By / 5 نوفمبر، 2019

(6) الأمن السياسي من عام 1924 إلى 1952.

اكتسبت أجهزة الأمن السياسي خبرات واسعة وانتهجت أساليب جديدة خلال حملة تعقبها لعناصر جمعية التضامن الأخوي المنبثقة عن الحزب الوطني، والتي وقفت خلف تنفيذ عشرات عمليات الاغتيال السياسي خلال الفترة الممتدة من عام 1919 إلى 1924. ومن أبرز تلك الأساليب تتبع المشتبه فيهم عبر مجموعات من غير عناصر البوليس تتكون من أطفال الشوارع، واعتراض خطابات المقبوض عليهم السرية إلى ذويهم ومحاميهم وتصويرها، وذلك بالتنسيق مع سجانين يتظاهرون بالتعاطف مع المقبوض عليهم من أجل اكتساب ثقتهم إلى أن يطمأنوا إليهم ويسلموهم مراسلاتهم لتوصيلها لمعارفهم.

ومع إسدال الستار على قضية الاغتيالات الكبرى، بدأت أجهزة الأمن السياسي في التركيز على محاولات الخلايا الشيوعية التغلغل للداخل المصري. وخصص القسم المخصوص قسمًا لمكافحة النشاط الشيوعي بمصر في عام 1924 برئاسة سان جورج أنسون، وتمكن القسم من ضبط 50 قضية خاصة بالشيوعيين منذ تأسيسه حتى انقلاب 23 يوليو1952. ومن أبرز عملياته القبض عام 1925 ) على أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعلى رأسهم بهيل كوسي الذي دخل مصر تحت اسم (قسطنطين فايس) لإعادة تنظيم الحزب الشيوعي المصري. والقبض في عام 1928 على مندوب سوفييتي وصل مصر لبث الدعاية الشيوعية، وترحيله إلى روسيا.

وفي عام 1930 أنشأ رئيس الوزراء صدقي باشا مكتب العمل لمواجهة تصاعد الحركة الشيوعية، وتولى رئاسته مستر جريفز، ونشر مكتب العمل شبكة مرشدين في المصالح الحكومية لرصد النشاطات والشخصيات المعارضة. وبإنشاء مكتب العمل صار جهاز الأمن السياسي يتشكل من القسم المخصوص على المستوى المركزي والقلم المخصوص بالمحافظات والإدارة الأوربية وفرع مكافحة الشيوعية ومكتب العمل؛ وفي عام (1935) نقلت تبعية مكتب العمل إلى وزارة التجارة والصناعة.

وخلال تلك المرحلة مثل جهاز الأمن السياسي بفروعه المختلفة مركز ثقل في المشهد المصري، حيث شملت مناقشات مسئول الأمن السياسي كين بويد في اجتماعاته مع المندوب السامي قضايا عديدة منها:-

  • السياسة العليا البريطانية في مصر.
  • أحكام القضاء المصري في قضايا القتل الواقعة على أجانب.
  • التدخل لدى الحكومة المصرية لضمان الحكم بالإدانة، والإعدام في جرائم القتل ضد الأجانب.
  • شروط وأحوال الخدمة لرجال البوليس الأجانب في جهاز البوليس المصري.
  • القضايا العمالية في مصر، وما يتصل بها من اضطرابات تهدد الأمن.
  • جرائم رجال البوليس البريطانيين أثناء خدمتهم بالمدن المصرية.
  • تعيين كبار الموظفين البريطانيين في الحكومة المصرية.
  • الموقف السياسي المصري، وأوضاع الحكومات المصرية والأحزاب.
  • أوضاع القصر الملكي، وانتخاب الوصي على العرش.
  • مناسبات تدخل المعتمدية في شئون الحكومات المصرية.
  • تقارير تقدير الموقف التي ترسل من المعتمدية إلى الخارجية البريطانية.
  • تعيين وترقية كبار الموظفين المصريين الذين تثق بهم بريطانيا.
  • الشئون الداخلية المصرية.
  • التحليل السياسي للأحداث.

ومع توقيع وُقعت معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، والتي حددت بقاء الأجانب في البوليس بخمس سنوات، ألغيت الإدارة الأوربية في  عام 1937، وأضيفت أعمالها إلى إدارة عموم الأمن العام، وسرح موظفيها الأجانب والمصريين، إما بالإحالة إلى المعاش أو الإلحاق بأعمال أخرى. ونجح مديرها كين بويد في إتلاف كل ما أراد إتلافه من الأوراق، وحمل ما أراد حمله إلى السفارة البريطانية.

وترتب على حل الإدارة الأوربية انتقال مسئولية الأمن السياسي إلى العناصر المصرية التي تولت إدارة القسم المخصوص بوزارة الداخلية وما يتبعه من فروع في بعض المحافظات، وانفردت القاهرة والإسكندرية كل بجهازها الخاص الذي سمي القلم السياسي، كما أنشئ بالسراي قسم مخصوص يتبع شرطة القصور الملكية مهمته جمع المعلومات، ومتابعة أعداء الملك الشخصيين.

وبقي الحكمدارون البريطانيون في المحافظات إلى جانب العنصر البوليسي الأوروبي حتى عام 1946 بدلاً من عام 1941 وفق ما نصت عليه معاهدة 36 بسبب  الحرب العالمية الثانية، وتكفل اللواء رسل باشا حكمدار القاهرة بحماية أفراد البوليس خلال فترة الأحكام العرفية (1939 -1945)، ورفض محاكمة أي منهم على انتهاكاتهم ضد المواطنين بعد انتهاء الحرب.

وخلال تلك الفترة توسعت أقسام المخصوص لتلبي احتياجات المحتل البريطاني، فمع تزايد جهود النشطاء العرب في مواجهة الاحتلال، تأسس عام 1937 “مكتب الشئون العربية” بقيادة لمتابعة العرب المتواجدين بمصر والطلبة العرب بالأزهر ممن لهم نشاط سياسي معاد لإنجلترا كالطالب السوري مصطفى السباعي، والطالب هاشم الخازندار الذي اُتهم بتوزيع منشورات مؤيدة لثورة رشيد عالي الكيلاني بالعراق ضد الإنجليز، كما رفض المكتب السماح للزعيم الفلسطيني عبد القادر الحسيني بالإقامة في مصر عام 1946، كما حاول منع الأمير شكيب أرسلان من زيارة الإسكندرية في ذات العام. وكذلك صادر المكتب كتاب (فلسطين أرض الشهداء) للمؤلف محمد علي الطاهر، والذي روى فيه فظائع الإنجليز واليهود ضد أهل فلسطين.

وفي عام 1936 تأسس بوليس حرس الجامعات ليصبح أداة القسم المخصوص في متابعة النشاط الطلابي بالجامعات. كما تأسس مكتب جديد بالمخصوص سمي “مكتب مكافحة النشاط الصهيوني” بعد اغتيال وزير المستعمرات البريطانية اللورد موين في القاهرة عام 1944على يد أفراد عصابة شتيرن الصهيونية.

ومع تزايد التطور التقني، بدأت خلال هذه الفترة سياسة التصنت على هواتف رجال السياسة من خلال أجهزة تصنت وضعت فوق سطح وزارة الداخلية.

وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، تركز جهد جهاز الأمن السياسي على اعتقال الألمان المقيمين بمصر، ومراقبة البريد، ومراقبة التجارة في المواد التي تدخل في الصناعات الحربية، والتحري عن طالبي الالتحاق بخدمة الجيش البريطاني، والبحث عن أسرى الحرب الهاربين، فضلاً عن مكافحة المقاومة الوطنية، إذ قام ضباط المخصوص بإنشاء جمعيات وطنية سرية لتشجيع الطلبة والشباب على الانضمام لها، مما سهل عليهم معرفة الرموز الشبابية الوطنية والحد من نشاطهم. وكذلك كان القسم المخصوص يبعث تقارير عن تدريبات لجيش المصري وأنشطة جماعة الإخوان المسلمين إلى السفارة البريطانية.

وقد تمحورت تقارير المخصوص حول 4 فئات تمثل تهديدا للنظام من وجهة نظره، وهم: 

  1. الشيوعيون.
  2. المعارضة.
  3. الإخوان المسلمين.
  4. المتطرفون والعناصر الإرهابية.

وعقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وتزايد أعمال العنف السياسي التي نفذها النظام الخاص التابع لجماعة الإخوان المسلمين أرسل الوزير البريطاني تشابمان أندورز رسالة إلى القصر الملكي قال فيها (هذه الأحداث هي النتيجة الطبيعية للسماح لمنظمات مثل الإخوان المسلمين بالخروج عن نطاق السيطرة). فأصدرت الحكومة في عام 1948 عقب مقتل اللواء سليم زكي، قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين، وضبط أوراقها وسجلاتها وأموالها وممتلكاتها. واعتقل جهاز الأمن السياسي قرابة 6 آلاف من عناصر الجماعة، ثم توج جهوده باغتيال مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا في فبراير 1949، بينما عقب وكيل وزارة الداخلية عبدالرحمن عمار على الحادث قائلا (إن الإرهابيين قتلوا شيخهم نتيجة خوفهم من قيامه بتسليم أسمائهم للداخلية). وبحلول عام 1949 كان القسم المخصوص يحتفظ في أرشيفه بأكثر من 150 ألف ملفا شخصيا علما بأن عدد سكان مصر كان يبلغ آنذاك 18 مليون مواطن.

 ومع حدوث انقلاب 23 يوليو 1952 دخلت أجهزة الأمن السياسي في مصر طورا جديدا سنستعرضه في الحلقات القادمة بإذن الله.

المصادر:

  1. عبدالوهاب بكر، أضواء على النشاط الشيوعي في مصر (1921-1950) ط1. دار المعارف، 1983.
  2. أحمد مولانا – كتاب (جذور العداء). ط1، 2013.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *