By / 26 أكتوبر، 2019

(7) الحرب العالمية الأولى وتداعياتها على النظام الدولي

في الحلقة السابقة جرى استعراض دور الاستقطاب الثنائي بين الحلف الثلاثي الذي ضم (ألمانيا، والنمسا والمجر، وإيطاليا)، وحلف الوفاق الذي ضم (بريطانيا، وفرنسا، وروسيا) في إشعال أجواء من التوتر في القارة الأوروبية مما أسفر عن تدشين سباق محموم للتسلح بين الدول المذكورة. وقد مثلت منطقة البلقان بؤرة الاشتعال، حيث واصلت صربيا تحريض المكون السلافي الذي شكل 49% من سكان الإمبراطورية النمساوية المجرية على الانفصال عنها، ثم اندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى إثر حادث اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية فرانز فرديناند في مدينة سراييفو في 28 يونيو 1914على يد شخص من صرب البوسنة.

عقب حادث الاغتيال أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية في 28 يوليو 1914 الحرب على صربيا، فردت روسيا حليفة صربيا بإعلان التعبئة العامة للجيش الروسي في 30 يوليو، فتدخلت ألمانيا معلنة الحرب على روسيا، فردت فرنسا بإعلانها دعم روسيا، فأعلنت ألمانيا الحرب على فرنسا في 3 أغسطس، وطالبت ألمانيا بلجيكا بالسماح للجيش الألماني بعبور أراضيها لمهاجمة فرنسا، فأعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في اليوم التالي بزعم الحفاظ على حياد بلجيكا. ثم أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب ضد إمبراطورية النمسا والمجر، وبذلك خلال أسبوع واحد دخلت أبرز القوى الأوروبية في صراع دموي مباشر.

سعت كل دولة لتحقيق أهدافها الخاصة، فالإمبراطورية النمساوية المجرية أرادت سحق صربيا التي مثلت خطرا على الاستقرار الداخلي للإمبراطورية بتبنيها مشروع صربيا الكبرى، أما ألمانيا فأرادت فرضت هيمنتها على القارة الأوروبية والتخلص من الحلف الروسي الفرنسي البريطاني المحيط بها، أما روسيا فرأت في مد ألمانيا لنفوذها على البلقان بالتوازي مع تعيين الجنرال الألماني فون سندرز رئيسا لأركان الجيش العثماني تهديدا مباشرا لها ينطلق من جبهتي البلقان والأراضي العثمانية. أما فرنسا وبريطانيا فمثلت الحرب فرصة لهما لتقويض القوة الألمانية، ومنع ألمانيا من التحول إلى قوة عظمى تهدد نفوذهما. وكذلك أرادت فرنسا استعادة إقليمي الألزاس واللورين اللذان سيطرت عليهما ألمانيا عقب غزوها لفرنسا عام 1871.

وكذلك استغلت اليابان الصراع بين القوى الأوروبية في أوروبا لبسط هيمنتها على شرق القارة الآسيوية، حيث أعلنت دخولها الحرب عام 1914 إلى جانب دول الحلف الثلاثي، فهاجمت المستعمرات الألمانية في الصين والمحيط الهادئ مما قلص من النفوذ الأوروبي في الشرق الأقصى، وحول المنطقة إلى ساحة تنافس بشكل جوهري بين اليابان وأميركا، وهو التنافس الذي لم يحسم سوى لاحقا خلال الحرب العالمية الثانية.

اتسمت جبهات الحرب بالجمود، وتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، فأخذت الجبهة الفرنسية الألمانية شكل حرب خنادق، بينما منيت القوات الروسية بعدة هزائم أمام الألمان الذين طردوا الروس من ليتوانيا وبولندا. وساهم التراجع الروسي في تأجج الاحتجاجات الشعبية داخل روسيا بالتوازي مع تردي الأحوال المعيشية، وهو ما توج بوصول البلاشفة الشيوعيون للحكم، والقضاء على أسرة رومانوف الحاكمة. ومن ثم عقد البلاشفة اتفاقية صلح منفردة مع ألمانيا، وخرجت روسيا من الحرب بزعم أن تلك حرب بين القوى الرأسمالية، ولا مصلحة لروسيا في خوضها، وبالتوازي مع سعي البلاشفة للتفرغ للشأن الداخلي وتثبيت أقدامهم في مواقع السلطة. ومن ثم برز صراع أيديولوجي جديد بين الغرب الرأسمالي، والاتحاد السوفيتي الاشتراكي الشيوعي. 

وخلال سنوات الحرب نجحت ألمانيا و(النمسا- المجر) في استقطاب بلغاريا والدولة العثمانية إلى صفهما تحت بريق استعادة الأراضي التي فقدتها الدولتان في البلقان، والتخلص من الخطر الروسي، بينما انسحبت إيطاليا من التحالف الثلاثي مقابل بعض المكتسبات التي حصلت عليها من دول الوفاق الثلاثي، مثل منحها بعض المقاطعات التي تسيطر عليها النمسا، والاعتراف بسيادتها على ليبيا. وكذلك التحقت رومانيا واليونان بصف دول الوفاق، ثم دخلت أميركا الحرب في إبريل عام 1917 إثر إغراق الغواصات الألمانية لسفينة تجارية أميركية في المحيط الأطلنطي بالتوازي مع رصد برقية من وزير الخارجية الألماني إلى سفير بلاده في المكسيك يطلب منه تقديم عرض للحكومة المكسيكية بدخول الحرب إلى جانب ألمانيا مقابل منح المكسيك الأراضي التي استولت أميركا عليها من المكسيك سابقا بالقوة مثل ولاية تكساس. ومثل دخول أميركا الحرب تأكيدا على تغير الوضع السياسي عالميا، وعدم قدرة أوروبا على حسم نزاعاتها دون التدخل الأميركي.

تداعيات الحرب على المنطقة العربية

 لعبت بريطانيا على وتر إثارة النعرات القومية في البلاد الإسلامية ضد العثمانيين، حيث كانت تخشى من (ثورة المسلمين بمصر والهند ضد الوجود البريطاني، وإحياء فكرة الوحدة الإسلامية مجددا)، فسعت إلى دفع والي الحجاز الشريف حسين لإعلان الثورة ضد العثمانيين بالتنسيق مع القوميين العرب بالشام، فأرسل المندوب السامي البريطاني في مصر “مكماهون” إلى الشريف رسالة تحريضية في ٣٠ أغسطس ١٩١٥ قائلا له (إن جلالة ملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة). واستجاب الشريف للإغراءات وأعلن الثورة على العثمانيين في 10 يونيو عام 1916. وعبر مدير الاستخبارات العسكرية البريطانية بالقاهرة عام 1916 عن أهمية ثورة الشريف قائلا (إن هدف الشريف هو تأسيس خلافة لنفسه ….نشاطه يبدو مفيدا لنا لأنه يتماشى مع أهدافنا الآنية، وهى تفتيت الكتلة الإسلامية، ودحر الإمبراطورية العثمانية وتمزيقها ..إن العرب هم أقل استقرارا من الأتراك؛ وإذا عولج أمرهم بصورة صحيحة فإنهم يبقون في حالة من الفسيفساء السياسية، مجموعة دويلات صغيرة يغار بعضها من بعض؛ غير قادرة على التماسك.. وإذا تمكنا فقط أن ندبر جعل هذا التغيير السياسي عنيفا؛ فسنكون قد ألغينا خطر الإسلام بجعله منقسما على نفسه). وفي عام 1917 صدر وعد بلفور الذي تعهد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وفتحت بريطانيا الباب أمام الهجرة اليهودية إلى الأراضي المقدسة إثر انتزاعها فلسطين من قبضة العثمانيين بمساعدة القوميين العرب.

 وعقب انتهاء الحرب طالب الشريف حسين بحكم (الدولة العربية الكبرى) التي وعدته بها بريطانيا متصورا أنها ستشمل الحجاز والشام والعراق وفلسطين، ولم يوافق على فرض الانتداب على فلسطين، فتنكرت له بريطانيا، وسمحت لعبدالعزيز ابن سعود بالتمدد والقضاء عليه، ليؤسس نواة الدولة السعودية الثالثة التي عبر عن أهميتها المعتمد السياسي البريطاني بالبحرين “الميجر ديكسن” في أغسطس ١٩٢٠ قائلا (جزيرة عرب وسطى قوية يحكمها ابن سعود، وهو مرتبط بأشد العلاقات الودية مع الحكومة البريطانية، تكون ملائمة للسياسة البريطانية كل الملائمة، إنها ستحسم الكثير من المصاعب، وفي الوقت نفسه تجعل كل الدويلات الساحلية معتمدة علينا أكثر مما هي عليه الأن. الكويت والبحرين والساحل المهادن وعمان والحجاز وحتى سوريا سوف تعيش كلها في هلع من جارها القوي، وتكون أكثر انصياعا لرغبات حكومة الجلالة مما هى عليه اليوم.. إن طريقة العربي هي أن يعيش على تحريض جيرانه الأقوياء بعضهم ضد بعض. وفي نفس الوقت إذا لم يستطع القيام بذلك، فعليه أن يستند إلى دولة حامية قوية للالتجاء إليها، وإذا أصبح ابن سعود قويا جدا في جزيرة العرب، فإن النفوذ البريطاني يزيد زيادة عظيمة بين الدول الساحلية).وفي المحصلة تقاسمت بريطانيا تركة الدولة العثمانية مع فرنسا بعد انتهاء الحرب.

نهاية الحرب

انتهت الحرب في عام 1918 باستسلام ألمانيا وحلفائها كل على حدا، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية إلى عدة دول من بينها تشكوسلوفاكيا، ومملكة (الصرب والكروات والسلوفين، يوغسلافيا لاحقا)، فضلا عن النمسا، والمجر. وكذلك تفككت الدولة العثمانية عمليا، حيث اقتطعت منها مصر والشام والعراق وشبه الجزيرة العربية، فضلا عن معظم الأراضي العثمانية بأوروبا عدا مدينة اسطنبول فقط والتي تعرضت لاحتلال مؤقت من قبل الدول المنتصرة، وكذلك تراجعت القوة الأوروبية بفعل حرب الاستنزاف طويلة المدى مقابل صعود القوة الأمريكية، وتنامي قوة اليابان في الشرق الأقصى.

 جرى عقد خمس معاهدات صلح تختص بألمانيا، والنمسا، والمجر، وبلغاريا، والدولة العثمانية. ولم يُسمح لروسيا فضلا عن الدول المنهزمة بحضور مؤتمرات الصلح، إنما صاغت الدول المنتصرة تلك المعاهدات وأجبرت الدول المنهزمة على التوقيع عليها. وفرضت الدول المنتصرة على ألمانيا شروطا قاسية تتضمن التنازل عن العديد من الأراضي الألمانية لصالح فرنسا والدنمارك وليتوانيا، وتسليم الأسطول البحري العسكري والتجاري، وسلاح الجو، وإعطاء حق استغلال مناجم الفحم الألمانية بإقليم السار لفرنسا. وكذلك تقاسمت الدول المنتصرة المستعمرات الألمانية في أسيا وأفريقيا. وقد ساهمت الشروط المجحفة ضد ألمانيا في استثارة المشاعر القومية لدى الألمان، وحملت في طياتها نواة اشعال الحرب العالمية الثانية.

المصادر:

  1. الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (نجد والحجاز) – ترجمة “نجدة فتحي صفوة) – المجلدات الثاني والثالث والخامس – ط. دار الساقي.
  2.  (تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين) للدكتور محمد السيد سليم- ط1. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 2002.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *