By / 18 ديسمبر، 2021

الحلقة الرابعة عشر من مذكرات الملا عبدالحي مطمئن

(طالبان: قراءة نقدية من الداخل)

حرب ضارية بين مجموعتين وعملية نزع السلاح

شهد صيف 1995 حربا شرسة. وقد واجهت طالبان مرارًا نقصًا في الأموال والأسلحة. وفي ذلك الوقت، تلقت طالبان عائدات من الجمارك التابعة لولاية قندهار على الحدود الباكستانية في حين كانت الإيرادات من الولايات الأخرى منخفضة للغاية. وقد قدم رجال الأعمال من البشتون والقبائل التي تعيش بالقرب من الحدود الكثير من الدعم المالي لطالبان لأنهم اعتبروها الأمل الوحيد لتحقيق السلام في المنطقة.

ركزت حركة طالبان على جمع الأسلحة، وذلك باعتبار أن نزع سلاح المليشيات المسلحة أمر مهم لإحلال السلام. وتمثّل الهدف الآخر لنزع السلاح في حاجة طالبان للذخيرة. وتطلب ذلك أحيانا التفتيشعن الأسلحة بشكل غير مشروع لم يعلم به الملا عمر. وحدثت أعمال وحشية في بعض الحالات. ووقف خلف تلك الأفعال الخاطئة عدد قليل من الشباب والقادة الصغار. وقُتل شخص واحد في زابل أثناء عمليات نزع السلاح. وعندما علم الملا عمر بذلك أصدر تعليمات لأفراد طالبان أتذكر بعضا منها، إذ ورد فيها:

اتقوا الله، لا تضربوا الناس بحجة نزع السلاح. علمت أن الناس يتعرضون للضرب بالسياط. وهذا عمل شيطاني، خافوا من عذاب الله. لا تضربوا الناس من أجل الحصول على اعترافات، وفي حال ضرب أي شخص بالسياط، فسوف يعاقب بشدة من يفعل ذلك”.

في ذلك الوقت، كان الملا عبد القيوم (الملا مشار) هو القائد العام لجبهة القتال في كابول من جهة ميدان شهر، بينما كان الملا برجان مسؤولاً عن منطقة شارسياب، وقد أصيب بجروح بالغة. في وقت لاحق، أصبح الملا محمد هو المسؤول العسكري العام عن الجبهة الغربية لكابول.

دارت معارك ضارية حول كابول لمدة عام كامل، وحدثت هجمات من الطرفين. تقدمت طالبان عدة مرات، ولكن بسبب الاستخدام الواسعللألغام المضادة للأفراد من قبل مسعود في جنوب وغرب كابول، تعرقل تقدم الأشخاص والمركبات في ظل التعرض لخسائر كثيرة بسبب هذه الألغام.

في 10 مايو 1995، تراجعت قوات طالبان من الخطوط الأمامية للجبهة الغربية في فراه ونيمروز بسبب تعرضها لهجوم مفاجئ من قبل إسماعيل خان وقوات التحالف بدعم جوي. وانسحبتطالبان من المنطقة بعد قتال عنيف. وبعد سقوط فراه، تعرضتنيمروز للحصار. ودخل إسماعيل خان وقادة التحالف ومقاتلوهم مدينة زرنج عاصمة ولاية نيمروز عبر إيران. فحاربهم طوال اليوم قائد شرطة نيمروز القائد قاري أحمد الله (الذي عمل في وزارة الداخلية والمخابرات في عهد طالبان). وأدى نقص الأسلحة إلى اعتقاله من قبل قوات إسماعيل خان، في حين تمكن مولوي عبد الغني جوزجاني وعدد قليل من أفراد طالبان من مغادرة المنطقة بنجاح، لكن مولوي عزت الله عارف رئيس مكتب إيرادات الولاية، استشهد بعد أن أبدى مقاومة طويلة.

تحركت حركة طالبان على الجبهة الغربية بالقرب من فراه باتجاه هرات في بعض الأحيان، وفي بعض الأوقات أجبروا على التراجعإلى مواقعهم السابقة. وتكبدت طالبان أكثر من ألف قتيل خلال تلكالمعارك الدموية في المنطقة الغربية. وقد زار الملا عمر ساحات القتال في ظل تحالف جميع القادة الميدانيين الهاربين من طالبان من قندهار وهلمند مع إسماعيل خان، واشتراكهم بالقتال على هذه الجبهات. فتقدمهم مثّل تهديدًا مباشرًا لمدينة قندهار التي تُعد العاصمة الفعلية لطالبان.

حادث الطائرة الروسية والاتصال المباشر الأول مع العالم

في 3 أغسطس 1995، حلقت طائرة روسية من طراز TD76 إليوشن 2 في المجال الجوي لقندهار متجهة نحو كابول. لم يكن مسؤولو كابول على علم بأن طائرة من هذا النوع قد هبطت في قندهار. فبعد سقوط حكومة نجيب الشيوعية قُسمت البلاد بين قادة مختلفين، وبالتالي تم فصل نظام الاتصالات في مطار قندهار عن كابول.

عندما شوهدت الطائرة المشبوهة على الرادار، وتبين لبرج مراقبةالطيران أن وجهتها نحو كابول، تم الاتصال بالملا عمر على وجه السرعة، وحلقت طائرة عسكرية تابعة لطالبان لإجبار الطائرة الروسية على الهبوط.

وقد قاد الطائرة العسكرية العقيد جيلاني خان نورزاي الذي يتمتع بالمهارة والخبرة في هذا المجال، واضطرت الطائرة الروسية إلى الهبوط. تلقينا لاحقًا معلومات تفيد بأن الطائرة تابعة لشركةAiristan للنقل التي يوجد مقرها في جمهورية تترستان التابعة للاتحاد الروسي. وتبين أن الطائرة محملة بذخائر من الأسلحة الثقيلة، وبالتالي أصبحت بمثابة المنقذ لطالبان حيث كانت الحركة تواجه نقصًا في الذخائر في ذلك الوقت.

تم إجراء تحقيق مفصل، وتبين أن الأسلحة الوجودة بالطائرة هيجزء من الدعم العسكري الروسي لحكومة كابول بقيادة برهان الدين رباني، وأنها قادمة من ألبانيا. وجرى تسليم الذخائر إلى مسؤول عسكري من طالبان، وأُرسل طاقم الطائرة إلى دار ضيافة. وقد رافق السجناء مترجم عمل مع السوفييت أثناء الغزو السوفيتي وعدد قليل من الحراس. وتولى مسؤولية مراقبتهم رئيس دار الضيافةالفقيد أحمد علي خان متقي شقيق أمير خان القائد بطالبان، وتولى مسؤولية مراقبتهم مولوي سليمان من سكان ليليندار بكابول. وجرى تخصيص فريق للتحقيق مع هؤلاء السجناء.

بدأ الروس جهودًا شاملة للإفراج عن السجناء. وطالبت طالبان من جهتها بالإفراج عن خمسين إلى ستين ألف سجين أفغاني من عهد الغزو الروسي في حال وجودهم على قيد الحياة، وكان معظمهم من علماء الدين. ففي ذلك الوقت كان يسود اعتقاد بأنهم قد نُقلوا إلى روسيا. فبعد سقوط الحكم الشيوعي في أفغانستان، أخبر الشيوعيون الأفغان المواطنين بأنهم لم يروا هؤلاء السجناء مجددا لأنهم نُقلوا إلى روسيا. ولكن تم التأكد لاحقًا بأن هؤلاء السجناء لم يؤسروا على يد السوفييت ولكنهم قتلوا على أيدي الشيوعيين الأفغان.

كان هناك ثلاثون طناً من الأسلحة والذخيرة على متن الطائرة، وسبعة من أفراد الطاقم هم: فلاديمير شارباتوف (القائد)، غازينور خيرولين (مساعد طيار)، ألكسندر زدور (ملاح)، أسخاد أبيازوف، يوري فشيفتسيف، سيرجي بوتوزوف، وفيكتور ريازانوف.

استغرقت المفاوضات بين طالبان والروس وقتًا طويلاً لأن طالبان لم يُعترف بها رسميًا من قبل أي دولة. ويُقال إن السناتور الأمريكي هانك براون بذل جهودًا مستقلة في هذا الصدد. كما طالب السجناء الروس بضرورة متابعة صيانة الطائرة من الناحية الفنية وفحص المحركات من حين لآخر. وقبلت طالبان هذا بسبب المعايير الدولية. وكان السجناء يُنقلون إلى المطار كل أسبوع في يوم الجمعة لفحصالطائرة، ثم صاروا ينقلون لاحقا كل أسبوعين.  واستغرقت مدة حراسة الطائرة عام واحد. ففي يوم الجمعة الموافق 16 أغسطس 1995، توجه أفراد الطاقم إلى المطار مع حراس مسلحين حسب الروتين. ولم يسمح لهم بتمديد الإطار الزمني المحدد للفحص، لكن عناصر طالبان المرافقين لهم أصبحوا بمرور الوقت مهملين في ظل تكوين بعض الثقة بينهم وبين الطيارين الروس.

في ذلك اليوم، ذهب ستة حراس فقط رفقة طاقم الطائرة ، ولم يكن هناك شخص تقني متاح لمراقبة عملهم. ثم ذهب ثلاثة حراس لأداء صلاة الجمعة، وتبقى ثلاثة فقط من أفراد طالبان في الطائرة في انتظار انتهاء الطيارين من عملهم الروتيني، و ترقبا لعودة زملائهممن الصلاة تمهيدا لإعادة الطاقم إلى دار الضيافة.

يبدو أن أفراد الطاقم لاحظوا إهمال الحراس، فخططوا للفرار. وشغلوا في البداية محركا واحدا ببطارية، وأدركوا أن المحركات الأخرى يمكن تشغيلها بسهولة. بينما اعتقد عناصر طالبان دائمًا أنه في ظل عدم تمكن الطائرة من عبور مجالنا الجوي دون موافقتنا، فلن تتمكن أيضًا من المغادرة. لكن الروس كانوا على دراية بخصائص راداراتهم، وخططوا لإبعاد الطائرة عن مراقبة الرادار. وانتهز أفراد الطاقم الفرصة، وأغلقوا الأبواب في وجه الحراس المهملين، وسرعان ما انزلقت الطائرة إلى المدرج.

أبلغ برج المراقبة القيادة الجوية أن الطائرة تتجه نحو المدرج. وحاول عناصر طالبان على عجل إغلاق المدرج بحافلة صغيرة، لكن الطائرة حلقت في الهواء متجنبة الحافلة. وحدد الطاقم على الخريطةالطريق الصحراوي الخالي من الجبال الذي يوصل إلى دولةالإمارات. وقاموا بتشغيل الطائرة على وضع طيران منخفض فوق الصحاري والبحر حتى وصلوا إلى إمارة الشارقة.

كانت الطائرة المقاتلة MIG 22طراز التابعة لطالبان معطلة في ذلك اليوم. وبعد إصلاحها، لم تظهر الطائرة الهاربة على الرادار. في البداية كان يُعتقد أن الطائرة توجهت إلى كابول أو تركمانستان وربما إيران. لكن لم يفكر أحد في الإمارات. ونظرًا لوجود عدد قليل جدًا من الطائرات لدى طالبان، لم يكن من الممكن بالنسبة لها إرسال طائرات في اتجاهات مختلفة.

كان هذا الحادث مقلقًا للغاية، وأثار العديد من الأسئلة، وأدى إلى أجواء من عدم الثقة والانتقاد بين مسؤولي طالبان رفيعي المستوى وذوي الرتب العالية. لم يشك أحد في الملا عمر حيث كان الجميع على دراية بعاداته – إذ لم يسبق له، ولم يسمح لأي شخص بإجراء تفاهمات سرية ولم يكن الملا عمر بحاجة إلى عقد صفقات سرية. حيث يقوم علنا بأي عمل طالما بدا له أنه مشروع، ولم يهتم أبدًا بما يقوله الناس. لكن الناس بدأوا ينتقدون مسؤولي المطار، والمسؤولين عن دار الضيافة، وعمليبة نقل السجناء من دار الضيافة إلى المطار. مما أحدث أجواء من التوتر. وفي النهاية أذاع الملا عمر بيانًا إذاعيًا على راديو قندهار وعبر الاتصالات اللاسلكية إلى جميع مراكز الأمن. وقال الملا عمر في البيان (لقد حققنا بشكل كامل في قضية هروب الطائرة. باستثناء الإهمال، لم يشارك في حادث هروبها أحد من حركة طالبان. كان هذا الحادث كما هو متجه. لا نقبل أي شك من أي من أفراد طالبان تجاه أي شخص بخصوص هذا الحادث،ولا ينبغي الحديث بظلم ضد أي شخص، فهذا يماثل الحديث بغير بينة وإلقاء التهم جزافا على المسلمين الآخرين. اتقوا الله واصمتوا عن الكلام في هذه الحادثة). وبعد صدور هذا البيان لم أسمع أي شخص يتحدث عن حادث هروب الطائرة. ورأى الجميع أنه كان حادثًا قدريا غير متعمد. وتحسن الوضع على الفور بعد هذا البيان.

حرب قوية في الغرب والخط الأمامي الأكثر دموية

خلال الفترة من مارس إلى 5 سبتمبر 1995، سيطرت طالبان على مركز ولاية هرات بعد معركة شرسة على الجبهة الغربية. عندما استولت طالبان على ولايتي فراه ونيمروز في فصل الربيع، عُينمولوي عبد الغني جوزجاني محافظاً لنيمروز، وقاري أحمد الله رئيساً للشرطة، ومولوي عزة الله عارف رئيساً لمكتب الإيرادات. وظلت هذه الولايات تحت سيطرة طالبان لما يقرب من شهرين.

تعرضت لطالبان لضغط عسكري في هرات بالقرب من منطقة شينداند، واستعرت الحرب ضد قوات إسماعيل خان. وعندما استولت قوات المعارضة على فراه خلال العيد، في 10 مايو 1995، استشهد وجُرح وأُسر العديد من أفراد طالبان، كما أُسر الحاكم المؤقت لولاية فراه الملا عبيد الله أخوند. ومن ثم هاجمت قوات إسماعيل خان نيمروز من الجانب الإيراني، وحاصرت جميع مقاتلي طالبان، ونجح حاكم نيمروز عبد الغني وعدد قليل من الأشخاص الآخرين في الهرب من الحصار. وقاتل قائد الشرطة قاري أحمد الله مع عدد قليل من رفاقه، واعتقل في نهاية اليوم بسبب نقص الأسلحة والذخيرة. وبعد قتال طويل استشهد المولوي عزة الله عارف، وأُسر عدد من عناصر طالبان، بمن فيهم الملا عبيد الله أخوند (وزير الدفاع في نظام طالبان)، ومولوي عبد الصمد من بولداك. وقد أُطلق سراحهم لاحقًا في عملية تبادل للأسرى. في حيناستُبعد قاري أحمد الله ونائبه الملا عبد الباري من هذا التبادل،وظلا في السجن حتى فتح هرات.

في يونيو 1995 تصاعدت المعارك مرة أخرى لاستعادة السيطرة على فراه، ونجحت طالبان في الاستيلاء على عدد قليل من الولايات والمناطق الرئيسية. وحدثت حرب شرسة للتقدم في هرات. وقد تابعالملا عمر بنفسه هذه الحرب وزار الجبهة عدة مرات. فيما خطط إسماعيل خان وقوات التحالف المناوئ لاحتلال قندهار وهلمند. وخلال هذه الحرب استشهد القائد العام لطالبان الحاج الملا محمد أخوند وهُزمت طالبان. وفي غضون يومين امتدت الحرب من حدود فراه إلى منطقة جريشك في هلمند.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *