By / 4 نوفمبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن المتحدث باسم الملا محمد عمر (الحلقة الثامنة)

بدأ الجهاد ضد السوفييت في قندهار من قبل أشخاص شديدي التدين كما كان العديد من الأشخاص الذين انخرطوا لاحقًا في الجهاد أيضًا إسلاميين من أهل التقوى والصلاح. مع مرور الوقت استشهد عدد قليل من المجاهدين المعروفين والنشطين مثل لالا مالانج، وحادت الغالبية عن الطريق مع ازدياد رغبة المجاهدين في كسب الثروة والسلطة، وكانت هذه المشكلة سائدة في جميع أنحاء أفغانستان. اتُبعت خطوات غير قانونية لتحقيق هذا الغرض، ووجد اللصوص والقتلة المرتزقة مكانا لهم في تلك المجموعات. وقد أصبح هؤلاء اللصوص والقتلة المرتزقة أقوياء لدرجة أن قادتهم لم يتمكنوا من السيطرة عليهم.

في قندهار كان هناك العديد من أعضاء الجمعية الإسلامية التابعة لبرهان الدين رباني ممن انتموا سابقا إلى حزب “خلق” الشيوعي وانخرطوا في الميليشيات الشيوعية، وقد رحب بهم بعض القادة لعوامل قبلية أو بهدف توظيفهم في سحق خصومهم. فيما بعد أصبح نفس الأشخاص أقوياء وأقاموا نقاط تفتيش على الطرق. هؤلاء الناس لم يهتموا أبدًا بشرف وحياة أي شخص إذ كانوا ينفذون جرائمهم الوحشية والقاسية منذ أيام النظام الشيوعي.

فعلى سبيل المثال قام “منصور” و”بارو”[1] اللذان أقاما نقطة تفتيش على الطريق السريع “قندهار – بولداك”[2] باختطاف الفتيات والفتيان من المركبات بهدف إشباع رغباتهما الجنسية. وقد هاجمت طالبان نقطة التفتيش تلك قبل أيام قليلة من سيطرتها على قندهار، وقتلت الرجلين وشنقتهما فوق دباباتهما كما قُتل معظم مقاتليهم في الحرب ولم يُبق على قيد الحياة إلا عبد الرازق لصغر سنه آنذاك (أصبح لاحقا قائد شرطة قندهار في عهد الاحتلال الأمريكي وُقتل على يد طالبان في عام 2018). لقد أخاف هجوم طالبان على نقطة التفتيش المذكورة المسلحين الآخرين في قندهار، وأصبح من السهل على طالبان الاستيلاء على ولاية قندهار.

سبق أن اندلعت حرب بين مجموعات مختلفة من المسلحين في قندهار أُضرمت خلالها النيران في منازل المواطنين. وكان الناس يحرسون أعراضهم ومنازلهم عبر تسيير دوريات في الليل بينما قبع معظم المجاهدين الحقيقيين في منازلهم، وتركوا هؤلاء القادة الفاسدين يمرحون في ساحة المعركة رفقة العناصر الشيوعية القديمة التي انضمت لهم على خلفية الروابط القبلية، وقد قاتلوا بعضهم البعض للاستيلاء على الأراضي.

وقد روى لي بعض شهود العيان من قندهار قصصًا مثل كيف كانت هناك دبابة على جانب من نقطة تفتيش أطلقت لمدة شهر القذائف على المنافسين، وفي نهاية الشهر بسبب إطلاق النار الكثيف فقد مشغل الدبابة عقله، ونُقل إلى باكستان لتلقي العلاج.

إن شعب قندهار لهم تاريخ مدهش في الجهاد ضد الشيوعية، فقد كان مجاهدو قندهار من الناحية القتالية مقاتلين أقوياء للغاية، وسبق أن دخلوا مدينة قندهار ليلاً وقاتلوا القوات الحكومية، وعندما غادروا المدينة في الصباح كانت الحكومة قد مُنيت بخسائر فادحة، ولم يكن من الممكن للمجاهدين دخول مدينة قندهار دون وجود دعم من أهلها.

لم يتمكن الشيوعيون من مغادرة نقاط التفتيش الأمنية الخاصة بهم علانية وسط قندهار لأن نصف سكان المدينة كانوا يقاتلون ضدهم. كما رفع أهل قندهار ذات مرة شعارات التكبير ضد الحكومة من فوق أسطح منازلهم، وتزايد التكبير إلى حد أربك الحكومة مما دفعها لإطلاق النار على الناس دون أن تتمكن من إسكاتهم. وفي وقت لاحق اعتذرت الحكومة وانعقد مجلس لويا جيركا لبحث الأمر(وهو اجتماع يحضره الوجهاء وكبار القبائل لتداول الرأي وبحث المشاكل وكيفية حلها). ولسوء الحظ استشهد بعض المجاهدين الشجعان والصالحين، وفضل البعض الآخر البقاء في منازلهم بعد سقوط حكومة نجيب عام 1992.

ذكريات المواطنين

سمعت هذه القصة من المولوي عبد العلي الديوبندي، وهو شخص ورع كان مفتيًا بارزًا وعالمًا إسلاميًا خلال فترة حكم طالبان (توفي خلال حقبة الاحتلال الأمريكي) إذ قال: أخذ قائد امرأة شخص قندهاري إلى غرفته ليغتصبها، وكان الزوج من البشتون لكنه لما عجز عن حماية زوجته بدأ بالصراخ والبكاء بصوت عالٍ قائلا بالله عليك إنها شرفي، فأرسل القائد بعض المسلحين الذين أسقطوه أرضا على وجهه ولفوا قضيبه بقوة حتى انفصل عن جسده فمات الشخص على الفور. كذلك أخبرني مسؤول في إذاعة قندهار عن رواية شاهد عيان لطفل في منطقة شهر ناو بقندهار إذ طلب منه شخص مسلح عند أحد الحواجز القدوم إليه، وأدرك الطفل أن نية الرجل هي الاعتداء الجنسي عليه فحاول الهرب، فأطلق المسلح النار على الطفل من بندقية كلاشينكوف وقتله.

وأيضا كان شاب مهاجر من الملالي يصحب جثة والده المتوفى إلى منطقة شاهجوي لأداء صلاة الجنازة عليها لكن على طريق قندهار – زابول[3] بالقرب من مقاطعة شهر صفا، كانت توجد نقطة تفتيش للقائد بالحزب الإسلامي جارانو. وعند المرور بنقطة التفتيش المذكورة قال الملا الشاب إن عائلته المجاهدة ترتبط بالحزب الإسلامي حيث رغب في تجنب المشاكل مع هؤلاء المسلحين، وعرّف نفسه على أنه من عناصر الحزب لكنهم ضحكوا بغضب وقالوا إننا نعرف المال فقط. فقال إنه بسبب وفاة والده المفاجئة لم يكن لديه سوى ما يكفي من المال للسفر أما الباقي فقد استولى عليه مسلحو حاجز سابق، فأخذه المسلحون إلى مكتب حاكم المقاطعة مع جثة والده وسألوه: هل هذه جثة والدك؟ فقال نعم، فقالوا له أنه إذا لم تستطع دفع المال فسيتعين عليك الرقص بالقرب من جثمان والدك، فبدأ في تقديم الأعذار وناشدهم أن يتركوه في ظل وفاة والده، وقال لهم أنا من طلبة العلوم الدينية ولا أعرف كيف أرقص، فرفعوا الكلاشينكوف في وجهه، وأدرك أنهم لن يرحموه إلا إذا رقص لهم، فأخذ يرقص حتى اقترب من الانهيار ثم سمحوا له بأخذ جثة والده. وفي ظل ذلك العار لم يخبر أهله بهذه القصة، وشكر الله أنه لم تكن معه امرأة في ذلك الوقت.

تتواتر العديد من القصص الشهيرة عن وحشية مقاتلي المليشيات القندهارية، لكني أعتبر القصص التي ذكرتها كافية لتقديم نظرة عامة. وقد أثرت هذه الظروف على المجاهدين الصالحين الذين ضحوا بأنفسهم لتحرير قندهار من الشيوعيين. فخلال المعارك التي اندلعت بعد انهيار الحكومة الشيوعية بقي هؤلاء المجاهدين في منازلهم واستولى على مواقعهم الشيوعيون السابقون ومصطنعي الفتن والمجاهدين الذين ضلوا الطريق، فحاصروا جميعا شعب قندهار الشجاع، وعندئذ تقدم الملا محمد عمر لقيادة الثورة ضدهم. كانت الأمة تريد فقط من يستنهضها، ولذلك كان التأييد الشعبي للملا عمر الذي لم يكن يملك شيئا من الدنيا يجذب الناس له.

من هو الملا محمد عمر مجاهد؟

ولد الملا محمد عمر عام 1960 في قرية شاه هيمت التابعة لمنطقة خاكرز بقندهار. وهو ينتمي إلى عائلة متدينة، واسم والده هو مولوي غلام نبي. وجد الملا عمر هو المولوي محمد رسول  بينما جده الأكبر مولوي باز محمد. وُلد مولوي غلام نبي والد الملا عمر في خاكرز، وتلقى بها تعليمه الديني في مدارس مختلفة. وفيما بعد بسبب انخراطه في التعليم الديني والدعوة أصبح معروفًا كشخصية اجتماعية ودينية مشهورة.

ينتمي الملا عمر إلى فرع تومزي من قبيلة هوتاكي البشتونية، وهي قبيلة بشتونية مشهورة لها تاريخ فهي ثاني قبيلة تتشرف بقيادة البشتون بعد الغوريين. ومن بين القادة الهوتكيين في التاريخ الأفغاني المعاصر حاج مرويس خان[4]. وكان أفراد عائلة الملا محمد عمر علماء إسلاميين متميزين ومدرسين للعلوم الدينية مما جعلهم شخصيات مرموقة في منطقتهم.

عندما كان الملا عمر في الثانية من عمره هاجرت عائلته إلى قرية نود في مقاطعة داند بقندهار حيث شاركوا في تقديم التعليم الديني. وقد تُوفي والد الملا عمر في نفس المنطقة عام 1965، ودُفن في مقبرة قديمة مرتبطة بطلبة العلوم الدينية “طالبان”. وبعد وفاة والده، عندما كان الملا عمر في الخامسة من عمره هاجر هو وعائلته إلى منطقة ديهراوود في ولاية أوروزغان. وهذا هو المكان الذي أمضى فيه سنواته الأولى تحت وصاية أعمامه مولوي محمد أنور ومولوي محمد جمعة. وعندما أصبح عمره ثماني سنوات التحق الملا عمر بالمدرسة الدينية التابعة لعمه مولوي محمد جمعة في منطقة شهر كوهنا في ديهراوود، وأكمل تعليمه الديني الابتدائي والثانوي بشكل جيد. وبدأ دراساته الدينية العليا في عمر الثامنة عشرة لكنه لم يتمكن من إنهاء تعليمه مثل العديد من الطلاب المسلمين الآخرين بسبب الانقلاب الشيوعي عام 1979.

المشاركة في الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي

بدأ الملا عمر الجهاد ضد الغزاة السوفييت في ديهراوود بولاية أوروزغان. وقد اشتهر كمقاتل شجاع على مستوى الولاية، واختير كقائد للعمليات العسكرية المشتركة لتحالف بين عدة مجموعات جهادية متنوعة. وشارك بأوروزغان في معارك مختلفة كقائد أو مجاهد، كما عُرف بأنه مقاتل صلب في الولاية بأكملها حيث يقول بعض أصدقائه إنه منذ كان في سن مبكرة تميز ببعض الخصائص الفريدة وامتلك مهارات قيادية، ولهذا اختير كقائد كما تمتع بجسد متين.

في عام 1983 ذهب إلى مقاطعة مايواند في قندهار مع أصدقائه المجاهدين، وشارك في الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي تحت قيادة فيض الله أخوند زاده القائد الجهادي الشهير لحركة الانقلاب الإسلامي التابعة للمولوي محمد نبي محمدي. خلال الجهاد برز بعض طلبة العلوم الدينية في قندهار بسبب شجاعتهم ومهاراتهم التكتيكية، لكن الملا نك محمد[5] والملا محمد عمر مجاهد والملا محمد أخوند كانوا معروفين جدًا. فوفقًا لرواية أشخاص من قندهار، اشتبك الملا نك محمد بمفرده مع قافلة من الدبابات والمدرعات الروسية لساعات، ودمر عشرات الدبابات بقذائف الأر بي جي. ويُقال أنه حمل ثلاثة أنواع من الأسلحة لمحاربة الدبابات ومقاتلي العدو. وقد شارك الملا عمر والملا نك محمد في العديد من المعارك، وأصيب الملا عمر أربع مرات خلال الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، وفقد عينه اليمنى.

بعض الذكريات الجهادية للملا محمد عمر

سجل أشخاص مقربون من الملا عمر هذه الذكريات:

  1. كانت هناك نقطة تفتيش حكومية قوية تُسمى”بوستة بداونوا”، وقد وضع الشيوعيون دبابة في موقع حساس للغاية بالقرب منها، وواجه المجاهدون مشاكل بسبب الهجمات من هذه النقطة. وقد حاول العديد من المجاهدين القضاء على تلك الدبابة لكن لم ينجح أحد. وفي النهاية دعا المجاهدون المحليون الملا محمد عمر من مايواند، ونجح في تدمير هذه الدبابة بقذيفة آر بي جي كما قام زميله الملا عبيد الله أخوند بإحراق العديد من الدبابات والمركبات الروسية المدرعة في محلة جات بقندهار خلال الجهاد ضد السوفييت. وفي اليوم التالي عندما رأى الناس تلك الدبابات والمركبات المحترقة اعتقدوا أن القافلة لا تزال متوقفة هناك. وقد شغل الملا عبيد الله أخوند منصب وزير الدفاع أثناء حكم طالبان، وبعد الغزو الأمريكي جرى تعيينه نائبا للملا عمر ثم استشهد في أحد السجون الباكستانية عام 2010.
  2. خلال مرور دبابات روسية عبر سانجيسار في منطقة زهاري على طريق “قندهار– هرات” السريع تواجد الملا عمر والملا عبد الغني برادار، ولم يكن لديهما سوى أربعة قذائف آر بي جي لمهاجمة القافلة الروسية، لكنهما نجحا في تدمير أربع دبابات. وخلال حكم طالبان عُين الملا برادار في هيئة الأركان العامة بوزارة الدفاع، ثم عُين حاكما لولاية هرات. وبعد الغزو الأمريكي عمل نائبا للملا عمر، وهو مسجون حاليا في باكستان (اعتقل الملا برادار عام 2010 وخرج من السجن الباكستاني عام 2018).
  3. دمر الملا عمر سبع دبابات روسية بقذائف آر بي جي في منطقة تيموريان بمديرية داند خلال تقدم الدبابات الروسية لمهاجمة المجاهدين المتحصنين ببنادقهم في خنادق. وبحسب شهود عيان فقد أنقذ الملا عمر والملا عبيد الله المجاهدين وهزموا القوات الروسية المجهزة تجهيزا جيدا. وقد أصيب الملا عبيد الله في هذه المعركة.

من عام 1983 إلى 1991، انخرط الملا عمر في الجهاد ضد السوفييت انطلاقا من قواعد المجاهدين في مديريات مايواند وزهاري وبانجواي وداند في قندهار. ونفذ بنجاح عمليات ضد السوفييت على الطريق السريع الرئيسي بين كابول وقندهار بالقرب من منطقة شهار صفا في زابول ومدينة قلعة. وكان سلاحه المفضل هو قاذف الأر بي جي السلاح الأكثر فعالية ضد الدبابات المدرعة إذ كان الملا عمر خبيرًا في استخدامه.

[1]– قاتل بارو خلال الجهاد ضد الروس ضمن جماعة الاتحاد الإسلامي بقيادة سياف، واشتهر باقتنائه للغلمان وزواجه القسري للفتيات لمدة شهر واحد، وأعدمته طالبان في عام 1994.

[2]– تقع سبين بولداك على الحدود مع باكستان، وتمثل الطريق الرئيسي للمسافرين برا إلى باكستان من أفغانستان.

[3] – تأسست ولاية زابول إداريا في عام 1964، وكانت تتبع سابقا ولاية قندهار.

[4] – مرويس خان هو أبرز رموز سلالة الهوتاكي، وقد قضت قبيلة دوراني لاحقا على نفوذ قبيلته.

[5] – صديق من قندهار للملا عمر اشتهر بمهارته القتالية في الجهاد ضد الروس، وتوفي في ثمانينات القرن العشرين.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *