمة منكرة في حرب عام 1905، والتي اندلعت بسبب الصراع  بين الدولتين للسيطرة على منشوريا وشمال الصين. وقد مثلت تلك الحرب آنذاك أول حرب تنتصر فيها دولة أسيوية بشكل ساحق على دولة أوروبية، وبذلك بدأت السياسة الدولية في التحول من سياسة تحتكرها الدول الأوروبية الكبرى إلى سياسة عالمية تشارك فيها دول أخرى مثل أميركا واليابان.

الصراع الألماني الروسي وتداعياته

في ظل تزايد المخاوف الألمانية من الطموحات التوسعية لروسيا في شرق ووسط أوروبا رفض المستشار الألماني الجديد فون كابريفي في عام 1890 تجديد اتفاقية التحالف التي عقدها سابقة بسمارك مع روسيا. ومن ثم أقدمت روسيا من جهتها على عقد تحالف دفاعي مع فرنسا لتشتيت القوة الألمانية المتصاعدة على جبهتين. فتعهدت فرنسا بمساعدة روسيا في حال تعرضها لهجوم من قبل ألمانيا أو من قبل الإمبراطورية النمساوية المجرية بدعم ألماني، بينما تعهدت روسيا في المقابل بمساندة فرنسا في حال تعرضها لهجوم من ألمانيا أو من إيطاليا بدعم ألماني. وبذلك نشأ استقطاب دولي ثنائي ما بين الحلف الثلاثي الذي يضم (ألمانيا، والنمسا والمجر، وإيطاليا)، والحلف الثنائي الذي يضم (فرنسا، وروسيا)، والذي قادته بريطانيا عقب انضمامها له لاحقا إثر توقيعها مع فرنسا للاتفاق الودي عام 1904، والذي أسفر عن تسوية القضايا الاستعمارية المعلقة بين البلدين. و بانضمام بريطانيا للحلف الثنائي نشأ تحالف فرنسي بريطاني روسي قوي عرف باسم الوفاق الثلاثي، وساهم في زعزعة مركز ألمانيا بالقارة الأوروبية. وقد تولت البحرية البريطانية عبء مواجهة البحرية الألمانية في بحر الشمال، والدفاع عن الشواطئ الفرنسية في بحر المانش. بينما تولت البحرية الفرنسية الدفاع عن خطوط المواصلات البريطانية في البحر المتوسط. وقد أشعلت هذه التحالفات سباقا محموما للتسلح بين الدول الأوروبية الكبرى استمر إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

ومن جهتها حرصت ألمانيا على التقارب مع الدولة العثمانية باعتبار أن تقوية الدولة العثمانية تقوض من القوة الروسية، وتهدد خطوط المواصلات البريطانية إلى الهند. ومن ثم أوفدت ألمانيا بعثة عسكرية ألمانية لتطوير الجيش العثماني، ودعمت مشروع سكة حديد بغداد الممتد من قونية إلى بغداد والبصرة بالإضافة إلى إنشاء خطوط فرعية تصل بين المدن الكبرى بالشام وفلسطين. وقد هدف هذا المشروع إلى زيادة بسط نفوذ الدولة العثمانية بالمنطقة العربية.

 وردا على ذلك، تشكلت جبهة روسية بريطانية فرنسية مناهضة للتقارب العثماني الالماني. واشترطت الدول الثلاثة الحصول على امتيازات كبيرة من أجل السماح بتنفيذ ذلك المشروع.

تقاسم النفوذ في أفريقيا، واشتعال الصراع في البلقان

اتفقت الدول الأوروبية وبالأخص بريطانيا وفرنسا وألمانيا منذ مؤتمر برلين المنعقد في(1884- 1885) على تقسيم مناطق النفوذ في القارة الأفريقية. فوقعت الدول الأفريقية بأسرها من الصومال إلى مالي، ومن مصر إلى جنوب أفريقيا في قبضة الدول الأوروبية بما في ذلك بعض دول الصف الثاني والثالث مثل إيطاليا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا.

 وكذلك جرى تقاسم السيطرة على الدول العربية حيث احتلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب، بينما احتلت إيطاليا ليبيا، في حين احتلت بريطانيا مصر، وفرضت حمايتها على محميات ساحل الخليج العربي التي تشتهر حاليا باسم دول الخليج العربي. وواكب ذلك تدهور أوضاع الدولة العثمانية إلى الدرجة التي تم فيها وضع مالية الدولة العثمانية تحت إشراف الدائنين الأوروبيين.

 بينما على الصعيد السياسي مثلت منطقة البلقان بؤرة مركزية للتوتر. حيث تزايدت النزعات الانفصالية عن الدولة العثمانية لدى النصارى في أرمينيا وكريت ومقدونيا، كما أدى نمو المشاعر القومية لدى شعوب البلقان ولدى العرقية السلافية تحديدا إلى توتير الأجواء داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية التي كانت تسيطر على أجزاء من البلقان، وكذلك لعبت روسيا دورا محوريا في اشعال الأوضاع بالبلقان عقب تركيز جهودها عليه إثر هزيمتها في أسيا على يد اليابان عام 1905.

وبدأت الأحداث في البلقان بالاشتعال عام 1908 مع إعلان الإمبراطورية النمساوية المجرية ضم البوسنة والهرسك لأراضيها ما أثار غضب الصرب الذين رغبوا في السيطرة على الإقليم، وإعلان بلغاريا استقلالها عن الدولة العثمانية، وإعلان جزيرة كريت الانفصال عن العثمانيين والانضمام إلى اليونان. ومن ثم شكلت الدول البلقانية المنفصلة عن العثمانيين (صربيا، بلغاريا، اليونان، الجبل الأسود) ما يعرف بـ العصبة البلقانية لمواجهة الدولة العثمانية. وخلال الأزمة البلقانية أعلنت فرنسا أنها ستتدخل إلى جانب روسيا في حالة تدخل ألمانيا في حرب البلقان.

وفي عام 1912 أعلنت إمارة الجبل الأسود الحرب على الدولة العثمانية، ودخلت بلغاريا واليونان وصربيا الحرب جوار حليفتهم، وأسفرت الحرب عن فقدان الدولة العثمانية لمعظم أقاليمها بالبلقان، فقررت الإمبراطورية النمساوية المجرية التدخل لمنع صربيا من الاستيلاء على ألبانيا والوصول للبحر الأدرياتيكي. وعقب مرحلة وجيزة من الهدوء لم تلبث أن اندلعت الحرب مجددا بين دول العصبة البلقانية ذاتها. حيث شنت بلغاريا حربا على اليونان وصربيا عام 1913 إثر استيلاء صربيا على مقدونيا. وانتهت الحرب بهزيمة بلغاريا المدعومة من النمسا وتزايد قوة صربيا. ومن ثم تزايد العداء بين صربيا والإمبراطورية النمساوية المجرية إثر استثارة صربيا للشعوب السلافية المنضوية تحت الحكم النمساوي. ثم اشتعلت شرارة الحرب العالمية الأولى إثر اغتيال شخص من صرب البوسنة لولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية فرانز فريناند في مدينة سراييفو في يونيو 1914. 

المصادر:

  1. (نشوء وسقوط القوى العظمى)، بول كينيدي، ط3. الأهلية للنشر والتوزيع، 2007.
  2. (تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين) للدكتور محمد السيد سليم- ط1. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 2002.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *