By / 4 سبتمبر، 2021

المسلمون بين فقه التحرير وفقه التعمير

مقال اعد بموقع  منتدى العلماء

بقلم الشيخ محمد الحسن ولد الددو

 

أولا: التمييز في الحكم بين سياقين

فالجماعات الإسلامية تنجح في امتحان المعارضة، وفي واجبها الدعوي تجاه المجتمع وأسلمة المجتمع بالطرق السلمية، بالطرق الدعوية الإقناعية، كما تنجح بإسقاط الاستبداد أو بتحرير البلاد من الاستعمار، لكن كثيرا ما تفشل بامتحان الدولة، بإدارة الدولة، بإدارة المجتمع، وإن نجحت يكون نجاحا مؤقتا، وكثيرا ما تتعثر ولا تستطيع الاستمرار. ما هو السبب برأيكم شيخنا وما هو هدي الإسلام في هذه القضية؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد، فلابد أولا من التفريق بين الإسلام دينا منزلا من عند الله سبحانه وتعالى مقدسا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، معصوما من التحريف و التبديل و التغيير، نزله الذي علم السر و أخفى، و علم ما يصلح للناس في كل زمان و مكان، و هو مطلع على ذلك لا يتجدد له علم و لا تعروه غفلة و لا نسيان. و بين اجتهادات الرجال و تصرفات الجماعات الأفذاذ، هذه غير معصومة، تكون صوابا في بعض الأحيان و خطأ في بعض الأحيان، وأيضا ليس معيار الصوابية فيها دنيويا متمحضا، مبنيا فقط على مجرد معايير مادية أو على أمور ملموسة، و إنما النجاح في أعمال المؤمن المكلف هو بموافقتها لمقتضى الشرع ونجاحه في أداء الخطاب الذي وجهه إليه بارئه و خالقه سبحانه و تعالى، فإذا نجح في ذلك فلا يهمه ما ترتب على ذلك. و لهذ فإن الأسباب و بذلها من الشرع و نحن مكلفون بذلك، و النتائج و النجاح من القدر و نحن غير مكلفون بالقدر، نحن مكلفون بالشرع لا بالقدر.

و لذلك يجب علينا أن نبذل جهودنا في الأسباب و بعد ذلك ننتظر من الله سبحانه و تعالى الوصول إلى النتائج فهو يقدر منها ما يشاء كالزارع الذي يحرث الأرض لكنه لا يستطيع إخراج البذر بعد أن أدخله في بطن الأرض و هو ينتظر أن يخرجه الله سبحانه و تعالى و ينبته “أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون، نحن قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم و ننشئكم في ما لا تعلمون و لقد علمتم النشأة الأولى أفلا تذكرون، أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون” فهذا أمر الله سبحانه و تعالى، و لذلك فالجماعات الإسلامية مخاطبة شرعا بإقامة دين الله و السعي لإعلاء كلمة الله و السعي لإظهار الحق و إزهاق الباطل، و السعي للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و السعي للاستخلاف في الأرض و القيام بمصالح الناس فيها.

وإذا وصلت إلى الحكم ترتب عليها خطاب جديد و هو تكاليف الحاكم و هي كبيرة لأنه مسؤول عن الرعية كلها، مسؤول عن سعادتها في الدنيا و عن سعادتها في الأخرى و عن حماية البيضة و عن رعايتها و عن تطبيق الحدود و عن عمارة الأرض و عن تأمين الناس على أنفسهم و أموالهم و أعراضهم و عن مصالحهم و حياتهم الكريمة من تعليم و صحة و عيش كريم.

مسؤول كذلك عن توفير حاجيات الناس وتعبيد طرقهم و بناء مرافقهم و غير ذلك من واجبات الدولة، و كلها تكون حملا على أعناق من يمتحنهم الله بأن يوليهم هذا الأمر من المسلمين.

يجب على المكلف إذن أن يؤدي الحقين قبل أن يبتليه الله بأمانة الحكم، فيجب عليه أمانة الاستخلاف في الأرض و عمارتها بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعوة و الجهاد و غير ذلك، و بعد أن يبتلى بالحكم فيجب عليه رعاية مصالح الناس و أن يكون أبا للجميع و راعيا للجميع و مسؤولا عن مصالح الجميع، يؤديها على أحسن الوجوه بكل أمانة و صدق، و لا ينتظر من الناس في مقابل ذلك جزاء و لا شكورا و لا ذكرا بين الناس و إنما يعامل الله سبحانه و تعالى في ذلك.

وما ذكرتم من بعض التجارب التي فشلت، لا أرى أنها كثيرة كما هو في العنوان، فالحركات أو الجماعات التي صلت إلى الحكم لا يمكن أن توصف بالكثرة من الجماعات الإسلامية و بالأخص في التاريخ الحديث. لا يمكن أن توصف بالكثرة و إنما قد وصل بعض الأفراد المنتسبين إلى العمل الإسلامي في بعض البلدان إلى الحكم كليا أوجزئيا، و هذه تجارب بشرية لا تعدو ذلك، قد ينجح الإنسان في بعض الطريق ثم تعرض له نكبة أو أمر في أثناء الطريق يصده أو يصرفه. و ذلك أن الإنسان مخاطب في بناء نفسه بأن يتعلم العلم أولا ثم أن يعمل بما تعلم، ثم أن يدعو إلى ما تعلم و عمل به، ثم أن يصبر على طريق الحق حتى يلقى الله، و لكنه كثيرا ما ينجح في طلب العلم و يفشل في الأداء العملي و الواجبات عليه، و في بعض الأحيان ينجح في العمل و لكنه يرسب في الدعوة ولا ينجح فيها، و في بعض الأحيان ينجح في العلم و العمل و الدعوة و لكنه يرسب في الصبر على الناس و الصبر على أقدار الله سبحانه و تعالى، و كل ذلك بأقدار الله و توفيقه. و لهذا فإن كثيرا من الناس يقومون الدين و ينظرون إليه بتصرفات الأفراد و هذا خطأ لا شك.

 

الدين لا يمكن أن يمثله أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، و هو الذي يمثل الدين لأنه قرآن يمشي على وجه الأرض، و هو معصوم عصمه الله سبحانه و تعالى و جعله أسوة حسنة للمؤمنين جميعا، و جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أما من سواه فهم غير معصومين، يخطئون و يصيبون، و اجتهاداتهم لا يمكن أن تحسب على الدين و إنما هي اجتهادات محسوبة للأفراد، إذا نجحوا فيها فهي لهم و إذا رسبوا فيها فهي عليهم.

و هكذا في تاريخ الأمة نجحت بعض الحركات التي قامت فأدت أدوارا نافعة و أحدثت نقلة نوعية و رسبت أخرى. فمثلا من الحركات التي نجحت في الدعوة و نجحت في إقامة الدولة و في الجهاد حركة المرابطين في بداية القرن السادس الهجري، و استمرت هذه الحركة مدة قرن من الزمان، و نجحت في إقامة الدولة و رعاية المواطنين و الجهاد، و أقامت مشاريع كبيرة، و بعدها جاءت حركات أخرى مثل حركة المرينين أو حركة المهدي بالسودان أو حركة السنوسي في ليبيا أو غيرها، حتى جاءت الحركات المعاصرة، و منها حركات أصلا هدفها غير بعيد فهي حركات تخطط فقط للجهاد ضد المستعمر، و لكن ليس لديها مشروع بعد خروج المستعمر، ماذا تعمل، و ليس في أجندتها أصلا إقامة الدولة. و لاشك أن هذا قصور و أنه يجب أن تكون هذه الجماعات عندما تتحمل المسؤولية قادرة و أن يكون لديها برنامج كامل و رؤية ثاقبة مبنية على أسس سليمة وعلى تفكير قويم، و حينئذ لا شك أن النجاح سيكون حليف من أخذ بهذه الأسباب و أخلص لله سبحانه و تعالى.

 

ثانيا: معايير تقويم العمل بين ميزانين

فالجماعات العاملة في حقلي الدعوة والتدبير مجتهدة تؤجر على اجتهادها، فإن أصابت فلها أجران و إن أخطأت فلها أجر واحد، و تقويم أعمالها لا ينبغي أن يخضع لمعايير دنيوية فقط بل ينبغي أن يكون تقييما وتقويما شاملا، لأن هذا المعيار الدنيوي هو الميزان العالمي لكن ليس هو الميزان الإسلامي فقط، الميزان الإسلامي أهم شيء فيه أن يكون الإنسان أدى ما عليه و قد اجتهد و أدى ما عليه وقدم جهده لإعلاء كلمة الله و إرضاء الله و جعل رضا الله نصب عينيه و لم يتخلف عن ذلك فهذا الناجح، و لو لم يترتب عن ذلك نتائج. الرسول صلى الله عليه و سلم أرسل سبعين من أصحابه يسمون بالقراء و هم من خيرة أصحابه إلى نجد يدعون الناس إلى الإسلام و يعلمونهم الأحكام و لكنهم قتلوا جميعا في بئر معونة. لا يقال إن هذه الغزوة كانت فاشلة و لو قالوا أن هؤلاء اجتهدوا فأخطؤوا لأنهم بذلوا جهدهم و اجتهدوا، أرضوا الله سبحانه و تعالى فرضي عنهم و أرضاهم، و كذلك الأمر وقع مع الأنبياء قبله، فإن نوحا عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما و بذل كل الجهود، إنه قال:

إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، و إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم و أصروا و استكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم بأموال و بنين و يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا، مالكم لا ترجون لله وقارا و قد خلقكم أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا و جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا و الله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها و يخرجكم إخراجا و الله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا

و بذل هذا الجهد و مع ذلك قال الله: “و ما آمن معه إلا قليل”. لا يمكن أن يقال إن نوحا فشل في دعوته، لأنه فعلا لم يترك أي سبب يؤدي إلى النجاح إلا عمله. ولذلك بعض الناس يتعجل و تكون المعلومات ناقصة لديه فيحكم أن الجماعة الإسلامية فشلت في مشروعها و أنها لم تقم بواجبها وأنها قصرت لأنه غير مطلع على ظروفها و واقعها و ما بيدها، لأنه قد يخفى عليه الكثير من الأمور التي هي معطيات لهذا الحكم و أساسيات له، يحكم بفشل قوم نجحوا عند الله سبحانه و تعالى و تقبلهم وتقبل جهدهم و جهادهم، وكانوا عند الله بأعلى الدرجات لأنهم بذلوا لله ما يستطيعون و تقبل الله منهم، فالله سبحانه و تعالى يعامل عباده باللطف و بالشكر فهو الحميد الشكور سبحانه و تعالى. و من عامل الله سبحانه و تعالى بهذه المعاملة و أخلص لله سبحانه و تعالى، وبذل الأسباب و لم يقصر فهو ناجح سواء أوصل إلى مبتغاه أو لم يصل.

 

ثالثا: تدبير الدولة بين زمنين

إدارة الدول تختلف فلكل زمان واجبات و للمواطنين حاجيات بحسب المستويات، و هذا يختلف من زمان إلى زمان و من مكان إلى مكان و لهذا حصل في زمان الخلفاء الراشدين من الضرورات ما لم يكن في العهد النبوي واجتهد الصحابة الكرام، و وصلوا باجتهادهم إلى أمور في سياسة الدولة لم تكن في العهد النبوي، فأصلا نصب الخليفة هذا أمر كله غير مغطى بالنصوص و إنما هو مجرد اجتهاد بشري أقدم عليه الصحابة الكرام، و كذلك الديوان و جعلوا الدواوين مكان العاقلة، هذا كان اجتهادا من عمر بن الخطاب و كذلك تمصير الأمصار، فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يبني أي مدينة جديدة و لم يبني أي مصر و الدولة الإسلامية اضطرت إلى ذلك فبنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه البصرة و الكوفة ومصر الأمصار. و هكذا في عهد الخلفاء الراشدين حيث حدث كثير من الأشياء لم تكن موجودة كبيت المال لم يكن موجودا في العهد النبوي و إنما بدأت بدايات وجود في أيام أبي بكر و كذلك جمع القرآن في أيام أبي بكر و كتابة المصحف و توزيعه و نشره في أيام عثمان وكذلك ما يتعلق بالفتن الداخلية و القضاء عليها كما كان في أيام علي رضي الله عنه، لم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

من حِكم الله فيما حصل في خلافة علي رضي الله عنه من الحروب الداخلية أن نعرف أحكام هذه الحروب لأن الله علم أن المسلمين سيقتتلون فيما بينهم و لو لم يقع ذلك في أيام الصحابة و أهل الاجتهاد لما عرفنا هذه الأحكام”.

وهذه الأحكام عرّفها علي رضي الله عنه و أعلن عنها فقد نادى مناديه: “ألا يُتبع منهزم و ألا يجهز على جريح و ألا تسبى سبية و ألا تغنم غنيمة”.

وقال للخوارج:

إن لكم علينا ثلاثا ألا نبدأكم بقتال ما لم تقاتلونا و ألا نمنعكم من مساجد الله ما صليتم إلى قبلتنا و ألا نمنعكم نصيبكم من الفئء مادامت أيديكم مع أيدينا

هذه أحكام لم نكن لنعرفها نحن وإنما عرفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه والصحابة الكرام معه فأصبحت أصلا يقاس عليه ما سواه، و لهذا ذكرت أن من واجبات الدولة قضية المستشفيات و الدراسة و التعليم و تعبيد الطرق و إقامة الجسور و بناء الجامعات و المستشفيات و غير ذلك، ببناء الأسواق مما لم يكن في العهد النبوي و لا في عهد الراشدين و إنما بدأ ذلك في أيام بني أمية و بني العباس و بني عثمان و قد قال الشاعر:

وأنشأت مدرسة و مارستانا “لتصحح الأديان و الأبدانا، “المارستان” المستشفى، “لتصحح الأديان و الأبدان” كان هذا في أيامهم، و لكن ازدادت أيضا تكاليف الدولة الحديثة ببناء الجيوش و بناء الأمن و بناء المؤسسات و ضمان الحريات العامة و كفالتها للناس و بناء المرجع الذي هو العقل الاجتماعي و هو الدستور الذي يحتاج إليه كل نظام يقوم اليوم و لو لم يكن ذلك متأتيا في أيام الدول السابقة فأصبح كل ذلك من ضرورات الدول المعاصرة.

 

رابعا: الجماعات الإسلامية بين فقهي التحرير والتعمير

بالنسبة للتحرير أن يسعى الإنسان لإزالة الطغيان سواء كان كفرا أو استبدادا بالتي هي أحسن و له فقه معين و هو فقه التزام المقدور عليه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، و بذل الجهد الذي يشترك فيه الشعب كله لأن المصلحة للجميع و لذلك لا يقصى أحد من ذلك. أما الأمر الثاني و هو بناء الدولة فلا بد لمن ولاه الله الأمر أو قدر على التولية ألا يحرص على التولية و إنما يكون ذا مشروع يريد الإصلاح به “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت

 

و هذا المشروع يكون لمصلحة الناس بصلاح دينهم و دنياهم و أخلاقهم و قيمهم و ضمان العيش الكريم لهم و ضمان حرياتهم و عدم التعرض لهم بما ليس بلازم شرعا و عمارة أرضهم على أحسن الوجوه، فإذا قصر الحاكم في ذلك فلم يبني أرضه على أحسن الوجوه و لم يبني وطنه و لم يجعل الناس يعيشون عيشا كريما تعليما و صحة و حضارة و ماديات و مصانع و غير ذلك فهو لا شك آثم إثما غليظا و عقوبته أكبر من عقوبة غيره لأنه تولى هذه المسؤولية العامة و وضع يده على المال العام و على أملاك الناس و على مصالحهم، فيجب عليه أن يقدم فيها نفعا عاما على مستوى هذه الولاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • المصدر: موقع منار الإسلام. (تلخيص حلقة من برنامج “ليتفقهوا في الدين” الذي يبث على قناة قاف التفاعلية الشيخ العلامة الحسن ولد الددو الشنقيطي.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *