By / 14 أكتوبر، 2019

(5) جهاز الأمن السياسي عقب ثورة 1919

عقب فرض الأحكام العرفية بمصر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، تولى الجيش البريطاني بمصر الإشراف على أعمال الأمن السياسي من خلال (هيئة مخابرات القيادة العامة)، في حين اقتصر نشاط مكتب الخدمة السرية على أعمال الأمن السياسي على المستوى المحلي بالتنسيق مع هيئة مخابرات القيادة.

وعقب اندلاع أحداث ثورة 1919 في شهر مارس، بدأ منذ سبتمبر 1919 نمط جديد من عمليات الاغتيال السياسي التي استهدفت أولا رئيس الوزراء محمد سعيد دون إصابته، ثم تصفية ضابط الجيش البريطاني صامويل في شهر نوفمبر ثم توالت تلك العمليات ضد الإنجليز والمقربين منهم من المصريين. وفي تلك المرحلة عمل الإنجليز على إعادة تقييم أداء أجهزة الأمن السياسي، ووضعوا مخططا لتنظيمها، فتولى مدير المخابرات بوزارة الحربية المصرية الجنرال “كلايتون” منصب مستشار وزير الداخلية، وأشرف على تأسيس جهاز جديد يتبع  إدارة عموم الأمن العام باسم (القسم المخصوص) بالتوازي مع إنشاء فروع تابعة له بالمحافظات اشتهرت باسم (القلم المخصوص).

وحرصا على سرية العمل بالقسم المخصوص فقد اقتصرت جنسية العاملين به على البريطانيين فقط. واختص بأعمال الأمن السياسي المضاد ومكافحة الأنشطة العنيفة. ومُنح الجهاز الجديد صلاحيات واسعة لرصد الرأي العام والكيانات المؤثرة والنشطاء للحيلولة دون اندلاع ثورات مجددا. أما القلم المخصوص بالقاهرة فقد ترأسه المصري سليم زكي. واختص دوره بإمداد القسم المخصوص بالمعلومات والتحريات، في حين يقوم الأخير بتحليل المعلومات وتصنيفها، ورسم التوقعات، وإرسال التقارير إلى المعتمد البريطاني الذي يرسلها بدوره إلى وزارة الخارجية بلندن. وبالتوازي مع ذلك عمل (مكتب مخابرات الشرق الأوسط) التابع للجيش البريطاني على متابعة التهديدات السياسية الخارجية تجاه مصر. وقد شملت دائرة اهتمامات (المخصوص) مراقبة:

  • نشاط الوطنيين المنخرطين في أعمال المقاومة ضد الاحتلال.
  • حزب الوفد والأحزاب الأخرى الناشئة.
  • النشاط الطلابي في الجامعات والمدارس.
  • الأزهر وشيوخه والحركة الطلابية بداخله.
  • العمال والنشاط النقابي والشيوعي.
  • الجاليات الأجنبية والنشاط التبشيري.
  • النشاط السياسي العربي.
  • قياس الرأي العام وتحليله.

وقد نجح المخصوص في كشف أولى محاولات الشيوعيين لاختراق الساحة المصرية في عام 1919 عبر كشف نشاط شبكة الإيطالي بيزوتو، فضلا عن شبكة جوزيف روزنتال التي كان معظمها من اليهود. 

وواجه المخصوص أخطر تحد بدءا من نهاية عام 1919من خلال تزايد عمليات الاغتيال السياسي التي نفذها عناصر جمعية التضامن الأخوي، حيث بلغ عددها بحول عام 1924 قرابة 46 عملية أسفرت عن مقتل12 بريطانيا على رأسهم الحاكم العام بالسودان وسردار(قائد) الجيش المصري “لي ستاك”، فضلا عن محاولات لم تنجح لاغتيال النائب العام وعدد من الوزراء المصريين، ورئيس جهاز الأمن العام محمد بدر الدين.

وقد أدى الفشل في كشف منفذي العمليات لمدة 5 سنوات إلى تبادل إلقاء المسؤولية بين القادة البريطانيين، ففي تقرير المعتمد البريطاني اللنبي إلى وزير خارجيته بلفور في يوليو 1922، برر استمرار حوادث الاغتيالات (بخطأ سياسة تطهير جهاز الأمن السياسي التي اتبعها اللواء رسل” والذي أطاح خلالها بفيليبيدوس ومعاونيه مستبدلاً إياهم بشرفاء، لكن تنقصهم المعلومات الدقيقة عن عالم مصر الخفي). كما أبدى اللنبي انزعاجه من اشتراط حصول أجهزة الأمن السياسي على إذن من النيابة قبل تنفيذ المداهمات أو عمليات القبض على المشتبهين، وهو ما سعى اللنبي لتلافيه بإحالة القضايا السياسية إلى محاكم عسكرية بريطانية.

بينما برر اللواء رسل في تقريره إلى وزير الداخلية في يوليو 1922 الوضع قائلا (إن فشل البوليس في الكشف عن مدبري هذه الجرائم السياسية يعود إلى الرفض الحاد للجمهور المصري لمساعدة السلطات، حيث يقوم شهود العيان المتواجدون في أماكن الاغتيالات بإعطاء بيانات تضليلية عن منفذي العمليات مما يسهل فرارهم ويصعب التعرف عليهم).  ولتبييض الوجه قبض البوليس على عدد من الشباب الذين اعترفوا تحت التعذيب بتنفيذ عمليات الاغتيال، وأُعدم أحدهم ويدعى “نظير” بينما حُكم على الباقين بالسجن مددًا متفاوتة، وأدى استمرار عمليات الاغتيال إلى وضع البوليس في موقف حرج بعد إعلانه توقيف الأفراد المتورطين في حملة الاغتيالات.

وبحلول عام 1922 أصدرت بريطانيا تصريحا من جانب واحد أعلنت فيه رفع الحماية عن مصر، وترتب على ذلك إنشاء جهاز للأمن السياسي في إدارة الأمن العام  تحت اسم (الإدارة الأوروبية) ليتولى رعاية مصالح الرعايا الأجانب دون أن يخضع عرفيا في تحرياته أو أعماله للنيابة العامة ووضع تحت تصرفها سجن سُمى بالسجن الأوروبي خُصص لاحتجاز المتهمين السياسيين دون الخضوع لإشراف النيابة وذلك تحت إشراف الضابطين البريطانيين هولم ونوبل. وبذلك حصل جهاز الأمن السياسي على صلاحيات تتيح له حرية توقيف المشتبهين والتحقيق معهم واحتجازهم. 

وفق تلك الهيكلية أصبح القلم المخصوص تابعا لمدير الإدارة الأوربية فيما يختص بشئون الأجانب. في حين تربع القسم المخصوص على أعلى تلة أجهزة الأمن السياسي في مصر. وتولت الإدارة الأوربية الإشراف على حملة مكافحة العناصر الوطنية. واستعانت بالقاضي “هيو هولمز” صاحب الخبرة الطويلة في مواجهة الاضطرابات بإيرلندا ، وبالكسندر إنجرام رئيس قسم المخصوص بالإسكندرية. وعدلت عن السياسة القائمة على إبعاد المصريين عن أجهزة الأمن السياسي خوفا من ضعف ولائهم وتسريبهم المعلومات لأبناء جلدتهم، فطعمتها بعناصر مصرية من أبرزها اليوزباشي سليم زكي. واكتسبت هذه الخطوة أهميتها من سهولة انخراط الأمنيين المصريين في صفوف المواطنين، ورصدهم المعلومات المتداولة بينهم عن عناصر المقاومة.

وقد نجح جهاز الأمن السياسي في كشف هوية منفذي الاغتيالات في عام 1924 بفضل جهود سليم زكي الذي نجح في إقناع السجين السياسي نجيب الهلباوي (كان مسجونا منذ عام 1915) بقبول الإفراج عنه بعفو والتوظيف في الحكومة ونيل مكافأة مالية تبلغ 10 آلاف جنيه، مقابل المساعدة في الوصول للمجموعة التي تنفذ الاغتيالات، وهو ما حدث بالفعل. إذ استغل الهلباوي ماضيه في العمل الفدائي كمدخل للانضمام للمجموعات المسلحة المناهضة للاحتلال حتى وصل إلى المجموعة المطلوبة وكشفها للأمن، فأُلقى القبض على عناصرها، وأعدم سبعة منهم في عام 1925. وبذلك أسدل الستار على مرحلة مهمة من العمل الوطني. وركز جهاز الأمن السياسي في الفترة التالية على مكافحة النشاط الشيوعي الذي كانت تشرف عليه عناصر أجنبية ويهودية.

المصادر:

  1. عبدالوهاب بكر، (البوليس المصري- مدخل إلى تاريخ الإدارة المصرية: 1805-1922)، ط1. دار الكتب والوثائق القومية، 2016.
  2. أحمد مولانا – كتاب (جذور العداء). ط1، 2013.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *