By / 29 نوفمبر، 2021

بذور الاقتتال

مقال اعد بموقع العاصمة

د. عطية عدلان

 

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

بعد ساعة من الجدال المحتدم انتفض معلناً عن بلوغ الغضب منتهاه، وقال مامعناه: “… إنَّ هؤلاء القوم ليسوا منَّا ولسنا منهم؛ إنَّهم غيروا وبدلوا وحادوا عن الصواب وسيجلبون علينا وعلى الأمة الخراب والتباب…” وما إن هممت بمناقشته فيما يدعيه حتى عاجلني بتأويلات أشد تهافتاً من تعللات الذئب للحمل إذا هم بافتراسة.

   عندئذ أسدل بيني وبينه ستار سميك، بل جدار غليظ؛ فلا يصل إليَّ ممَّا يجتهد في دفعه نحوي من الأقاويل شيءٌ، وفجأة وجدت نفسي مسافراً في قطار الذكريات الأليمة، وتراءت لي في هذه السفرة العاجلة وهذه التطوافة السريعة صور المجاهدين الذين ما إن بلغت جحافلهم المظفرة قلب كابل حتى استدارت المدافع وتحولت البنادق، فإذا بالحرب تدور رحاها على الأشقاء لا الأعداء، وإذا بالمسلمين قد تبددت آمالهم وتبخرت في جو الفتنة أحلامهم.

   وتزاحمت في هذه اللحظات الصور  المفجعة والذكريات المفزعة، فكأنما هي غربان سود تتداعى في صبيحة يوم نكد مشئوم، وصدرت مني جملة أزجيتها على استحياء؛ فلا أدري أبلغت آذان القوم أم لم تجاوز شفتيّ، قلت:

ومن هنا يبدأ الاقتتال، أجل .. من هنا يبدأ الاقتتال.   

   إنَّ السيوف لا تسل حتى تسل قبلها الألسنة والأقلام، وإنَّ الأشقاء لا يقتتلون في الميادين حتى يُصَفِّيَ بعضهم بعضاً على صفحات المواقع وفي باحات الفضائيات، وإنَّ الاجتماعات التي تمارس الإقصاء والتكفير تبذر بذور الاقتتال والتفجير، فمن لم يتورع اليوم عن الخوض في عرض أخيه لن يتورع غداً عن سفك دمه واستحلال ماله وعياله، وكل كلمة سوء تقال اليوم في اتجاه ستكون غداً طلقة أو صاروخاً في ذات الاتجاه.

   فيا أيها العاملون للإسلام ويا أيها السائرون على طريق الحقّ: إنَّ الوحدة الإسلامية المنشودة ليست من نافلة القول والفعل، وليست مما يسع الناس التهاون معه أو التفريط فيه، وليست موعظة يتلقاها الناس بتمتمة الشفاه وطأطأة الرؤوس، وإنما هي واجب دينيّ وضرورة إسلامية، واجب لا ينعتق الفرد من عهدته أمام الله ولا من مسئوليته أمام ضميره وأمام التاريخ حتى يستوفي ما يجب عليه ويبرأ مما يحرم عليه.

   وإلا فما الذي قدمتموه حتى تكونوا قد قمتم بأمر الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ؟!


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *