By / 30 أغسطس، 2021

5- السودان تاريخ من الانقلابات .. ولم يصل بعد لتغيير حقيقي

ثورة ديسمبر

في ديسمبر ٢٠١٨م انطلقت ثورة شعبية سودانية، إثر قيام حكومة الرئيس حينذاك عمر البشير بزيادة أسعار الخبز ثلاثة أضعاف سعره، كان ذلك السببَ المباشر لاندلاع انتفاضة وصفها البعض بأنها ثورة شعبية، ولكن كانت هناك أسباب أخرى دفينة، وغضبٌ مكبوتٌ ظل يتراكم طوال الثلاثين عاماً التي حكم فيها الجيش السوداني بزعامة عمر البشير بعد انقلابه على حكم مدني منتخَب آنذاك.

وتصاعدت حدَّة المظاهرات منددة بانخفاض مستوى المعيشة وممارسات المجموعة الحاكمة، ثم قام المتظاهرون بالتصعيد ليبدؤوا اعتصاماً أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، وسرعان ما تطورت مطالبها إلى الإطاحة بالنظام.

وفي ابريل 2019، أعلن وزير الدفاع السوداني عوض بن عوف، الانحياز للثورة، معلنًا عزل الرئيس عمر البشير من منصبه، وتعطيل العمل بالدستور وإعفاء الحكومة، وتعيين مجلس عسكري مؤقت لإدارة شؤون البلاد.

في ديسمبر2019، حكم على البشير بالسجن لمدة عامين بتهمة الفساد وغسيل الأموال، وفي فبراير 2020 وافق المجلس العسكري على تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي لديها مذكرة توقيف بحقه لارتكاب جرائم ضد الإنسانية يُزعم ارتكابها في إقليم دارفور بالسودان.

واليوم لم يتغير الحال كثيراً رغم مرور أكثر من عامين على الثورة التي رغبت في تحسين الحالة المعيشية، وهذا اعتراف من رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي قال إن الحكومة الانتقالية لم تحقق طموح الجماهير، بعد مرور عام على تشكيلها.

فعلى المستوى الاقتصادي، يعيش السودان أزمة اقتصادية وأخرى سياسية أججت من غضب الشارع، وزادت من حالة الإحباط التي كانت سائدة أصلا منذ عهد النظام السابق، وقد تسبب النقص الحاد في السلع الأساسية بجميع أنحاء البلاد في إحباط عميق، ما أجبر المواطنين على الوقوف في طوابير لساعات لشراء الخبز أو الحصول على الوقود.

وتبرز الأزمة الاقتصادية في شح السلع الأساسية مثل الخبز والوقود، وارتفاع معدلات التضخم، كما أدت جائحة فيروس كورونا إلى تفاقم اليأس الاقتصادي، ما أدى إلى طرد ملايين العمال من العمل، هذا بخلاف الانهيار الكبير لأسعار العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية.

وعلى الجانب السياسي، لم يتحقق شيء من أحلام الديمقراطية والمدنية، فعسكرة المشهد باتت إستراتيجية يتم تعزيزها يومًا تلو الآخر، حتى أن القوى الثورية المدنية قبلت بتقاسم السلطة مع جنرالات النظام البائد وأعطاهم سلطة مطلقة لإدارة شؤون الدولة .

 

سيطرة العسكر

بعد عزل البشير، آلت السلطة في السودان لمجلس عسكري بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه في المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، وبلغت عضويته 10 من القيادات الأمنية والعسكرية، فيما تم تهدئة الأوضاع بإبعاد بعض القيادات التي قيل إنها محسوبة على النظام البائد

ورغم المعارضة الشعبية لتغول العسكر في المشهد والمطالب الثورية بنظام حكم مدني، فإنه تم توسيع نفوذ الجنرالات طيلة العامين الماضيين، واستطاعوا الهيمنة على مقدرات الدولة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بمساعدة الدعم الكبير المقدم لهم من بعض العواصم الخليجية على رأسها أبو ظبي والرياض، سعيا لفرض أجندتهما السياسية مبكرًا.

وفي الوقت الذي قوي فيه نفوذ العسكر، كان من إفرازات ثورة 19 ديسمبر تدشين مكون مدني قوي، تحت اسم “قوى الحرية والتغيير” والذي تشكل من الحركات السياسية الداعمة للثورة، على رأسها تجمّع المهنيين السودانيين، الجبهة الثورية وتحالف قوى الإجماع الوطني وكذا التجمع الاتحادي المُعارِض، وذلك بهدف القضاء على الحكم العسكري وفتح الطريق أمام حكم مدني والانتقال السلمي للسلطة.

لكن بعد عامين من نجاح هذا التيار في الإطاحة بالبشير، بدأ يتفكك حيث جمد حزب الأمة القومي، أكبر أحزاب المعارضة، نشاطه في التحالف، وتبعه العديد من الأحزاب الأخرى مثل البعث السوداني، والحزب الشيوعي، وأشارت بعض التقديرات إلى أن العسكر يقف خلف كل هذا، ليجد الساحة مهيأة تمامًا لفرض السيطرة بعدما انعزل المكون المدني بالحكومة بقيادة عبد الله حمدوك عن حاضنته الشعبية.

بعد تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية، والتدهور المعيشي برزت دعوات في سبتمبر 2020 لتسيير مواكب لتفويض الجيش لاستلام السلطة، وحمل المتظاهرون لافتات تحوي عبارات تنادي بتفويض الجيش وإسقاط الحكومة الحالية، ليصرح رئيس حزب الأمة القومي وقتها الصادق المهدي، إن الفترة الانتقالية فيها من العيوب ما يضمن فشلها، ولم يستبعد حدوث انقلاب عسكري على السلطة القائمة حاليًا.

وبالنظر للمشهد فإن تململ القوى المدنية وعدم وجود ظهير قوي لها مع خلافات قيادات الجيش وحميدتي ينذر باحتمالية حدوث انقلاب من قبل المجلس العسكري وتفرده بالسلطة.

إلا أنه كانت هناك بادرة أمل في الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحكومة والحركات المسلحة في جوبا نهاية أغسطس الماضي، وهو الاتفاق الذي أنهى سنوات طويلة من النزاع بين الطرفين كان له تأثيره السلبي على خريطة الاستقرار في البلاد، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

 

اتفاق السلام

تقدم رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت بمبادرة للتوسط بين المجلس العسكري والحركات المسلحة، لطي ملف النزاع، وبدأت مباحثات السلام في جوبا بين الحكومة والجبهة الثورية للحركات المسلحة في أكتوبر 2019، واستمرت ما يقرب من عام.

ووقَّعت الحكومة والجبهة الثورية اتفاقًا للسلام في 1سبتمبر2020، ودُعي قادة الجبهة للعودة إلى الخرطوم للمشاركة في إدارة الفترة الانتقالية، وتلخصت أبرز بنود الاتفاق في: تمديد الفترة الانتقالية إلى 39 شهرا وتحديد 39 شهرا لعملية الدمج والتسريح المتعلقة بمقاتلي الحركات المسلحة، وتشكيل قوات مشتركة من الجيش والشرطة والدعم السريع لحفظ الأمن في ولاية دارفور.

فيما أسهمت المفاوضات في مسار شرق السودان بمنبر جوبا، في خلق حالة عدم رضا حيث رأت مكونات اجتماعية وسياسية أن ما تمَّ لا يمثل الإقليم، غير أن الحكومة مضت في طريقها، في ظل تشكيك بإمكانية تحقيقه على أرض الواقع في ظل الانقسام الحاد الذي يعاني منه الشرق.

ويعد شرق السودان من المناطق التي لم تهدأ خلال عام 2020 بسبب موجات الاقتتال الأهلي.

مع التوقيع على اتفاق السلام تبقي هناك بعض المعضلات أمام السودان حتي يستطيع تنفيذ بنود الاتفاق أبرزها ملف الترتيبات الأمنية، ويتجلى في عمليات نزع السلاح، وكذلك في تمويل عملية السلام نفسها، خاصةً في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم الذي تعاني منه الحكومة.

وتكمن تحديات مخرجات عملية السلام في تغيير البنية المؤسسية للجيش وتبديل الإسلاميين فيه بآخرين من الحركات المسلحة وهو ما ستكون له تبعات كبيرة في المستقبل.

 

تطبيع السودان مع الكيان الصهيوني

ولـم تكـن قضية التطبيع محل اتفاق بيـن المكونين العسكري والمدني، إلا أن جنرالات السودان تخلوا عن الثوابت الوطنية التي كانت تتمسك بها البلاد لعقود طويلة، برفضها التطبييع مع الكيان الصهيوني.

ربطت واشنطن بيـن ضرورة التطبيع ورفـع اسم السودان مـن قائمة الإرهاب، وطلبت مـن مجلس السيادة أن يسارع في ملف التطبيع في مقابل تقديـم حزمة من المساعدات الإنسانية والتنموية، إلا أن الحكومة رفضت اقتران التطبيع برفع السودان من قائمة الإرهاب وقدمت طلبا لواشنطن بالفصل بينهم قوبل بالرفض.

إلا أن العسكر أعلن وقوفه صراحةً وراء التطبيع، حتى تم الاتفاق بيـن السـودان والكيان الصهيوني علـى تطبيـع العلاقات الثنائية برعاية أمريكية، ففي أكتوبر2020 أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أن الخرطوم وتل أبيب باتا على بعد خطوات قليلة من إبرام اتفاق تطبيع على غرار الإمارات والبحرين،

وفي يناير 2012، وقعت السلطة الانتقالية على اتفاق أبراهام مع الكيان الصهيوني، وهو التحرك الذي أحدث انقسامًا بين التيارات والأحزاب السياسية والمدنية، فريق يرفض هذه الانتكاسة وآخر يؤيد بدعوة المكاسب المحققة من ورائه.

وفور التوقيع حصلت الخرطوم على منحة من البنك الدولي بقيمة370 مليون دولار، بعدها أعلنت لجنة إزالة التمكين استرداد أموال وعقارات سكنية وزراعية من قيادات حركة حماس بالخرطوم وسحب الجنسية السودانية من بعض قادتها، فيما هدد السودان بتجميد التطبيع مع إسرائيل إذا لم يوافق الكونغرس على منح بلاده حصانة من دعاوى عائلات ضحايا الإرهاب وفي 14 ديسمبر أعلنت واشنطن رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

يرجع وضع السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 18 أغسطس 1993، للاتهام الرسمي الذي وجهته الحكومة الأمريكية للسودان، نتيجة لإيوائها فصائل مسلحة، وإقامة معسكرات لتدريب مقاتلين من جنسيات مختلفة، ودعم العمليات المسلحة ضد دول أخرى.

ورغم ذلك، فإن  المكاسب التي كان يؤمل حمدوك ورفاقه الجنرالات أنفسهم بتحقيقها من وراء التطبيع لم يتحقق منها شيء حتى الآن، إلا رفع اسم البلاد من قوائم الإرهاب، وإعادة التعامل بينها وبين المنظمات التمويلية الدولية، غير أن المواطن السوداني لم يتلمس شيئًا واقعيًا من تبعات ذلك على حياته المعيشية.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *