By / 12 نوفمبر، 2019

العصيان المدني.. ما هي دوافعه وكيف يكون ناجحا؟

عبر مر العصور، استخدمت بعض الشعوب سلاح للوقوف في وجه حكامها ومواجهة الطغيان، وذلك السلاح قد يؤدي إلى الوصول إلى ثورة عبر مخاطبة حس العدالة لدى غالبية المجتمع من أجل تعمّد مخالفة القوانين وأوامر القوة الحاكمة دون اللجوء للعنف، ذلك السلاح هو “العصيان المدني”  

وقد جابهت تلك الوسيلة أعتى أنظمة الاحتلال، وأشد الأنظمة الشمولية في العالم، حتى وإن فشلت في بعض الثورات، إلا أنها نجحت ضمن تصعيد المعارضة ضد الجيش.

ويعرف العصيان المدني بأنه الرفض المتعمَّد والعلني لطاعة الأوامر أو القوانين الظالمة التي تسنها أو تطبقها سلطة تنتهك الحقوق العامة للشعب، أو تقصر في تحقيق مصالحه، أو تنتهك الأهداف الأساسية والقيم الحاكمة لنظامه الدستوري، وهو من الأساليب المركزية للمقاومة ا، وأحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين الجائرة.

دوافع العصيان المدني

تعددت مظاهر وتطبيقات العصيان المدني منذ بداية القرن العشرين في بلدان كثيرة وخاصة في الدول الغربية، من بينها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا، ففي الحرب العالمية الأولى رفضت القوات  العسكرية إطلاق النار، وفي فرنسا دعم البعض استقلال الجزائر، وفي ألمانيا منع العصاة المدنيون تحرك النفايات النووية وكذلك في جنوب أفريقيا.

واعتمدت شعوب كثيرة -في مقاومتها لأنظمة الطغيان والاستبداد والفساد- على فعاليات وآليات العصيان المدني في التعبير عن مطالبها ، واحتجاجها على تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومساعيها للتغيير السياسي من أجل نيل حقوقها السياسية والاقتصادية وإطلاق الحريات العامة، وإلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية واستقلال القضاء، والحفاظ على حقوق الإنسان ومنع التعذيب، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

كيف يتم العصيان المدني

 يعتمد العصيان المدني على مبدأ اللاعنف وكلمة مدني صفة تتصل بالمواطن ولهذا فإن العصيان المدني يعني عصيان المدنيين ولذلك  صور من بينها أن يخرج المعارضون بشكل جماعي وفي أوقات محددة لإجبار السلطة الحاكمة على الإنصياع لمطالب المحتجين الهادئين مثل رفض الموظفين الذهاب إلى دوائر الدولة والمدارس والجامعات والمصانع والمعاهد مع إغلاق كل الأسواق والمحلات التجارية والأفران.

 وكذلك مثل إقناع سائقي الحافلات العامة ومحطات الوقود وسيارات الأجرة داخل المدن وخارجها وأن تخرج جماعات يرتدون ملابس موحدة إما سوداء أو بيضاء أو أي لون موحد وبكل هدوء لا شعارات ولا صراخ ولا نداءات معادية ولكن عصيان بهدؤ كالجلوس في الشوارع الرئيسية أو الميادين الكبرى والجلوس في وسطها .

ويتوجب على الممارس للعصيان المدني أن يكون هادئا مالكا لزمام نفسه حتى يتحقق هدفه فعندما يمسك به رجال الشرطة والأمن لا بد وأن يكون مطيعا لهم تماما يبتسم في وجوههم حتى لو أهانوه وشتموه . 

كيف يتحول العصيان الى حركة شعبية

العصيان المدني وسيلة من وسائل التحول السياسي والمعارضة.

  • ضرورة تعميم العصيان المدني عبر نشر ثقافتها وتنميط أدواتها وأساليبها عبر تحويلها إلى قيم ثقافية راسخة في المجتمع.
  • ضرورة توعية المواطن بأهمية العصيان المدني كوسيلة من وسائل المطالبة بحقوقه المشروعة وإخراجه من دائرة اللامبالاة والخوف وعدم تحمل المسؤولية.
  • ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني بتدريس أسلوب العصيان المدني وتعميمه على كافة طبقات المجتمع مما قد يحول الإحتقانات الداخلية والنفسية والمظالم وافتقار للعدالة الإجتماعية إلى قوة إيجابية للبحث عن حلول عادلة بعيدة عن الوسائل التخريبية العنيفة.
  • ضرورة تطوير أدوات العصيان المدني واستحداث أساليب جديدة لأدائه على وجهه الصحيح.
  • أن يجعل المجتمع المدني العصيان المدني الأسلوب الأمثل في ممارسة المعارضة مع ضرورة وجود مواثيق تمنع ضرب وقمع التجمعات.
  • الإستفادة من الثورة التكنولوجية الحديثة المتمثلة بالإنترنت الإتصال المتقدمة من أجل تعميم أساليب العصيان المدني ودعم الشعوب المقهورة عبر نشر قضاياها وأهدافها.

ثورات نجحت عبر  تطوير العصيان المدني

ثورة 1919

ويجمع الكثير من الباحثين على أن أكبر الأمثلة لتطبيقات العصيان المدني في العالم العربي وأوسعها نطاقا تمثلت في ثورة 1919 التي ابتدأت في 9 مارس 1919م حيث أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات.

 وفي غضون يومين امتد نطاق الإحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع أنحاء مصر من مدن وقرى حيث قام عمال الترام بإضراب تلاه إضراب عمال السكك الحديدية كما أضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك وتلا ذلك إضراب عمال المطابع والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية.

ثورة جنوب أفريقيا

في عام 1948، أقر “الحزب الوطني” الحاكم في جنوب أفريقيا  سياسة الفصل العنصري بين البيض وذوي البشرة السوداء، لتصبح هي الدولة الأولى في العالم التي حافظت على سياسة الفصل بين الأعراق ومنع الزواج للأصول المختلفة.

إلا أن نيلسون مانديلا أحد أعضاء حزب المؤتمر المعارض الذي شكّل حركة “مناهضي الفصل العنصري”، بدأ سياسة الكفاح التي امتدت حتى عام 1959، عبر ثورة امتدت إلى ربوع البلاد وشملت مقاطعة الحافلات، ووسائل المواصلات العامة، والوصول إلى مقرات العمل وإعلان العصيان بداخلها احتجاجًا على انخفاض أجورهم.

واجهت الحكومة الإضراب بإصدار قانون السلامة العامة عام 1953 الذي أقر الحبس لمدة خمس سنوات كعقوبة على الاشتراك في العصيان، بينما حُوكم نيلسون مانديلا قائد الحراك بالسجن مدى الحياة، ليخرج بعد نحو 27 عامًا وسط  قتال نتج عقب العصيان المدني متصاعدة عام 1990

ثورة فيتنام

قاد الفيتناميون خلال حرب فيتنام (1955- 1975) سلسلة من الكفاح التحرري ضد الاحتلال الأمريكي ومحاولات التقسيم عبر سياسة الإضراب الناجحة.

قادت “جبهة التحرير القومية الفيتنامية” عدة نقابات للقيام بإضراب شمل 491 ألف مضرب عن العمل عام 1964، وهو ما وّحد الطبقة العاملة في وجه الاحتلال الأمريكي، حيث توقفت الصناعات والمزارع وحتى الموانئ عن العمل، وهو ما مثّل فاتورة إضافية لإثقال الحالة الاقتصادية للولايات المتحدة.

وبينما كانت فيتنام منقسمة بين فيتنام الشمالية المتحالفة مع “جبهة التحرير الوطنية”، ضد جمهورية فيتنام الجنوبية المتحالفة مع واشنطن، سعت “جبهة التحرير الوطنية” إلى عدم الدفع بالفيتناميين للدخول في حربٍ مباشرة بينهم، لذا وصلت دعوات العصيان داخل الجيش الجنوبي، وبدأت حملات هروب الجنود من الجيش.

استمرت سياسة العصيان المدني تزامنًا مع تراجع معنويات الجنود الأمريكيين عقب الهزائم التي شكّلت رأي عامٍ مضاد داخل الويات المتحدة، وبنهاية الحرب خسرت الولايات المتحدة إلى جانب احتياطها من الذهب نحو 58 ألف جندي، بينما أصيب أكثر من 150 ألفا، لتكون آثار الإضراب متساوية إلى حدٍ كبير مع خسائر الحرب.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *