By / 4 يناير، 2020

وقفات مع حادث استهداف الجنرال قاسم سليماني

بدأ عام 2020 بداية ساخنة باستهداف الطيران الأميركي لقائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. وقد أثار الحادث ردود فعل متباينة في الأوساط الإسلامية السنية، فالكثيرون فرحوا بمقتل سليماني وركزا على دوره في مساندة نظام بشار الأسد في سوريا، ودعمه للمليشيات الطائفية في العراق ومجازرها ضد السنة. وعلى الجانب الآخر نعت عدد من الفصائل الفلسطينية سليماني، وأثنت على جهوده في دعم المقاومة الفلسطينية بالسلاح والذخيرة والتدريب في مواجهة المحتل الصهيوني.

وسط هذا الجدل، من المهم التأكيد على عدة أمور تتجلى مع حادث تصفية سليماني.

جاء حادث استهداف الجنرال قاسم سليماني من قبل واشنطن بعد فترة وجيزة من مقتل خصمه اللدود زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبوبكر البغدادي على يد واشنطن أيضا. وهو ما قد يشير إلى أن قرار تصفية سليماني اتُخذ بعد نجاح عملية تصفية البغدادي، فحسب بعض المصادر، فإن كلا من طهران وواشنطن تكون لديهما معلومات مسبقة عن أي زائر رفيع المستوى لمطار بغداد. وعلى هذا المنوال كان سليماني يزور العراق بعلم واشنطن طوال السنوات الأخيرة لتنسيق عمليات وأنشطة الحشد الشعبي ضد تنظيم الدولة. وبالتالي لم يكن سليماني يأخذ إجراءات أمنية احترازية مشددة أثناء وصوله أو مغادرته لمطار بغداد. وقد جاء حادث الاستهداف الأخير كمفاجأة غير متوقعة للجانب الإيراني، وكخرق لأعراف متفق عليها ضمنا بين إيران وأميركا، وفي هذا السياق يُمكن فهم تصريح عدد من المسؤولين الأمريكيين بأن قواعد اللعبة تغيرت.

والشاهد من هذه النقطة أنه مع زوال وتراجع تهديد تنظيم الدولة، حان من منظور أميركي تقليم أظافر الحشد الشعبي، وحلفاء إيران بالعراق، وإيران نفسها.

والطريف أن الحشد الشعبي الذي يضم قرابة 62 فصيلا شيعيا، يُعد حسب قرار رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي كيانا تابعا للقوات المسلحة العراقية، لكنه قائم بذاته وله هيكلته الخاصة، وتموله الدولة العراقية حيث بلغت ميزانيته المعلنة مليار دولار سنويا. وقد شغل جعفر إبراهيم الشهير بأبي مهدي المهندس منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي. أي أن حادث القصف الأميركي يعد رسميا استهداف لجزء من الجيش العراقي. وهو ما يضع النظام العراقي الحالي بأكمله في مأزق، ويظهره كنظام لا وزن له ولا سلطة له حتى على عاصمة بلده.

طهران تكسب طائفيا وتخسر استراتيجيا

وترى طهران أنها حققت مكاسب استراتيجية من خلال تدخلها لدعم نظام بشار في مواجهة الثورة السورية، حيث دعمت حليفها التاريخي الذي وقف بجوارها أثناء حربها مع العراق (1980-1988)، كما حافظت على خط إمدادها لحزب الله اللبناني، وامتد نفوذها إلى مياه البحر المتوسط، وصارت تهدد السعودية من الجهة الشمالية، مثلما تهددها من الجهة الجنوبية باليمن، وقوضت خطر التنظيمات السنية المسلحة رغم تكبد طهران لخسائر باهظة في سوريا والعراق على يد الفصائل المناوئة.

ورغم ما سبق، فقد خسرت طهران خسائر استراتيجية فادحة. فتمددها بالمنطقة عقب موجة الثورات المضادة حدث في ظل تغاضي أميركي، ثم مع زوال خطر تنظيم الدولة وغيره من التنظيمات السنية المسلحة، أرادت أميركا منع إيران من ترسيخ مكاسبها، ومن ثم تصاعدت الضغوط الأمريكية الاقتصادية على طهران كما بدأ القصف الإسرائيلي يتزايد مؤخرا على معسكرات وتجمعات المليشيات الإيرانية والحليفة لإيران في العراق وسوريا، ثم دخلت أميركا على الخط المباشر مؤخرا بقصفها 5 مواقع للحشد الشعبي بالعراق وسوريا ثم بلغ التصعيد ذروته باستهداف سليماني والمهندس ورفاقهما.

في المحصلة خسرت إيران الكثير إن لم يكن جل رصيدها في الوسط السني. فعلى سبيل المثال، بعد أن استثمرت إيران لعقود في حزب الله اللبناني الذي نجح سابقا في إبراز نفسه كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وحاز شعبية واسعة وصلت حد تعليق صور أمينه العام في شوارع عدد من الدول العربية مثل مصر أثناء حرب عام 2006 مع إسرائيل، وصولا لوصفه من قبل بعض السنة بأنه صلاح الدين المعاصر، تبدد كل ذلك مع انخراط الحزب في القتال بسوريا في صف نظام السفاح بشار الأسد، وتغيرت النظرة العامة للحزب، حيث صار في أعين الشارع السني حزبا طائفيا، وتحول وصف حسن نصر الله من سيد المقاومة وصلاح الدين إلى حسن زميرة قائد حزب اللات أو حزب الشيطان كما يحلو للكثيرين وصفه.

وفي الإطار الأوسع تبددت وتبخرت شعارات الثورة الإيرانية التي تزعم أنها ثورة المستضعفين ضد الاستكبار العالمي، وتلاشت صيحات (الموت لأميركا) على وقع قمع المستضعفين في الشام والعراق، والتعاون مع أميركا في العراق.

إن إيران الثورة تواجه اليوم تحديات خطيرة تهدد نظام الملالي نفسه في ظل التربص الأميركي الصهيوني به. حيث انخرط في حروب طائفية قوضت مشروعيته في العالم الإسلامي، وهو ما تجلى في فرح الجماهير بمقتل سليماني بدلا من أن تحتفي به أو تحزن عليه.

إن إيران متى غلبت مصالحها القومية والاستراتيجية الأوسع على حساب المصالح الطائفية الضيقة ستجد تفاعلا ايجابيا في أوساط الشعوب المسلمة، وبالأخص ممن يؤمنون حقا برفض التبعية لقوى الاستكبار والبغي العالمي.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *