By / 11 نوفمبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن (الحلقة 9)

خلال السنوات الأخيرة من الجهاد ضد الشيوعيين، فقدت العديد من مجموعات طلبة العلوم الدينية طالبان السيطرة وتشظت، وقد غادر الملا عمر وأبرز رفاقه مجموعة فيض الله أخوند زاده. وبعد فترة وجيزة أجبره أصدقاؤه على تكوين مجموعة قوية منالمجاهدين. فأسس قاعدة صغيرة في منطقة أداي في سانجيسار على طريق قندهار هرات. ونجح الملا عمر في تغطية النفقات من خلال الأموال التي قدمها أصدقاؤه المجاهدون وعدد قليل من المتبرعين إلى أن سجل هذه المجموعة الجهادية في حركة الانقلاب الإسلامي. لكن الحقيقة هي أنه خلال الجهاد ضد الشيوعيين لم يلتق الملا عمر بمولوي محمد نبي محمد ، ولم يذهب إلى باكستان للحصول على الأسلحة. ونُقل خلال حياته مرة واحدة فقط إلى كويتا بباكستان لعلاجه من الإصابة في عينه، وعاد إلى قندهار بعد ذلك. وكانت هذه هي زيارته الأولى والأخيرة إلى باكستان. لكن قلة من أفراد عائلته يزعمون أنه زار باكستان أربع مرات خلال الحرب الأفغانية السوفيتية“: مرة واحدة للعلاج، ومرة ثانية لتسجيل مجموعته ضمن المجموعات الجهادية، وزيارتين لرؤية أصدقائه المصابين، والله أعلم بمدى صحة ذلك.

نهاية الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي

بعد سقوط حكومة نجيب عام 1992 وبدء الحرب الأهلية، ألقى الملا عمر والمجاهدون الصادقون الآخرون أسلحتهم، وأنشأوا مدرسة دينية بالقرب من مسجد حاج إبراهيم في قرية جشانو بمنطقة سانجيسار بمديرية داند. واستأنف الملا عمر في هذه المدرسة تعليمه الديني الذي لم يكمله مع عدد قليل من أصدقائه المجاهدين. فدرس كتاب الحديث النبوي “مشكاة المصابيح” لكنه لم يتمكن من قراءة المزيد من كتب الحديث. كما أعطى دروس تلاوة وتجويد قرآن لأصدقائه حيث كان خبيرا في التجويد. وكان الملا عمر حينها مدرسًا وطالبًا ومؤسسًا ومديرا للمدرسة صغيرة.

يقول الملا جول آغا (عضو مجلس شورى حركة طالبان، ورئيسلجنة الشؤون الاقتصادية بطالبان)، وهو مجاهد وصديق للملا عمر في مدرسته الدينية: كان هناك 32 طالبًا يعيشون مع الملا محمد عمر في مدرسة سانجيسار ، ومن بين هؤلاء الطلبة:(الملا عبد الغني برادار، ملا يارانا، الملا سيف الله، الملا سعد الدين مقيم في باغران بهلمند“، الملا عبد الظاهر، الملا أختر محمد، ملا باري، الملا عبد الكريم، قاري عبد السلام، الملا غلام محي الدين،ملا عبد العلي، الملا عبد الباري، الملا عبد القيوم، الملا عبد الغفور، مولوي عبد الرحمن، عبد المنان شقيق الملا عمر“، الملا عبد السلام، الملا غازي، الملا سردار محمد، الملا ظريف، الملا دارو خان ​​من مايواند، جول الملا جمعة خان، الملا جنان، الملا سعد الله).  أما المعلمون في المدرسة فكانوا: مولوي عبد الحبيب، مولوي عبد الرحيم، مولوي عبد الرحمن، مالانجانو مولوي صاحب.

عندما تصاعدت وحشية المسلحين، كان الناس يبحثون عن موقفطلبة العلم من هذه القسوة، وعن أسباب صمتهم تجاه هذه الوحشية التي انتشرت في كل من المدن والمناطق النائية. وفي تلك الآونة عومل المسافرون على الطرق السريعة الرئيسية التي تربطهلمند قندهار وقندهار – بولداكمعاملة سيئة للغاية. وتسببت تلك السلوكيات الإجرامية على الطريق السريع بين هلمند وقندهار في العديد من المشاكل لأشخاص يعيشون بالقرب من مكان إقامة الملا عمر.

من مايواند حتى مدينة قندهار برز داوار خان، وصالح، ونادر جان كقادة متوحشين للغاية حيث عاملوا المسافرين معاملة سيئة للغاية وشكلوا تهديدًا كبيرًا على أعراضهم وممتلكاتهم. كما عُرف منصور وبارو كقادة قاسيين في مناطق إنزارجي وغزنة وتانجي وتخت إيبول على طريق بولداك قندهار. فمنصور كان قائداً سابقاً لقائد الميليشيا الشهير عصمت مسلم، وحظي بدعم العديد من الشيوعيين السابقين وأبناء قبيلة أشكزاي بسبب الروابط القبلية.

بمبادرة من الملا عمر في يونيو 1994 عُقد اجتماع في مسجد المجاهد السابق الحاج غوث الدين شارك فيه علماء مسلمون من المناطق المجاورة ومديرو مدارس ومعلمون وأئمة. وكان من بين الحضور مولوي السيد محمد الذي ظل قاضيًا لمجاهدي المنطقة،وكان معروفًا باسم مولوي باساناي، ومولوي عبد الحكيم (المعروف باسم الشيخ عبد الحكيم) الذي أصبح لاحقا عضوا في مجلس شورى حركة طالبان والمسؤول عن ملف القضاء، وخلال الاجتماعقرر المشاركون بدء حركة إصلاحية ضد إجرام المليشيات. وطُلب من مولوي سيد محمد قيادة هذه الحركة لكنه رفض، وانتهى الاجتماع دون نتيجة، وفي اليوم التالي زار الملا عمر رفقة صديقه الملا عبد الصمد عدة مدارس مختلفة للحصول على دعم للمشروع المأمول.

لكن يقول الملا جول آغا إن الاجتماع الأول عُقد في مسجد حاجي غوث الدين، وأن مولوي باساناي لم يكن جزءًا من هذا الاجتماعالذي طالب الحاضرون فيه بمن فيهم الملالي وشيوخ العشائر ومدراء المدارس المحلية باتخاذ خطوات لوقف الممارسات الوحشيةللمليشيات، لكنهم اقترحوا على الملا عمر الحصول على فتوى منقاضي المنطقة المفتي السيد محمد باساناي.

وبحسب الملا جول آغا فقد تقرر في الاجتماع أن يتشاور الملا محمد عمر مع مولوي باساناي بشأن صدور فتوى بالجهاد ضد هذا القهر والطغيان. كان مقر مولوي باساناي بالمحكمة الواقعةفي قرية زانجياباد. فأعطى الحاج بشار الملا عمر وصديقه مولوي عبد الصمد سيارة وسائق توجهت بهما إلى المحكمة حيثانتظرا هناك حتى بعد الظهر ثم اجتمعا مع مولوي باساناي، وأطلعاه على تفاصيل الاجتماع في مسجد الحاج غوث الدين، فقال باساناي إنه سيدعو عددًا قليلاً من العلماء المسلمينللتشاور معهم ، وطلب منهما الاتصال به مرة أخرى في اليوم التالي، فذهبا إلى قائد المنطقة الملا جول أخوند، وأمضيا الليلة معه.

في اليوم التالي ذهبا إلى المحكمة حيث دعا مولوي باساناي ثلاثة علماء آخرين للتشاور معهم، وهم: مولوي عطا محمد أخوند زاده، ومولوي شاه محمد ، ومولوي عبد الخالق. وبناء على إجماعهم، أبلغوا الملا عمر أن الجهاد واجب في الظروف الحالية، وأن هناك حاجة ماسة للتحرك ضد عناصر المليشيات وجرائمهم. لكنهم قالوا إنه لا يمكنهم إصدار فتوى مكتوبة لأن عناصر المليشيات سيفتكون لو أصدروها في ظل عدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم كما قالوا للملا عمر إنك أيضا ليس لديك قوة عسكرية للتحرك ضد المليشيات، فقال لهم الملا عمر: سنبدأ جهادنا وإذا نجحنا فعليكمأن تدعمونا وتعطونا فتوى، وإذا فشلنا أو استشهدنا فلن يضايقكمأحد.

إلى جانب مولوي عبد الصمد انضممت إلى الملا عمر الذي أراد زيارة المدارس الدينية وإقناع طلبة العلوم الدينية بالجهاد، فذهبنا إلى بانجواي واجتمعنا مع الملا محمد أخوند (الذي أصبح فيما بعد قائدًا عسكريًا لطالبان)، ومعلم بديع قائد المنطقة” وحاجي توراك آغا (حاكم خوست في عهد نظام طالبان، والذي ترأس فيما بعد الهلال الأحمر) حيث وعدنا بتقديم دعمه الكامل. وخلال التجوال قال سائق الحاج بشار نورزاي إنه متعب ولا يمكنه القيادة إلى قرية غوشاك جارجا فطلب الملا عمر الذهاب إلى غرفة الضيوف الخاصة بي ونقل تحياتنا إلى الملا برادار أخوند، وإخباره بأننا بدأنا عملنا. ومنذ ذلك الوقت بدا أن الملا عمر هو القائد والملا عبد الغني برادار نائبه.

ذهب الملا عمر ومولوي عبد الصمد إلى مجلس سروار ماما الذي أعطاهما دراجة نارية كما زارا مدارس مختلفة بما في ذلك مدرسة مشان الواقعة في قرية قريبة من قرية الملا عمر، ومدرسة الحاجأختر محمد في قرية طالقان، ومدرسة الحاج قدير آكا حيث أعطىالشيخ مولوي عبد الحكيم دورات دينية قصيرة، ومدرسة الحاج حافظ مجيد في قندهار( قائد الشرطة في عهد نظام طالبان) في قرية زانجياباد حيث يعيش طلبة علوم دينية آخرون أيضًا.

في كل لقاء ألقى الملا عمر كلمة مكتوبة شرح فيها ضرورة الجهاد ووجوبه، وطالب الطلبة بالاستعداد للجهاد، وأصر على البدء به فورًاقائلا: لا ينبغي لأحد أن يكون له عذر في الانشغال بالدراسات الدينية وعدم الانشغال بالمصابين والشهداء. وقال كذلك لا توجد لدي موارد مالية وعليكم جميعًا أن تدعموني على أساس الثقة بي. وقد وافقت قلة قليلة من طلبة العلوم الدينية على الانضمام إلى الملا عمر وفق هذه الشروط الصارمة.

وافق حوالي 54 طالبا من مدارس مختلفة، ودعاهم الملا عمر للحضور إلى مدرستنا في اليوم التالي لكن بعد تفاعلهم مع ما سمعوه جاءوا إلى مدرستنا في الساعة الواحدة صباحًا. وقد رآهم الملا عمر في صلاة الفجر. وبعد أن أم المصلين في الصلاة سألني كيف أنقل هؤلاء الطلبة خلال التحرك فقلت له يجب أن نطلب مساعدة الحاج بشار فأرسلنا الملا سيف الله أخوند إلى الحاج بشار على الدراجة النارية التي أعطاها لنا سروار ماما. فاستجاب الحاج بشار وقدم لنا سيارة بيضاء رباعية الدفعوشاحنة تويوتا طراز هينو. وكان عنده أيضًا المعلمان سناء الله ومحمد نبي. ولم يسترجع الحاج بشار تلك المركبات قط.

توجه طلبة العلوم الدينية “طالبان إلى كشكيناخود عاصمة مديريةمايواند، ولم يكن مع الطلبة آنذاك سوى خمسة أسلحة عبارة عنثلاثة بنادق كلاشينكوف ورشاشان ثقيلان. تركنا الأسلحة لحماية المدرسة، وذهبنا إلى مايواند بالسيوف والعصي كما قمنا ببناء غرفة في المدرسة، وأقمنا نقاط تفتيش أمنية بالسلاسل على كل جانب من جوانب السوق. وخلال التفتيش الأمني ​​قص الطلبة شعر المقاتلين المتوحشين التابعين للمليشيات.

في اليوم الثاني قدم لنا الحاج بشار 20 سلاحا وثلاثة ملايين من النقد الأفغاني. كما قدم الزعيم القبلي بالمنطقة الحاج بورجيت آكاخمسة عشر سلاحًا بما في ذلك مدفع رشاش بعيد المدى. وفي اليوم الثالث، تجمع ثمانون مسلحون من الطلبة تحت قيادة الملا عمر من ضمنهم الملا برادار وأصدقاء آخرين أكبر سناً. كانت معيقاذفة صواريخ وثلاثة صواريخ. وتحركنا من مايواند إلى مسجد منطقة باشمول وزير الساعة 1 صباحًا. وقد استيقظ مولوي خوش ديل لأداء الصلاة في وقت متأخر من الليل، وقال إنه بما أننا كنا متعبين فسوف يؤدي هو مهام الحراسة حتى الصباح.

في الصباح أرسل الملا عمر مجموعة من الطلبة بقيادة الملا برادار إلى أحد جوانب الطريق السريع، بينما كانت مجموعة الملا الشهيدرحمة الله أخوند والقادة الملا عبد الواحد أخوند والملا مشار على مقربة في الجانب الآخر، ووقع تبادل لإطلاق النار لكن لم تقع إصابات. وفي المساء اتخذ الملا برادار موقعه على الطريق السريعثم جاء مسلحون من المليشيات (توباكيان) يركبون سيارة أخذوها بالقوة من المواطنين، فجرى أسرهم من قبل طالبان. وخلالتفتيشهم ضُبطت بعض المشروبات الكحولية والرصاص فيالسيارة لكن هرب المسلحون في وقت لاحق.

في الليل جاء أصدقاء سر كاتب (القائد العام لقندهار آنذاك) واندلعت المعركة مرة أخرى في الصباح مع صياح المسلحين عند نقطة التفتيش بأنهم رجال سر كاتب، وبعد تبادل لإطلاق النارأخليت أيضا ستة حواجز تابعة للقائد صالح. وأصيب الملا داد الله قائد الطلبة في ذلك اليوم، وكان أول رجل يُصاب من حركة طالبان.

كان للشيخ القبلي الشهير دارو خان ​​من منطقة الصولغة ثلاث نقاط تفتيش غير قانونية، وطلب منا ممرًا آمنًا وفرناه له، فغادررجاله الحواجز دون مقاومة. وفي ذلك الوقت جرى تقسيم طالبان إلى أوطاق مختلفة (عدة مجموعات مسلحة) يتراوح عددها من أربعة إلى خمسة أوطاق. وكان دعم المواطنين وسعادتهم ملموسين، وأخذ عدد عناصر طالبان يزداد كل يوم، وزادت أعداد ومعنويات طالبان أكثر بعد انضمام الملا محمد رباني أخوند (شغل منصب رئيس وزراء حكومة طالبان ونائب الملا عمر قبل وفاته بورم سرطاني) والملا محمد عيسى أخوند.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *