By / 25 أكتوبر، 2019

للسَائِرين عَلى الطرِيقْ

أكتُبُ إلى أولئك الذين يسيرون في طريق الحق على الرغم مما فيه من ألامٍ وجِرَاح إلى الذين باعوا أنفسهم وأموالهم والله اشترى إلى الذين ابتعثهم الله 

ليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”

إلي الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خذلها إلى يوم القيامة 

إلى أولئك الذين يصنعون المجد والتاريخ وإذا حضروا لم يٌعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، تلفح وجوههم رياح الوحشة، وتدمى أقدامهم الحافية في صحراء ملتهبة بنار العداوات، تُغلق دونهم الأبواب؛ فيطرقون باب السماء؛ فيُفتح لهم من روح الجِنان ما يحيا به الجَنان، خالطتهم بشاشة الإيمان؛ فلا يرتد أحد منهم سخطة لدينه ولو رمتهم الدنيا عن قوس واحدة

لقد فقه الصحابة رضي الله عنهم أن الخير لا يأتي إلا بعد الشر وأن التمكين لا يكون إلا بعد الفتنة والتمحيص كما قيل للشافعي: أيهما خير للمؤمن, أن يمكّن أو يبتلى ؟ قال: وهل يمكن قبل أن يبتلى ؟! إن سنة الله الكونية القدرية هي الوجه الآخر لسنته الدينية الشرعية فكما أن الفلق لا يجيء إلا بعد شدة الغسق وكما أن طفلك أيها الإنسان لا يستهل صارخاً في الحياة إلا بعد طول حمل وآلام مخاض وفي بحر من الدماء وكذلك دولة الإسلام وفجر النصر لا يجيء إلا بعد الفتنة والمحنة والتمحيص وفي بحر من الدماء.. إن دفق الدماء عبر الجراح يبعث النور في جبين الصباح.. .وحين استحكمت حلقات المحنة واشتد لهيب اللأواء أيقن الصحابة بقرب النصر ودنو الظفر وحين بلغ المكر منتهاه… انفرج وتحولت الكفة وتغير هبوب الرياح وقرر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة فقال:”اليوم نغزوهم ولا يغزونا “..

في كل يوم نسير فيه سعياً علي هذا الطريق المبارك نفقد حبيباً هنا وصديقاً هناك يغلِبُنا الشوق تارةً والحنين تارةً أخري والفارق بينهم كبير فالأول يكون لأشياءٍ حاضرة يمكن أن تعود ذات يوم ولكنك لن تعود 

أما الحنين فهذا نداءٌ للبعيد الذي ما عاد يسمعنا وهو مزيجٌ بدايته الشوق ونهايته الحنين وهذا أشد وأقسي 

فبين ليلة وضحاها يفتقد البدر وبين ليلة وضحاها نفقد قلوبنا شيئا فشيئا حتي لا تكاد تنبض ولا يسمع لها أنين 

أعلمُ أن من يسير في هذا الطريق ينتابهم شعور الغربةَ الموحشةٌ وَلَكَمْ يتمني الواحد منهم أن يرزقه الله رفيقًا يؤنسُ غربته ويهوِّنُ عليه بنيَّاتِ الطّريقِ فلم يكن الشيطان ليفوِّت مثل هذه الفرصة في ثَنيِك عن مسيرتك ولكن لكلِ طريقٍ ضريبة وهذه هي ضريبة هذا الطريق أن نكون غرباء يا صديقي والغربة يا صديقي قد تكون غربةٌ في الأشخاص أو غربة في المبادئ فهذا هو حال الإسلام ونحن أهل الإسلام فحقَ علينا أن نكونَ غرباء أولئك الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى للغُرَبَاءِ”

قيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لينحازن الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ هذين الْمَسْجِدَيْنِ ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا”.

تخيل معي ما قاله الحبيب” يُصْلِحونَ إذا فسد الناس لم يقل صالحون فالصلاح واحده لايكفي وكذلك من أوصافهم أنهم قلةٍ في الناس لذلك يقال لهم الغرباء فالمؤمن في الدنيا كالغريب

أحيانا يا صديقي يكون قتل هذا الشوق والحنين مما لا يتم الواجب إلا به فنقتله ونمضي ونقتل ما بداخلنا من عاطفة حتى نستطيع السير وإن لم نستطع يقتلنا هو ويقتل كل جميل بداخلنا 

أحيانا يكون لزاماً عليك أن تكون من القاسية قلوبهم نعوذ بالله من قسوة قلوبنا عن ذكره وشكره وحمده علي نعمه نعوذ بالله أن تقسوا قلوبنا على أولياء الله وأحبائه 

لا يشعر بألم القلوب إلا مثبت القلوب فلا تشكوا هم قلبك لأحد أيا كان هو 

فالقلوب يا صديقي متقلبة كتقلب القدر علي النار إذا إشتد في الغليان تفور النار من تحته فتحرقه

فالحَمدُللَّهِ الذي جَعَلَ لَنا في الدُّعاءِ فُسحة بَارِدة وَمَأوى لَا يَضيق

والقلب إن أحب لا يعرف كيف يكره وإن كره لا يعرف للحب معنى فاحرص علي قلبك فهذا ثغر عظيم فلا تؤتي من خلاله.

وتأمل معي ابن القيم رحمه الله عندما سُجن شيخُه ابن تيمية رحمه الله، في قلعة دمشق بالشام قال: كانت تُظلم الدنيا في وجوهنا وتقسو قلوبنا، فما هو إلا أن نذهب إلى الشيخ (يقصد ابن تيمية) في السجن فنرى وجهه فتنفرج أساريرنا، وتصفو نفوسنا وننسى هموم الأرض

(من أراد أن يحيى أبناؤه و أحفاده تحت ظل الإسلام فليبذل كما بذل المسلمون الأوائل فعاشت بتضحياتهم أجيال لقرون تحت مظلة الإسلام .. لم يكن طريقهم سهلاً معبدا .. و ليس هناك طريق سهل للوصول إلى ما وصلوا إليه .. و لن يكون اليوم لدينا طريق سهل يوصل لذلك .. و من المعيب أن يبذل الكفار و أذنابهم من الجهد ما يعيق جهدنا .. و يوم نكون على العطاء أكبر و للجهد أمضى .. فذاك اليوم !!)


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *