By / 25 نوفمبر، 2021

مذكرات الملا عبدالحي مطمئن المتحدث باسم الملا محمد عمر (الحلقة الحادى عشر )

معارك حركة طالبان، وتوسعها من قندهار إلى طريق “كابول- قندهار”

 

انتصار في سبين بولداك

لم تكن سبين بولداك تحت نفوذ حركة طالبان أو المكان الذي انطلقت منه الحركة. فقد تشكلت حركة طالبان في أماكن بين قندهار وهلمند كانت في السابق مناطق نفوذ لزعيم طالبان الملا محمد عمر حيث قاد الجهاد فيها ضد السوفييت.

بعد الاستيلاء على نقطة تفتيش على طريق قندهار في أول عمل عسكري بارز للحركة، قام العلماء وطلبة العلم من مقاطعات أرغستان ومعروف وبولداك في قندهار بزيارة الملا عمر، وتباهوا بأبناء مناطقهم من المجاهدين المشهورين وطلبة العلم والعلماء بما في ذلك الملا محمد رباني المعروف باسم الحاج معاون الذي أصبح مساعدا للملا عمر ورئيسا للوزراء حيث تعود جذوره إلى أرغستان.

كانت هذه المقاطعات على وشك الانهيار، وتحتاج لقيادة واحدة. وبعد التشاور مع طلبة العلم بهذه المناطق، خطط الملا عمر للاستيلاء على مقاطعة سبين بولداك، وهاجمها في 10 أكتوبر 1994. فبعد عشرة أيام من العمليات العسكرية في المنطاق الواقعة بين قندهار وهلمند، تم مد حركة طالبان بعدة مركبات مموهة. كانت إحدى المركبات بقيادة الملا محمد أخوند (الذي أصبح فيما بعد قائدا عسكريا في الجنوب خلال حكم طالبان)، وهو قائد في طالبان، وكانت سيارة أخرى تحت قيادة الملا محمد، وهو صديق مقرب للملا عمر. وتوقفت الشاحنات في وسط مقاطعة سبين بولداك، وبدأ فرض نفوذ حركة طالبان.

مركز مقاطعة بولداك كان تحت سيطرة قائد الحزب الإسلامي “أختر جان” الذي لم يكن مستعداً للمعركة حيث فر مسلحوه بسبب الهجوم المفاجئ، واكتفى عناصر طالبان بإطلاق طلقات في الهواء لتخويف رجال أختر جان، ووقعت أغلب المنطقة تحت سيطرة طالبان.

في اليوم التالي جاء أختر جان ورجاله مستعدون للقتال، وهاجموا مركز المقاطعة، لكن عناصر طالبان لم يطلقوا النار استجابة لتعليمات الملا عمر، وأرادت طالبان من خصومها مغادرة المنطقة دون قتال، وبالتالي لم يردوا على إطلاق النار.

في اليوم الثالث هاجم رجال “أختر جان” عناصر طالبان مجددا، فردوا عليهم بإطلاق النار، وأطلق الملا داد الله عليهم صاروخ آر بي جي، ولأول مرة قُتل رجل من جانب طالبان هو سليم أغا  من سكان زانجي أباد بقندهار. وبعد فترة وجيزة، سقطت الأجزاء المتبقية من المقاطعة أيضًا في يد طالبان. وأذاعت وسائل الإعلام الإقليمية خبر الاستيلاء على سبين بولداك، لتجتذب حركة طالبان انتباه دول المنطقة وبقية العالم.

لقد لقيت طالبان بلا شك ترحيبا حارا من قبل رجال الأعمال وعامة الناس والسائقين على الطرق السريعة. وانتشر خبر سيطرتها على سبين بوالداك حيث تداوله السكان على جانبي الحدود الباكستانية الأفغانية، وجاء طلاب المدارس الدينية الباكستانية لدعم طالبان، وانضم الطلبة الجدد للحركة تمهيدا للسيطرة على قندهار.

السيطرة على سبين بولداك كانت بمثابة مبادرة جيدة لصالح طالبان، فمن ناحية انضم بعد ذلك إلى صفوفها قادة طلبة العلوم الدينية وأبرز القادة من المقاطعات المجاورة، ومن ناحية أخرى جذب الانتصار طلبة العلوم الدينية الأفغان من المدارس الباكستانية.

كان هناك سوق ضخم بين بولداك وتشامان حيث كان كبار التجار يتاجرون فيه ويعقدون صفقاتهم. وأصبح وجود طالبان مصدر دعم لهم إذ وفرت لهم الأمن، وبالمقابل ساعد هؤلاء التجار طالبان مالياً، وتولوا نفقات الغذاء والوقود والمركبات مما عزز قوة حركة طالبان.

وبعد الاستيلاء على بولداك، سيطرت طالبان أيضًا على عدد قليل من مستودعات الأسلحة والذخيرة تابعة للمليشيات المسلحة التي سيطرت على المنطقة سابقا، وحصلت طالبان منها على كمية هائلة من الأسلحة.

وقد أدى الدعم المالي والترويج لطالبان من قبل الأفغان المقيمين في باكستان والبشتون الباكستانيين ذوي التوجهات الدينية إلى تعزيز قوات طالبان بشكل مضاعف. فكل من سافر إلى إيران أو باكستان من خلال هذا الطريق سواء بمفرده أو مع أسرته، واجه مشاكل على يد المليشيات، وأراد التخلص منها، وهو ما حققته طالبان. وقد أثر ذلك أيضًا على الباكستانيين لأن السلام والأمن في الجوار يعنيان مستقبلًا أفضل للمنطقة.

السيطرة على مدينة ​​قندهار

حتى قبل السيطرة على مقاطعة سبين بولداك، تحركت حركة طالبان بحرية في مدينة قندهار بسبب عدم وجود جهاز أمني قوي يسيطر على المدينة. فباستثناء عدد قليل من الأماكن، كان لكل فصيل من المقاتلين حرية التنقل في المدينة، ولم يهاجموا بعضهم البعض. وبعد سيطرة طالبان على نقطة تفتيش “دارو خان”، أخليت جميع نقاط التفتيش بين منطقة مايواند وقندهار بالتزامن مع فرار المسلحين. وقد غادر عدد قليل منهم المنطقة بعد إبداء مقاومة طفيفة، وبقيت فقط نقطة تفتيش منطقة باغ بول التي أقامها قائد الحزب الإسلامي عطا محمد سر كاتب، بالإضافة إلى وجود قاعدة عسكرية تابعة لمقاتلي الأستاذ عبد العليم.

حاولت طالبان في البداية حل المشاكل مع تلك المجموعات عبر التفاهم المتبادل. لكن ساد انعدام الثقة عندما خطط عطا محمد لقتل الملا عمر. فبعد الاستيلاء على نقطة تفتيش نادر خان على طريق شاه آغا، أنشأت طالبان مركزًا في منطقة هندوكوتاي. وعادة ما كان الملا عمر يأتي لزيارة هذا المركز من مايواند، وكان حاجز سر كاتب يقع على نفس الطريق. جرى الكشف عن المؤامرة من قبل عمر خطاري نجل الزعيم القبلي الحاج عبد العليم الذي يسكن بنفس قرية الملا عمر. ومن ثم أجّل الملا عمر سفره وفشلت الخطة. وبعد أيام قليلة اعتقل سر كاتب قائد طالبان الشهير الملا برجان على هذا الطريق. فاعتقلت طالبان قائدًا آخر للحزب الإسلامي يُدعى عبد الأحد، وأفرج عن الملا برجان مقابل الإفراج عنه.

كان دور العلماء الإسلام وطلبة العلوم الدينية بارزًا جدًا في السيطرة على قندهار. إذ ينتمي البشتون الذين يعيشون بالقرب من جبال كوزهاك وفي المناطق الحدودية لقندهار إلى نفس القبائل. وتوجد العديد من المدارس في هذه المناطق، وخلال الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي اشتهرت تلك المناطق بأنها معابر ومناطق استراحة للمجاهدين. وقد هاجر الناس من المناطق البعيدة من مقاطعات سبين بولداك ومعروف وأرغستان في ظل الروابط القبلية التي تربطهم بسكان المناطق الحدودية في باكستان إلى أماكن مثل شامان، جولستان، باشين، زنجال، قلعة عبد الله، وتوبا.

توجد العديد من المدارس الدينية والعلماء الذين لديهم نفوذ مناطقي وقبلي. وقد تحرك هؤلاء خلال الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي بدوافع دينية وروحية. يستحق المرحوم مولانا عبد الغني من شامان أن نذكره هنا، فقد كانت خطبه ضد الشيوعيين تخيفهم لدرجة أنهم قصفوا مسجده عبر خط ديوراند الحدودي الفاصل بين باكستان وأفغانستان. ومن بين العلماء وطلبة العلم البارزين من بولداك الملا عبد الصمد، الملا عبد الرازق (وزير الداخلية في عهد طالبان)، الملا سراج الدين، الملا دوست محمد، الملا عبد الخالق داد، الملا عبد المنان حنفي، الملا والي جان.

في 3 نوفمبر، دخلت حركة طالبان مدينة قندهار بعد أن استولت على نقاط التفتيش الموجودة بين المدينة ومقاطعة بولداك. وهرب مقاتلو منطقتي تخت بول وإنزارجي. أثرت هذه الخسائر على معنويات قادة المليشيات في قندهار، وقد حاولوا تشكيل تحالف فيما بينهم ضد طالبان، ولكن بسبب صراعاتهم على مدى السنوات القليلة الماضية لم يكن لديهم سوى القليل من الوقت لتشكيل تحالف بشكل سريع، فسقط المطار والعديد من أحياء مدينة قندهار في أيدي حركة طالبان دون مقاومة.

عندما فشلت المفاوضات، هُزم سر كاتب في المعركة وهرب. وبعد هزيمته، قام القائد البارز بمدينة قندهار الملا نقيب الله أخوند بتسليم أسلحته ومعداته إلى طالبان. ويمكن القول بأن الدعم الفعلي للسيطرة على مدينة قندهار كان من طرف الملا نقيب الله الذي سلم لطالبان أربعين دبابة وأسلحة أخرى ثقيلة وخفيفة.

قادة طالبان الرئيسيون الذين لعبوا دورًا في دفع الملا نقيب الله للاستسلام هم الملا محمد (الذي ظل القائد العام لقوات طالبان، ثم استشهد خلال المعركة مع إسماعيل خان بين قندهار وهرات) والملا محمد رباني نائب الملا عمر ورئيس مجلس تصريف الأعمال (مجلس الوزراء).

قبل عام من استسلامه، أخبر الملا نقيب المواطنين في مسجد “الخرقة” أن القادة المنسوبين إليه ليسوا تحت سيطرته”، مما يشير إلى أنه كان يبحث عن طريقة للخروج من هذا الوضع. وقد لعب دورًا بارزا في تسليم الفيالق العسكرية الموجودة بقندهار، وأجبر القائد الشهير خان محمد “خانو” على الفرار مع رجاله. ولاحقا أصبح “خان محمد” قائدا لشرطة قندهار في عهد حكومة كرزاي، وقُتل في هجوم لطالبان.

في 15 نوفمبر، أصبحت مدينة قندهار والمناطق المحيطة بها تحت سيطرة طالبان. وعُين الملا عمر رئيسًا لجميع المكاتب العسكرية والحكومية في الولاية. وبعد الاستيلاء على قندهار، أصبح اسم حركة طالبان حاضرا في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية. وتحدث الجميع عن طالبان كل حسب معلوماته. وقال مسلحون  ممن فروا من طالبان لإذاعة بي بي سي بلغة الباشتو، وهي مصدر إعلامي بارز في ذلك الوقت “إن باكستان دعمت طالبان في الاستيلاء على قندهار”. وسواء كان هذا إما تصريحا ذاتيا منهم أو بإيعاز من آخرين، فقد ساعد خصوم طالبان الذين روجوا أن طالبان تحصل على دعم باكستاني. ومع ذلك، لم يتأثر المواطنون بهذه الدعاية، فرحبوا بطالبان في كل مكان، مما ساعد طالبان على الانتقال إلى مناطق أخرى في جميع أنحاء أفغانستان.

على مستوى العمليات العسكرية، كان زعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار الوحيد الذي أعلن الحرب على طالبان. لم يكن لدى قادة الحزب الإسلامي في قندهار نية كبيرة لمحاربة طالبان، لكن اتصالات قادة قاعدة حكمتيار في بيشاور – التي رصدتها طالبان – أجبرت سر كاتب على القتال. لكنه هُزم وهرب إلى باكستان.

في ذلك الوقت كانت باكستان تدعم حكمتيار، وزار ضباط الاستخبارات الباكستانية خطوط القتال بالقرب من شارسياب في كابول، وزودا حكمتيار بالأسلحة والعتاد، وبالتالي لم يتمكن حكمتيار من اتهام طالبان بتلقي دعم باكستاني. لكنه زعم لاحقًا أن طالبان مدعومة من طرف الشيوعيين السابقين وأمريكا وبريطانيا. وفي كويتا بباكستان، وزع أعضاء الحزب الإسلامي منشورات تفيد بأن القائد الطالباني الملا برجان هو في الواقع جنرال شيوعي انتحل هوية جديدة، لكن هذا لم يقبله أهل قندهار الذين عرفوا الملا برجان منذ بداية الجهاد في أفغانستان. وقد استمرت دعاية حكمتيار بينما رحبت حكومة برهان الدين رباني بطالبان، ووصف سياف طالبان بـ “ملائكة الخلاص”.

في غزنة، هزمت طالبان قوات التحالف المشكل من الحزب الإسلامي وحزب الوحدة الشيعي، واستولت على ميدان وردك ثم انسحبت قوات حكمتيار من شارسياب في ضواحي كابول. وواجهت طالبان للمرة الأولى قوات رباني ومسعود. وكان حكمتيار وأصدقاؤه يعتبرون طالبان قوى شيوعية قديمة يدعمها الروس في ظل ترحيب حكومة رباني بها. فيما بعد اتهموا طالبان بأنها قوة تابعة لبريطانيا وأمريكا والملك السابق ظاهر شاه.

في عام 1996، بعد أن شكل رباني وحكمتيار تحالفًا مع زعيم الجماعة الإسلامية الباكستانية قاضي حسين أحمد، استولت طالبان على كابول، وفر الرئيس رباني ورئيس الوزراء حكمتيار إلى شمال كابول، قال وقتها حكمتيار لإذاعة بي بي سي بلغة البشتو إن بريطانيا دخلت كابول عبر جلال آباد، ودخل عبيدهم إليها مجددا الآن.

التطورات ما بعد قندهار

بعد هزيمة سر كاتب في قندهار، فشلت جهود مولوي محمد نبي محمدي المستمرة ومفاوضاته مع القائد التابع له بتنظيم “حركت، حركة الانقلاب الإسلامي” غفار أخوند زاده. بدأت طالبان حربًا ضد أخوند زاده منذ أن دعمت علماء وطلبة علوم دينية من هلمند حركة طالبان، حيث حاول غفار أخوند زاده محاربة طالبان باستخدام ميليشيات قبلية. وبالمقابل دعم القائد التابع للجمعية الإسلامية الرئيس عبد الواحد طالبان ضد أخوند زاده.

بعد هزيمة أخوند زاده أصبحت ولاية هلمند بما في ذلك لشكر جاه مركز الولاية تحت سيطرة طالبان بالكامل. فر القادة الصغار الذين بقوا وكانوا معارضين لطالبان إلى ولاية “فراه” أو تجنبوا الانخراط في قتال مسلح. وانضم القادة الذين فروا من هلمند وقندهار إلى قوات القائد إسماعيل خان في “فراه”، وتجمعوا على حدود ولايتي نيمروز وهيرات حيث خططوا لاستعادة هلمند وقندهار بدعم من إسماعيل خان مما أدى إلى اندلاع صدام بين طالبان وخان. وقد جهز إسماعيل خان هؤلاء القادة ودعمهم. ولكن بعد أن استولت طالبان على فراه ونيمروز، فر معظم هؤلاء القادة إلى إيران.

بعد احتلال هلمند، وصلت طالبان إلى مركز ولاية زابل. ونظرًا لوجود مجموعات من طلبة العلوم الدينية مسبقا بالولاية وتمتعهم بنفوذ ، فلم يواجه أحد طالبان. الوحيد الذي كانت لديه مثل هذه النوايا هو “حميد الله” القائد بالحزب الإسلامي. لكن مجموعته كانت صغيرة وضعيفة جدًا في أيام الجهاد الأخيرة، ويُعتبر القائد الوحيد لحكمتيار في زابل. وبعد اطلاعه على قوة حركة طالبان هرب إلى غزنة، وانضم إلى مقاتلي الحزب في منطقة “ميدان.”

كانت أوروزغان منطقة يتمتع فيها الملا عمر بنفوذ، وقد انضم عدد قليل من القادة إلى طالبان، في حين التزم آخرون مثل الحاكم جان محمد خان الهدوء. لكنهم بدأوا فيما بعد في معارضة طالبان. وحظيت طالبان بشكل عام بترحيب حار في أوروزغان، وسيطرت في النهاية على ولاية زابل بالكامل.

خلال الشتاء وصلت حركة طالبان إلى أطراف غزنة. وكان الجزء الأكبر من مناطق جاندا وميقير وكارباخ بالفعل تحت سيطرة طلبة العلوم الدينية المحليين قبل وصول قوة طالبان الرئيسية.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *