By / 19 ديسمبر، 2021

إما الإسلام أو دعاوى الجاهلية!

ليلى حمدان

على ما حمله العصر الحديث من نهضة وتطور وتقدم وقفزات علمية وتقنية، لا بد لمن أمعن النظر أن يبصر تلك الجاهلية التي تتستر خلف كل هذه الأوصاف المثيرة وتتسلل بهدوء أحياناً أو محدثة الضجيج أحياناً أخرى.

جاهلية معاصرة تشابهت مع كل جاهلية قبل الإسلام، لأنها اشتركت معها في معالمها من ضلالة وجهالة ووثنية وعصبية وظلم واستعباد للإنسان واتباع لخطوات الشيطان.

حكم الجاهلية

فقبل الإسلام، كانت تحكم قوانين البشر، التي تُلزم الجماهير بما يفرضه الأكثر قوة وسلطة، بغض النظر عن فساده، وهو ما يحدث اليوم مع القوانين الوضعية ومنظومات الحكم من الشرق والغرب، ثم إلزامات النظام الدولي التي أضحت دستور حياة وقانوناً يُعاقب الخارج عنه ويُطارد كمتمرد مجرم! وهو حكم جاهلي في أصله، يحمل تلك العصبية التي تخفيها شعارات جوفاء لا تزال حاضرة في مجلس الأمم المتحدة وفي اجتماعات الدول الكبرى وفي قلب أوروبا والولايات المتحدة. التحالف الحامل للواء الحريات والمساواة بينما في الحقيقة هو يحمل بداخله عنصرية وتعصباً لجنسه ومعسكره.

وقد شاهدنا بمباركة هذا النظام كيف دُمرت دول إسلامية وسُفكت دماء أبنائها وشُرّدت أجيالٌ ونُهبت ثرواتٌ وسُحقت آمال! بفعل الآلة الغربية العسكرية والخطط السياسية والشرعية الدولية، كل ذلك تحت ذريعة حفظ السلام المزعوم والتدخل لإرساء ما يسمى الديمقراطية وحفظ الحريات، والتي هي رديفة لفرض الهيمنة الغربية، فهذا عصر يُمارس فيه العدوان والإجرام باسم القانون. قانون الغاب المعاصر.

بل ظهر بفضل هذا الحكم الجاهلي، نوع من الاضطهاد تمارسه الأقليات الفاسدة على الأغلبية كما هو حال الشذوذ ضد الفطرة البشرية. واضطهاد آخر للأقلية المسلمة في بلاد الغرب التي تحرم المسلمين حريتهم باسم الحرية ذاتها! وبفضله أيضا – هذا النظام الجاهلي- قد تتحرك الجيوش لأجل جندي غربي وتصمت صمت القبور أمام أمة كاملة تباد.

استعباد البشر

وكما كان هناك العبيد والأحرار في كل جاهلية، نُشاهد اليوم أيضاً عبيداً وأحراراً بتفاصيل أكثر تشعبًا مما كانت عليه في الأزمنة الغابرة، ويبقى مفهوم العبودية حاضراً بقوة في جميع مشاهد الحياة، من عبودية المادة إلى عبودية الفكر، فأقوام تُساس كالأنعام بلا عزة ولا عقل! والمغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب. ولا يزال الاستعباد البشري مستمراً بشكل صارخ في الدول الفقيرة التي استعبدت الدول الكبرى شعوبها ووظّفتها في ظروف قاسية لأجل أن ينعم الرجل الغربي بعيشة مرفّهة.

بل يأخذ الرق اليوم صوراً وأشكالاً مختلفة: منها الاتجار المباشر بالبشر والجنس والعمل القسري والسخرة والعبودية، تدير شبكاتها أطرافٌ ودولٌ تتحكم في ملايين البشر فتجبرهم على العمل ضد إرادتهم وكرامتهم في ظروف قاسية وتحرمهم حقوقهم مستغلة ضعفهم وحاجاتهم.

وحيثما قلّبت بصرك ستجد أنها الجاهلية في شتى الوسائل والصور خلف ستار الحداثة والتقدمية، يطالبون بالشرك والكفر لتصبح متقدماً! يطالبون بالانحلال عن كل وثاق خلق وأدب وصدق لتصبح موافقاً لمقاييس العلمانية، يطالبون بوأد فطرتك والتحول لبهيمة في الأخير وإلا فأنت المتخلف عن ركبهم المتمرد على أنظمتهم!

إنها الجاهلية في أوضح صورها اليوم بين الملحد ونصف المؤمن، وعبيد اللات والعزى ومناة وهُبل،كل قوم يعبدون صنماً، مثل المال ومثل القوة! مثل الحدود والقوميات والأوطان.. وغيرها من أصنام، وكل ذلك يدفعه العصبيات والانهزامية والتعلق المزمن بزخرف الحياة الدنيا وحتى الفتات وكذلك الخوف من الحساب إلى غيره من أسباب التخبط والضلال.

الجاهلية في الفن

وحتى على مستوى الثقافة والأدب تنتشر الأفكار القبيحة بأشكال أكثر انتكاساً وشذوذاً وبشاعة على أنه محض فن! وتلك نتيجة طبيعية لفساد الذوق العام واللهث خلف كل مستهجن ومصادم وفق مبدأ “خالف تعرف”. وفي الواقع فإن ما يُسمى الفن في هذا الزمان لم يعد يبرر الرذيلة والفسق فحسب بل أصبح يبرر الكفر والردة ويدعو إليهما. ثم ما نشاهده اليوم من مظاهر إحياء الجاهلية وانتكاس الفطرة وتبجيل الهالكين من الظالمين والكافرين ليس إلا حلقة متصلة بسلسلة من حلقات المكر الذي يتوعد العالم الإسلامي برمته، باتجاه مخطط تجريد الأمة من إسلامها لضمان هزيمتها وصعود الدولة اليهودية.

الجاهلية في التعامل مع المرأة

أما المرأة التي جعلوها في مرمى أهدافهم، وأكثروا من مسرحيات التظلم باسمها لإفسادها، لأن إفسادها إفساد أمة برمتها، فإن إهانة الجاهلية المعاصرة واحتقارها لها فاق ما فعلته الجاهليات الماضية، ذلك أنهم يحاربون فطرتها، يجبرونها على تحدي طبيعتها البشرية وتبديلها، لتعيش في الأخير وفق رغبات الشياطين ونزعات الرجل المهووس، بحجة المساواة تارة والحريات تارة أخرى، وهي أكبر أكذوبة حملت لواءها بعض النساء من بني جلدتنا متجاهلة مصير المرأة الغربية في دور المسنين الباردة ونهاياتها البائسة بعد انتهاء فترة الصلاحية ومواصفات التميز الأنثوي التي يقيس وفقها الغرب قيمة المرأة ويستغلها بها.

ومع حجم معاناة المرأة الغربية الذي لا نرى أحداً يسلط عليه الضوء إلا ما ندر، رغم الإحصاءات المنذرة لأعداد النساء ضحايا إدمان الخمر والمخدرات، والأمراض النفسية، والانتحار، والمعاناة من ضغوط الحياة كأم عازبة لطفل لقيط، والعنف من شريك الحياة، والإصابة بالأمراض المعدية من العلاقات غير الشرعية، والخيانات الزوجية، وغيره من مشاكل المرأة الغربية. تتجه سهامهم المسمومة للمرأة المسلمة، فيشنون حملات مسعورة لنزع حجابها، بل يضايقونها ويؤذونها في سبيل ذلك، لأن الستر لا يدخل في حيّز حرياتهم التي وسعت كل عري! .. يدعونها للتعب والشقاء والعمل طيلة أيام السنة كآلة بلا رحمة بدافع الندية للرجل، ويذمون عفتها وحياءها وسترها الذي هو تاج أنوثتها، ثم يشغلونها بأشكال من الاهتمامات الفارغة اخترعوها للانحدار لمستويات التفاهة والسطحية، تسابق فيها المرأة بتفاصيل شكلها ويتركون كل قيمة وجوهر فيها، أوَ ليست هذه أسواق النخاسة في الجاهلية!

ولن يخرج الغرب من هذا التخبط والفشل في التعامل مع المرأة إلا بالعودة لقيم الإسلام وفطرته .. فهاهم أعلنوا التحرر التام فواجههم التحرش اللاحدود له، يتفاخرون بتحرر نسائهم ونساؤهم تتباكين عند القضاة من تحرشات رجالهم، كلما حاربوا الإسلام حاربتهم الجاهلية!

ولعل الدليل الذي يؤكد على أن الإسلام كان ولا يزال الحل في نظر الكثير من النساء الغربيات اللاتي اكتوين من معاملة الغرب لهن كسلعة تباع وتشترى، يظهر من خلال الأرقام والإحصاءات التي اتفقت على أن أعلى نسبة للمعتنقين للإسلام في الغرب هي بين النساء. ففي دراسة نشرتها جامعة “لينشبرغ” في ولاية فرجينيا الأميركية، بلغت نسبة الأميركيات اللاتي اعتنقن الإسلام مقارنة بالذكور 4 نساء إلى رجل واحد. وأما في بريطانيا فبلغت نسبة النساء المعتنقات للإسلام من مجموع المعتنقين لهذا الدين القويم 75% وفقاً لصحيفة “إندبندنت” البريطانية.

الجاهلية تجلب الفوضى

ثم من جانب آخر، مع ما تضخه الآلة الرأسمالية وتفرضه متطلبات العلمانية، يغرق المجتمع في الماديات والشهوات فلا ينتج عن ذلك إلا الانفكاك والقسوة في قلب الأسرة، وتبتعد المجتمعات تدريجياً عن سكينة الإسلام واستقراره لتسقط في وحل الجاهلية وفوضاها، لذلك أضحينا نشاهد ارتفاعاً لافتاً في معدلات الجريمة حتى بين أقرب الناس. قد افتقدت النفوس خشية الله لما فتحت أبواب الشياطين وانتشرت دعوات الفساد وحلّ الارتياب والسخط والظلم في القلوب بدل الإيمان والتقوى والعدل. ثم لا تسل عن الانتحار والأمراض النفسية وظلمات التيه والضياع.

الإسلام هو الحل

ولا نرى إلا الإسلام في مواجهة هذا السيل من دعاوى الجاهلية برسوخ يدعو للتأمل، فقد شاء الله منذ أخرج أمة الإسلام للوجود أن يرتبط بها مصير البشرية، إن هي قامت بحمل هذه الرسالة كما يجب، لكنها إن تقاعست عن أداء رسالتها غلبتها الجاهلية وقهرتها. بل وأفسدت في الأرض تماما كما نشاهد اليوم كيف خسر العالم بانحطاط المسلمين، حتى بات الإنسان يحارب الفطرة ويغيّر خلق الله سبحانه متبعاً خطوات الشيطان وينشر هذا الفساد بدعم النظام الذي يحكم العالم وما هو في الواقع إلا حكم الجاهلية وحكم الشيطان.

قال تعالى عن الشيطان (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا * أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا).

وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطر اتباع اليهود والنصارى، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ)؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (فَمَن؟!)؛ (رواه الشيخان).

ووصف ذلك ابن بطة العكبري الحنبلي رحمه الله الذي عاش منذ 304هـ  إلى 387هـ وهو يحدثنا عن حال المسلمين في زمانه كأنه يصف حالنا اليوم حيث قال:”فلو أن رجلاً عاقلاً أمعن النظر اليوم في الإسلام وأهله لعلم أن أمور الناس تمضي كلها على سنن أهل الكتابين وطريقتهم، وعلى سنة كسرى وقيصر وعلى ما كانت عليه الجاهلية فما من طبقة من الناس وما من صنف منهم إلا وهم في سائر أمورهم مخالفون لشرائع الإسلام وسنة الرسولﷺ فإن صرف بصره إلى السلطنة وأهلها، ومن لاذ بها من حكامهم وعمالهم، وجد الأمر كله فيهم بالضد مما أمروا به، ونصبوا له، في أفعالهم وأحكامهم وزيهم ولباسهم، وكذلك في سائر الناس بعدهم من التجار والسوقة، وأبناء الدنيا من الزراع والصناع والأجراء والفقراء والقراء والعلماء إلا من عصمه الله. ومتى فكرت في ذلك وجدت الأمر كما أخبرتك في المصائب والأفراح، وفي الزي واللباس والآنية والأبنية والمساكن والخدام والمراكب والولائم والأعراس والمجالس والفرش والمآكل والمشارب وكل ذلك، فيجري خلاف السنة والكتاب بالضد مما أمر به المسلمون وندب إليه المؤمنون”.[1]

بهذا الوصف نرى كيف أن القصة تتكرر بمجرد أن يفتح الباب أمام الجاهلية فإنها ستدخل، وأول دخولها اتباع سنن من كفر وتقليد اليهود والنصارى في كل شيء وإن كان فاسداً، والله سبحانه يقول ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ولاشك أن كل حكم غير حكم الله وشريعته، هو حكم جاهلية مهما تزين بالشعارات وقدم من وعود أو تزين بالأسماء البراقة والحجج الرقراقة!

قال ابن تيمية رحمه الله: “وكلُّ ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسبٍ أو بلدٍ أو جنسٍ أو مذهبٍ أو طريقةٍ: فهو من عزاء الجاهلية، بل لَمَّا اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار، فقال المهاجري: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وقال الأنصاري: يَا لَلْأَنْصَارِ، قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» وغضب لذلك غضبًا شديدًا”.[2]

إما أن يسود الإسلام أو تسود الجاهلية

إن كل ما يعيبه الغرب في الإسلام يقوم به ويشرّعه بقوانينه، يغزو الدول، يقيم فيها حكمه وهيمنته، يجبرها على دفع الجزية له، يتحكم فيها أو يحاربها، بل تجاوز ذلك بحصار لا إنسانية فيه، وسبي للنساء لا رحمة فيه، وقتل جماعي باستعمال أفتك الأسلحة التي لا تفرق بين رجل وامرأة ولا بين شيخ وطفل. هذا دون الحديث عن النهب الذي يجري خلف ستار التعتيم الإعلامي والسجون السرية والعلنية وقائمة الانتهاكات لحقوق الإنسان التي يحاضر فيها في المحافل الدولية، والمنصف يدرك أن الإسلام أعدل من الغرب ويكفي تأمل ما جرّته حروبه من ويلات، وأعدل من الشرق ويكفي تأمل ما تفعله بكين بالمسلمين في تركستان الشرقية.

ثم دعونا نتأمل ما يعيبه الغرب في الإسلام خلال فترة حكمه الذهبية، فهو يعيب عليه الفتوحات وأخذ الجزية، وتطبيق الحدود والشرائع لتنظيم معيشة الأسرة والمجتمع فضلا عن منظومته التي تحارب الربا. وكأنه لا يرى حقيقة حاله اليوم، فمن يقارن تلك الفترة التي حكم فيها الإسلام بما يمارسه الغرب اليوم، يجد بدل الفتوحات الإسلامية التي ازدهرت معها الشعوب، الاحتلال المباشر وغير المباشر الذي يفرض على الشعوب الذل والقهر، ويجد أن الغرب يأخذ بدل الجزية أضعافاً مضاعفة، ويجد أن تشريعاته وقوانينه جائرة لم تحقق العدل ولا الاستقرار كما حققه الإسلام، بل تسللت إلى تفاصيل حياة الأسر والعلاقات الشخصية بما تمليه البهيمية التي انحدر إليها الغرب. بغزو فكري خبيث مدمر للإنسانية، وأصبح من يريد الطهارة، منتقداً ومنبوذاً، كما حصل في عصر نبي الله لوط عليه السلام، قال تعالى (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).

ولا مجال للمقارنة بين الفتوحات وبين الاحتلال، فتوحات حفظت لأهل البلاد حقوقهم وعرضت عليهم الخروج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، طواعية لا كرهاً، ومن أبى حفظت له حقوقه مقابل جزية يدفعها، فازدهرت معها الشعوب واستقوت، لا تقارن البتة مع الاحتلال، الذي قام على النهب والتسلط وسحق الشعوب عدوانًا وقسراً ثم النتيجة ما نراه اليوم في الدول التي تعرضت للاحتلال، من تخلف وضعف واستعباد، وتفشي الانهزامية بين أجيال تلعن هذا المحتل وأخرى تعبده! ولا يزال هذا الاحتلال مستمراً بأشكال أكثر تطوراً، حيث تدفع الدول باستمرار أشكالا مختلفة من الجزية، مرغمة لضمان استمرارية رفاهية المحتل، والويل لها إن فكرت في الاستقلال! وتلك قاعدة راسخة في تاريخ الظلم: الأقوى يقوم على أكتاف المستضعفين.

والحمد لله أن هناك دائماً من  يرفض الذل واتباع سبيل الضالين والظالمين، ومما ينسب للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: “لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية”. فمن شاهد الجاهلية كما هي بصورتها الحقيقية وتفاصيلها الخبيثة وعواقبها المفسدة، أدرك عظمة الإسلام ولعل ذلك ما يفسر شدة تمسك الكثير من المسلمين المغتربين بالإسلام بعد أن سافروا لأرض الغرب.

ثم لا عجب أن أصبح الإسلام أسرع الأديان انتشاراً في العالم تزامناً مع تفشي أمراض الحداثة قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فكلما حاولوا إطفاء نور اليقين في قلوب المسلمين، كي يمّهدوا لاستعبادهم في ظلام الجاهلية تتصدى لهم آيات الله، (الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة، نعمة القرآن والسنة.

العمل لعودة حكم الإسلام لأجل البشرية

إن كل ما تشاهده في هذا العالم يدعوك للعمل لهذا الإسلام، حتى تكون كلمة الله هي العليا، فجمال الكون وعظمة خلق الله سبحانه، وحالة الضعف التي تعيشها أمة دينها التوحيد، وموت ينتظر كل حيّ مهما بلغ من القوة والملك، وشوق للقاء من سبق من روائع النفس البشرية، وحقيقة أن الجزاء من جنس العمل، وانتشار البلاء والمرض والعقاب. فأي عاقل يغفل؟

ثم لماذا كل ما تراه يدعوك للعمل لعودة الإسلام حاكما، لأن هناك حقيقة تكررت على امتداد التاريخ في صراع الأمم، إما أن تأخذ الأمة الجزية من باقي الأمم أو ستدفع هي هذه الجزية عن يد وهي صاغرة! ولا سبيل للتخلص من دفع الجزية إلا امتلاك أسباب القوة والريادة، هذه معادلة تتكرر مع كل الأديان والملل. إما أن تسود أو تُذلّ.

وفي هذه اللحظات أستحضر موقفا رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: “ﺃﻻ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻣﻦ ﺃﻣﺮ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﺗﺤﺖ ﻗﺪﻣﻲ ﻣﻮﺿﻮﻉ”.

إنه مشهد للاستعلاء بالإيمان وعزة الإسلام، وجب علينا الاقتداء به اليوم في تعاملنا مع كل دعاوى الجاهلية.

ويكفي لتحقيق ذلك أن نلتزم بهدي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا ننحرف عنها، في كل سكناتنا وحركاتنا .. في كل أقوالنا وأعمالنا، نبذل جهدنا في ترقية ذواتنا وقدراتنا لبلوغ مراتب العطاء الأوفى،كما سابق الجيل المتفرد .. في سبيل الله وحده لا شريك له .. أعيننا على مراتب الخالدين. فنتجاوز بذلك محنة جاهلية هذا العصر. فإن التمرد على هذه الجاهلية هو أول إنجاز نقدمه لأنفسنا ولأمتنا ثم تأتي بركات الصدق.

د. ليلى حمدان


[1]  الإبانة لابن بطة ص2/571

[2]  “السياسة الشرعية” لابن تيمية (84)


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *