By / 2 ديسمبر، 2021

الحلقة الثانية عشر من مذكرات الملا عبدالحي مطمئن

معركة غزنة

في منتصف نوفمبر 1994، سيطرت طالبان على قندهار، ومن ثم بدأت في تركيز جهدها للاستيلاء على هلمند وزابل. كان الهيكل التنظيمي لطلبة العلوم الدينية “طالبان” في هذه المقاطعات أقدم بثلاث سنوات من نظيره في قندهار، وبدأ الطلبة في العمل لتطهير المنطقة بعد أن ألهمتهم الأحداث التي وقعت في قندهار. وتمتع معظم قادة الأحزاب المسلحة بهلمند وزابل بعلاقة جيدة مع قادة الطلبة وعاملوهم باحترام.

عينت طالبان قادة لمعظم مقاطعات ولاية غزنة، وبعد فترة وجيزة من السيطرة على قندهار رتبوا اجتماعًا في مديرية الزراعة بغزنة، حيث كان رئيس المديرية من أنصار طالبان. وحضر الاجتماع قادة طالبان بغزنة من مختلف المقاطعات، بما في ذلك زعيم مقاطعة “واغاز” الملا شهاب الدين ثاقب، ومولوي عبد الوكيل من شالجار ، وقائد مقاطعة “خوجياني” قاري حضرة محمد ، والملا محمد إسحاق أخوند زاده من قراباغ، والملا عبد المنان من أوباند، والملا محمد شفيق من مقاطعة “مقور”، وقائد طالبان بمقاطعة “جيلان” الملا عبد الغفار. وقد حددوا المجتمعون هيكلهم التنظيمي على أنه لجنة تمثيل لقادة طالبان المذكورين، ومن ثم دعوا الملا السيد أحمد شهيد للحضور كممثل لمدينة ومركز غزنة.

قررت اللجنة أن يلتقي الأعضاء وأصدقائهم والطلبة في مقاطعة جيلان بولاية غزنة لعقد أنشطتهم. وهي مقاطعة تقع بالقرب من طريق زابل السريع، كما نشطت طالبان في مقاطعة شاه جوي القريبة التابعة لولاية زابل. وأراد قادة الطلبة تحقيق انسجام فيما بينهم في هذه المناطق المجاورة. وتجمع أعضاء اللجنة في “جيلان” وقرروا أولا جمع الأسلحة، ثم مهاجمة نقطة تفتيش في سوق “جيندي” على الطريق السريع، لكن أُخليت النقطة قبل شن الهجوم. ثم أرسلت اللجنة وفدا إلى مقاطعة “نوى” التي كانت آنذاك تحت سيطرة قائد “حركت” الملا فيض الحق الذي رحب بالطلبة ودعمهم.

حولت اللجنة تركيزها إلى مقاطعة “مقور”، وعقدت اجتماعا ضخمًا في المسجد الرئيسي بسوق مقور، ودعي جميع قادة المقاطعة إلى حضور التجمع حيث حضر ياوار، والحاج فضل التابعين لحزب الجبهة الإسلامية الوطنية بقيادة أحمد جيلاني، وحبيب الله جان والملا نظام الدين من حركة الانقلاب الإسلامي “حركت” التابعة لمولوي محمد نبي محمدي، وشير خان التابع للجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني، وتعهدوا بدعم الطلبة. والشخص الأبرز من بين الحاضرين هو القائد حبيب الله الذي كان يسيطر آنذاك على مركز المقاطعة والسوق الرئيسي.

بتشجيع من القائد العسكري “خيال محمد” التابع لقاري بابا، رحب حبيب الله جان بطالبان. في البداية ، تمركز الأفراد المسلحين من طالبان غزنة في مركز الملا نظام الدين ثم انتشروا بالمقاطعة. وعندما سلم حبيب الله جان المقاطعة إلى طالبان، استمر عدد قليل من القادة في تقديم الأعذار لتجنب تسليم الأسلحة، فهاجمت مجموعات صغيرة من طالبان مراكزهم، وأخليت دون مقاومة.

لعب الملا محمد جول جوزجاني والملا فيروز دورًا رئيسيًا ضمن هذه المجموعات الصغيرة. كان الملا محمد جول نيازي من البشتون من ولاية جوزجان الكائنة بشمال البلاد، لكن عائلته هاجرت إلى غزنة في عهد الملك ظاهر شاه. وكان الملا جول نيازي مقاتلاً شجاعًا وخبيرًا قاتل النظام الشيوعي أثناء عمله تحت قيادة مجموعات مولوي جلال الدين حقاني.

بعد أن استولت طالبان على مركز مقاطعة مقور بغزنة، دعا تاج محمد الشهير بقاري بابا، وهو قائد قوي في غزنة، طالبان للتفاوض. في ذلك الوقت كان قاري بابا يسيطر على مركز ولاية غزنة ومنطقة شالجار، فضلاً عن نفوذه في مقاطعة جواراه.

التقى وفد من طالبان غزنة بقيادة الملا شهاب الدين ثاقب مع قاري بابا عند نقطة تفتيش تابعة لأحد داعمي طالبان، ويُدعى بير محمد في ناناي بالقرب من مدينة غزنة. وروى قاري بابا قصصًا عن جهاده وحبه وصداقته مع طالبان، وقال إنه هو نفسه طالب علوم دينية من عائلة عالم إسلامي. عرضت طالبان عليه أن يدعمها كما دعمها الملا نقيب الله في قندهار، وتوصلوا إلى اتفاق على أنه إذا هاجم أتباع حكمتيار “قاري بابا” فإن طالبان ستدعمه، وإذا هاجم أنصار الحزب الإسلامي طالبان، فإن قاري بابا سيوقفهم.

في ذلك الوقت كان هناك نزاع بين قادة مجلس الولاية، فكل من الملا جول محمد والقائد خيال محمد والقائد الشيعي الشهير لحركة محسني[1] الدكتور شاه جهان دعموا حركة طالبان فيما عارض آخرون الحركة. وكشف أنصار طالبان في اجتماعات المجلس عن الخطط الموضوعة ضد طالبان. كما جرى إنشاء مجلس يسمى مجلس العلماء في ذلك الوقت برئاسة الملا عبد الحكيم من قراباغ ، والد زعيم طالبان في قراباغ الملا إسحاق، وهو عالم موثوق تخرج من نور المدارس[2].

أرسل هذا المجلس وفدا للتباحث مع الحركة التي تأسست مؤخرا، وعقد اجتماعا مع طالبان في جاندا بالقرب من مركز طالبان الرئيسي في جيلان. وضم الوفد المهندس المتوفى لاحقا عبد الله جول ريان والملا حضرة جول. و بعد عودتهم أرسلوا الملا حضرة جول إلى بيشاور للتباحث حول الأمر مع زعيم “حركت” مولوي محمد نبي.

في غزنة، كان هناك نوعان من المجموعات – أحدهما كان مع مولوي محمد نبي منذ البداية ، والمجموعة الثانية تابعة للملا منصور. ومن بين عناصرها الأفراد الذين انضموا إليه بعد انفصاله عن جماعة “حركت” بقيادة مولوي محمد نبي.

بعد توقف تزويد مجموعة الملا منصور بالسلاح، انضم العديد من أتباعه إلى تنظيمات أخرى ، مثل قاري عبد الله من جنة أباد، أمير مقاطعة “واغاز” الملا فخر الدين، الملا جول محمد، الملا عبد البصير من مركز الولاية. لكنهم جميعاً اتبعوا أمير “حركت” الملا محمد نبي في الشؤون الدينية والحساسة. وقد أرسل مولوي محمد نبي رسائل إلى جميع قادته البارزين بمن فيهم قاري بابا، عبر الملا حضرة غول وآخرين يحثهم فيها على دعم طالبان دون أي شروط مسبقة.

وبعد اجتماع مطول مع وفد طالبان، أرسل مجلس علماء غزنة المؤسس حديثًا وفداً إلى قندهار للقاء الملا عمر. وترأس الوفد الملا عبد الحكيم يرافقه قادة طالبان من اللجنة المؤسسة بغزنة، وقادة طالبان بمقاطعات ولاية غزنة.

وفي نهاية شهر نوفمبر جرى إرسال قوات عسكرية جديدة من قندهار إلى مركز ولاية زابل. كان الملا محمد عمر مشغولاً في المفاوضات مع القادة الداعمين لطالبان في أوروزغان حيث أعد خططاً لتطهير أوروزغان بالكامل. وآنذاك كان الصراع مع غفار أخوند زاده في هلمند لا يزال دون حل. وزار الوفد المذكور قندهار حيث استقبله واستضافه عضو المجلس الأعلى  لطالبان إحسان الله إحسان ، وبقي الوفد في قندهار عدة أيام للقاء الملا عمر.

عندما عاد الملا عمر من أوروزغان التقى بالوفد واتفقا على العمل سويًا. وقال الملا عبد الحكيم للملا عمر إنه لوقف الدعاية المضادة والعمل على تأسيس مجموعات جديدة “أعطني يدك لأبايعك”. وفقًا لمعلوماتي، كانت هذه أول بيعة في الحركة، وقبل ذلك لم تكن طالبان أبدًا تنظر إلى هذا التقليد.

أقسم الوفد على ولائهم لطالبان. وقبل مغادرتهم ، أخبرهم الملا إحسان الله أن  الملا عمر حزين لأن مجموعات طالبان المرسلة من قندهار  لا يجب أن يتخطى بعد مقاطعة مقور ، لأن طالبان في غزنة تواجه مجموعات معارضة مختلفة مثل حزب الوحدة الشيعي، وأتباع حكمتيار، وقاري بابا الذي لا يزال ينسق مع غفار أخوند زاده الذي لازالت طالبان في صراع معه.

كان وفد مقاطعة مقور لا يزال في قندهار عندما هاجم عدد قليل من طالبان بمن فيهم السيد أحمد شهيد خيل ومحمد جول جوزجاني نقطة تفتيش سيئة السمعة. وبعد التغلب على مقاومة صغيرة، أُخليت نقطة التفتيش، وهرب القائد التابع للجمعية الإسلامية نجي الله. وخلال هذه المعركة أصيب محمد جول جوزجاني وطالب آخر ونُقلا إلى قندهار ليلاً. وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي ، أيقظ الملا إحسان الله إحسان زعيم طالبان البارز بغزنة الملا شهاب الدين، وأرسله إلى غزنة مع تعليمات بالتوقف عن المضي قدمًا حتى تصل قوات جديدة من قندهار.

بعد معركة قراباغ، زار وفد من حكومة رباني من كابول برئاسة الملا سخي داد فيض أعضاء طالبان بغزنة لإجراء مفاوضات. والتقى في قرية نعيم قلعة في قرا باغ مع عضو لجنة طالبان بغزنة الملا شهاب الدين ثاقب حيث شرح له أهداف الحركة، ومن جانبه سلم الملا سخي داد فيض رسالة من حكومة رباني تدعم فيها طالبان.

في ذلك الوقت، هاجم عبد الغفار  الذي يقود مجموعة تابعة لقاري بابا في قرية كونساف بشالجار – مركزا لأتباع حكمتيار. واندلعت معركة قصيرة  لم تحدث فيها خسائر. وفقًا للعديد من الأشخاص ، كان الأمر مجرد صدام تكتيكي حيث حاول قاري بابا تشكيل تحالف ضد طالبان، لكن معظم قادته كانوا على استعداد لدعم طالبان. وبعد هذه المعركة بوقت قصير أرسل قاري بابا رسالة إلى اللجنة التي تمثل طالبان يسأل فيها عن وعدهم له بدعمه ضد الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار.

في نهاية ديسمبر 1994، جاء مولوي إحسان الله إحسان من قندهار إلى زابل، وعقد اجتماعا في مسجد زابل المركزي حيث كنت حاضرا في الاجتماع الذي أعلن خلاله العديد من القادة البارزين بغزنة ولائهم لطالبان.

كانت المفاوضات تتقدم مع طلبة العلوم الدينية في شاه جوي أيضًا. توجه مولوي إحسان إلى “نيقيور” ودعا قادة طالبان في غزنة  إلى هناك. وكان برفقته الملا نور الدين ترابي وعدد قليل من قادة طالبان. وعقد اجتماعات عُقدت مع القادة المحليين. ودعا زعيم الطلبة بشالجار الملا نور الله إلى ترتيب لقاء بين القائد خيال محمد ومولوي إحسان في منطقة يارجوتو بين قرا باغ وشلجار.

وأكد خيال محمد ومولوي إحسان دعمهما الكامل لبعضهما البعض. وبعد ذلك رتب القائد خيال محمد لقاءا بين مولوي إحسان وقاري بابا في منطقة ناناي. وقد رافق مولوي إحسان العديد من مسلحي طالبان حتى يتمكن قاري بابا من مشاهدة قواتهم. وأشار قادة طالبان بغزنة الحاضرين في الاجتماع إلى مقاتلي طالبان وقالوا إنهم قدموا لدعمنا. وفي نهاية المناقشات، أخرج قاري بابا رسالة مولوي محمد نبي محمدي من جيبه، وقال لمولوي إحسان إن أميري قد أصدر تعليماته لي بدعمك. وفي ذلك الوقت، وقع قاري بابا اتفاقية سرية مع الحزب الإسلامي سمح بموجبها لقوات حكمتيار بدخول مدينة غزنة ومحاربة طالبان.

لم يعتبر قاري بابا نفسه قادرًا على مواجهة طالبان وكل المجموعات التي تدعم طالبان بما في ذلك القائد خيال محمد. وهذا يدل على أنه في غزنة، ولا سيما في منطقة شلجار ، لم يكن مسموحا بمحاربة طلبة العلوم الدينية والعلماء. ومن ناحية أخرى، كان أبناء وإخوة العديد من قادة قاري بابا يتلقون تعليمهم في المدارس الدينية حيث انضم معظمهم إلى حركة طالبان.

اعتقدت حركة طالبان أنها ستقاتل خلال الشتاء في غزنة ضد نقاط التفتيش غير الشرعية، وستدافع بدعم من قاري بابا  ضد الهجمات المحتملة للجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي. ولكن لأن قاري بابا سمح لأنصار حكمتيار بدخول غزنة، فقد أصبح هذا سببًا لطالبان منعت بموجبه رجال حكمتيار من السيطرة على غزنة.

[1] – محمد آصف المحسني (1935 -2019) أحد مراجع تقليد الشيعة في أفغانستان، ورئيس شورى علماء الشيعة في أفغانستان، ومؤسس الحوزة العلمية وجامعة “خاتم النبيين” في كابول، أسس عقب الغزو السوفيتي حزب الحركة الإسلامية في أفغانستان الذي قاتل ضد السوفييت.

[2] – في عام 1942 أسس الملا مشك عليم أندار مدرسة “نور المدارس” في منطقة شالجار في غزنة. وهي مدرسة منظمة قدمت أيضًا برامج للتوعية السياسية بالإضافة إلى التعليم الديني. وقدم فيها بعض المعلمين والإداريين وأفراد عائلة مجددي محاضرات وبرامج لعرض المعلومات العامة والأفكار السياسية والإسلامية. وساهم هذا في تخرج العديد من الشخصيات الهامة في الفكر الإسلامي والنهج الجهادي من تلك المدرسة التي انتشرت آثارها في جميع أنحاء البلاد.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *